Post: #1
Title: بين أنقاض العيش.. وكرامة الحياة كتبه ادم ابكر عيسي
Author: ادم ابكر عيسي
Date: 01-25-2026, 10:11 AM
10:11 AM January, 25 2026 سودانيز اون لاين ادم ابكر عيسي-السودان مكتبتى رابط مختصر
أصداء الوعي ادم ابكر عيسي
في خِضَمِّ الدمار الذي لا يذر حجرًا على حجر، وتحت وطأة النزوح والتهجير، ينحسر أمل العيش الكريم ليصبح حلماً بعيد المنال. فلم تعد الأسر تبحث عن الرفاه، بل عن فتات الخبز، ووسيلة تُبقي على الأنفاس. في هذا المشهد القاسي، يتحوّل الإنسان إلى بائعٍ متجوّل، أو صاحب حرفة هامشية، ليس بحثاً عن الغنى، بل هرباً من جوعٍ يطارد الأحلام.
ثم تأتي الأجهزة الرسمية لتنظر إلى هؤلاء نظرة "الخارجين على القانون"، أو "المخربين للأمن"، في مشهدٍ يختزل المأساة كلها: فمن يُحاكم اليوم؟ أولئك الذين يُحاولون النجاة بأنفسهم من غرقٍ مؤكد، أم السياسات التي أوصلتهم إلى هذا الحافة؟
لنسأل بسموٍّ إنسانيّ: كيف يُفترض بهذا الشعب أن يدبّر معاشه، وهو يُحاصر بغياب الفرص، وتفشي البطالة، ثم تأتي الحرب لتُنهي ما تبقّى من مصادر الرزق؟ إنها ليست أزمة طارئة فحسب، بل نتيجة تراكمية لسنوات من الإهمال، وفشلٍ مزمن في خلق اقتصادٍ حقيقي يُنتج ويُشغّل الأيدي والأدمغة. وجاءت الحرب لتُزيح الستار عن هذا الصدع العميق.
إن المعالجات الأمنية القاسية، عبر "الكشّات" والتخويف، ليست حلولاً، بل هي إضافة جرحٍ على جرح، وإهانةٌ للكرامة الإنسانية. لا يُعقل أن تُحل الأزمات بالعنف، بينما الحلّ يكمن في البحث الجادّ عن عدالة اقتصادية. لماذا لا يُنظّم هؤلاء الباعة، ويُسجّلون، ويُدمجون في نسيج اقتصادي منتج؟ لماذا لا تتعاون البلديات معهم لإنشاء أسواق شعبية لائقة، تعود بالمنفعة على الجميع، وتُحافظ على جمال المدن؟
الأمر يحتاج إلى عقلية جديدة، تتعامل مع الإنسان كقيمة، لا كعبء. فالمشاهد المؤلمة التي نشهدها في بعض المدن، حيث تُكسّر متاجر بائعي الشاي البسيطة، وتُبعثر أمتعتهم، هي مشاهد تحكي عن انفصام بين من يملك سلطة القانون، ومن يملك سلطة البقاء. لو وضع كل مسؤول نفسه مكان ذلك البائع المسنّ، أو الأمّ التي تبيع بعض الحاجيات، لأدرك أن العنف ليس حلاً، وأن الكرامة لا تُستردّ بالعصا.
الحلّ يبدأ بالاعتراف بالإنسان. ثم بفتح أبواب التمويل الصغير لهم، وخلق فرص إنتاجية حقيقية، وإشراكهم في بناء اقتصادهم. علينا أن نتوقف عن خلق أزمات أمنية من رحم المعاناة، وأن نتحول من ثقافة "القمع" إلى ثقافة "التنظيم والإدماج". فالشعب الذي يصنع الحياة من بين الركام، يستحقّ أكثر من مجرد أن يُنظر إليه كمشكلة.. إنه يستحق أن يكون جزءاً من الحل.
|
|