هل يمكن لأنسان العولمة التحرر دون القطيعة مع التراث؟

هل يمكن لأنسان العولمة التحرر دون القطيعة مع التراث؟


01-24-2026, 11:28 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1769297297&rn=0


Post: #1
Title: هل يمكن لأنسان العولمة التحرر دون القطيعة مع التراث؟
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 01-24-2026, 11:28 PM

11:28 PM January, 24 2026

سودانيز اون لاين
زهير ابو الزهراء-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



هل يمكن التحرر دون القطيعة مع التراث؟
مرافعة فكرية في مواجهة فلسفة كريشنامورتي
في زمنٍ يضيق فيه الأفق، وتتشظى فيه اليقينيات، يعود سؤال المعنى هذا بقوة كيف يتحرر الإنسان؟ هل بالقطيعة التامة مع ماضيه وتراثه، أم بإعادة النظر فيه وتفكيكه من الداخل؟
هذا السؤال ليس فلسفياً مجرداً، بل هو سؤال يومي يواجه مجتمعاتنا، من الدين إلى السياسة، ومن الهوية إلى الروحانية
في هذا السياق، تبدو فلسفة المفكر الروحي الهندي جيدو كريشنامورتي مغرية وبسيطة في آنٍ واحد التحرر لا يتحقق إلا بكسر كل الأطرالدينية، الثقافية، الأيديولوجية وهوالعيش في حالة وعي خالص، بلا مرجعيات سابقة لا اعلم هنا
يجب ان اقول بنقاء انساني او بالفطرة التي يتحدثون عنها
لكن هل هذا ممكن؟ وهل هو مرغوب دائماً؟
الدين وهل نري بين التجربة والتحرر المطلق
ينطلق كريشنامورتي من رفض جذري للدين، لا بوصفه مؤسسة فقط، بل كفكرة، باعتباره نظاماً يعيد إنتاج التبعية ويعطل الاكتشاف الحر للحقيقة. الطقوس عنده تكرار آلي، والموروث عبء يجب التخلص منه
في المقابل، أرى الدين وانطلاقاً من تجربة شخصية وفكرية ,فضاءً مفتوحاً للتأويل لا قيداً مغلقاً بالضرورة فالمشكلة ليست في المقدس، بل في احتكاره لفئة ما وبالطقوس قد تتحول إلى لغة داخلية للتأمل، لا إلى أداة إخضاع
التحرر هنا لا يعني الهدم، بل تحرير الدين من سلطته على الإنسان، لا تحرير الإنسان من كل معنى بل مساحة تفكير خارج الاطار التقليدي

قد اقول الاختلاف الجوهري هنا ليس دينياً، بل أنثروبولوجياً بشكل ما - وهل الإنسان قادر على إعادة تشكيل تراثه، أم أن التراث لعنة يجب الفكاك منها بالكامل؟
الروحانية هل يمكن ان تكون الوعي بلا إطار؟
يرى كريشنامورتي أن أي إطار كيف يكون هو الروحي يشوّه الوعي, الوعي الحقيقي عنده حالة حضور مطلق، بلا لغة، بلا ذاكرة، بلا ماضٍ
لكن هذا الطرح يواجه سؤالاً بسيطاً ومحرجاً هو هل يستطيع الإنسان أن يعيش بلا لغة؟ بلا رموز؟ بلا تاريخ؟
حتى لحظة الوعي نفسها تُدرك عبر أدوات تشكّلها الثقافة
تجربتي الفكرية مختلفة من التصوف إلى الماركسية ثم إلى الحداثة المنفتحة وقادتني إلى قناعة مختلفة هي أن الإنسان كائن تاريخي، لا يختار شروط وجوده، لكنه قادر على تفكيكها وإعادة بنائها و الروحانية ليست هروباً من العالم، بل محاولة لفهمه بعمق أكبر، دون إنكار بعده المادي والاجتماعي
سالت نفسي هل الأيديولوجيا ضرورة أم سجن؟
ينسحب الخلاف نفسه على الأيديولوجيا
كريشنامورتي يراها جميعاً سجناً للعقل، لا فرق بين ديني وسياسي كلاهما سجون
أما أنا فأراها أدوات مؤقتة للفهم، تتحول إلى عائق فقط عندما تُقدّس
الماركسية، مثلاً، قدّمت أدوات تحليل عميقة لفهم الظلم والسلطة، لكنها فشلت حين تحولت إلى يقين مغلق
المشكلة ليست في الفكرة، بل في تجميدها , لا يمكن للإنسان أن يعيش بلا أفكار منظمة، لكنه يستطيع أن يعيش بوعي نقدي دائم تجاهها

ولماذا يهمّنا هذا الآن؟
في عالمنا العربي، وفي السودان تحديداً، لا يبدو طرح القطيعة الشاملة عملياً ولا عادلاً. نحن مجتمعات مركّبة، تتداخل فيها الديانات، والثقافات، والهويات. الدعوة إلى محو الأطر قد تبدو تحررية نظرياً، لكنها على الأرض قد تتحول إلى فراغ قيمي أو إلى صراع هويات أكثر حدة

نحن بحاجة إلى نموذج فكري يوفّق دون أن يهادن، وينقد دون أن يدمّر ونموذج يرى في التراث مادة قابلة لإعادة التشكيل، لا صنماً يُعبد ولا عبئاً يُلقى في البحر
عوالم مفتوحة أو طريق للتحرر؟
التحرر، في تصوري، ليس لحظة انفصال نهائي، بل عملية مستمرة من المراجعة والتأويل و الفرق بين رؤيتي ورؤية كريشنامورتي ليس في الهدف وكلاهما يسعى لتحرير الإنسان بل في الطريق , وهو يراهن على الإلغاء، وأنا أراهن على إعادة التفسير
يبقى السؤال مفتوحاً، ومطروحاً للجميع ,هل خلاص الإنسان في القطيعة الجذرية مع كل ما شكّله؟
أم في امتلاك الشجاعة لتفكيك تراثه، ومساءلته، ثم العيش معه دون خضوع؟
ربما لا تكمن الإجابة في أحد الطرفين، بل في المساحة الصعبة بينهما , حيث لا يقين مطلق، ولا فراغ كامل، بل محاولة إنسانية دائمة لفهم الذات والعالم من جديد , هذه الكتابة ضرب من ضروب الجنون العقدي وجزء من افكار انسان المرحلة الرمادية في عصر العولمة.