اختبار لاهاي.. هل يسلم البرهان ورقته الأخيرة لإثبات براءته من الإخوان؟ كتبه عبدالغني بريش فيوف

اختبار لاهاي.. هل يسلم البرهان ورقته الأخيرة لإثبات براءته من الإخوان؟ كتبه عبدالغني بريش فيوف


01-24-2026, 04:53 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1769273634&rn=0


Post: #1
Title: اختبار لاهاي.. هل يسلم البرهان ورقته الأخيرة لإثبات براءته من الإخوان؟ كتبه عبدالغني بريش فيوف
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 01-24-2026, 04:53 PM

04:53 PM January, 24 2026

سودانيز اون لاين
عبدالغني بريش فيوف -USA
مكتبتى
رابط مختصر





في ظل الحرب الطاحنة التي تمزق أوصال السودان منذ أبريل 2023، يبرز تناقض صارخ في الخطاب السياسي والعسكري الذي تتبناه قيادة الجيش السوداني برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، فبينما تصدح الجنرالات ليل نهار بأن حربهم، هي حرب ضد ميليشيا متمردة وأنهم يسعون أيضا، لتفكيك إرث نظام الثلاثين من يونيو أو ما يُعرف بالكيزان والإسلاميين الذين تغلغلوا في مفاصل الدولة، يظل رأس ذلك النظام، عمر البشير، وأعوانه المطلوبون دوليا، قابعين في سجون أو مستشفيات، تحت حماية الجيش، بعيدا عن أيدي العدالة الدولية.
إن دعوة مستشارة العدالة الدولية في منظمة هيومن رايتس ووتش، تمارا أبو رمضان، للسلطات الخاضعة للجيش السوداني بتسليم المطلوبين المتبقين للمحكمة الجنائية الدولية فورا، لا تمثل مجرد مطالبة حقوقية روتينية، بل هي حجر الزاوية الذي يختبر جدية البرهان في مزاعمه حول القطيعة مع الماضي، فإذا كان الرجل صادقا حقا في حربه على الإسلاميين ونظامهم الذي أورث السودان الخراب، فلماذا يحتفظ برموزهم تحت جناحه بدلا من إرسالهم إلى لاهاي؟
لماذا يحتفظ البرهان بالبشير؟
منذ سقوط نظام البشير في أبريل 2019، ظل ملف تسليم المطلوبين للجنائية الدولية، عمر البشير، عبد الرحيم محمد حسين، وأحمد هارون، وغيرهم، مسرحا للمراوغة والتسويف، ومع اندلاع الحرب الأخيرة، تحول هذا الملف من مجرد قضية عدالة انتقالية إلى ورقة شد وجذب، ومساومة استراتيجية.
إن الاحتفاظ بالبشير وأعوانه، ليس مجرد إجراء بيروقراطي أو أمني، بل هو رسالة سياسية مزدوجة، من جهة، يحاول البرهان الحفاظ على شعرة معاوية مع القواعد الإسلامية داخل الجيش وخارجه، والتي ترى في تسليم البشير إهانة لرمزية المؤسسة العسكرية والسيادة الوطنية، ومن جهة أخرى، يخشى البرهان وبعض جنرالاته من أن فتح أبواب لاهاي قد لا يتوقف عند البشير فحسب، بل قد يطال قيادات حالية كانت جزءا من الآلة العسكرية في فترات الصراع بدارفور وغيرها.
لكن، كما أشارت أبو رمضان، فإن تنفيذ أوامر التوقيف يجب أن يتم دون تأخير، لأن البشير يظل أبرز المشتبه بهم، وإن استمرار وجود البشير في عهدة البرهان يفرغ سردية محاربة الإسلاميين من مضمونها، ويجعلها تبدو كحرب على فصيل محدد من الإسلاميين الذين لا يدينون بالولاء للبرهان وليست حرباً مبدئية ضد الفكرة الشمولية التي حكمت البلاد لثلاثة عقود.
العدالة الدولية.. طوق النجاة الأخير للضحايا!
تتجاوز الدعوات الدولية، التي تبنتها هيومن رايتس ووتش، مسألة الانتقام السياسي إلى جوهر تحقيق العدالة للضحايا، وإن نقل المطلوبين إلى المحكمة الجنائية الدولية، يمثل خطوة أساسية لإنصاف ملايين النازحين واللاجئين وضحايا الإبادة الجماعية الذين ما زالوا ينتظرون القصاص منذ سنوات طويلة.

إن المطالبة بتوسيع ولاية المحكمة لتشمل كامل الأراضي السودانية، كما جاء في مقالة المستشارة الحقوقية، تعكس إدراكا دوليا بأن الجرائم لم تتوقف، بل استمرت وتطورت بأشكال جديدة في الحرب الحالية، وهنا تكمن المعضلة الأخلاقية للبرهان، إذ كيف يمكن لقائد يدعي حماية الشعب السوداني من التمرد أن يحمي في الوقت ذاته من ارتكبوا أفظع الجرائم في حق هذا الشعب نفسه؟
إن الإفلات من العقاب الذي حظي به نظام البشير هو ما مهد الطريق للانتهاكات الحالية، واستمرار حماية هؤلاء القادة هو تجديد لرخصة القتل في السودان.
خيارات البرهان الصعبة.. لاهاي أو العزلة!
يضع الضغط الحقوقي الدولي، والمطالبة بدراسة إنشاء محكمة دولية خاصة بالسودان، البرهان أمام خيارات محدودة وضيقة، لأن العالم لم يعد يحتمل التبريرات الواهية حول الظروف الأمنية التي تمنع التسليم، أو الحديث عن محاكمات وطنية أثبتت الأيام عجزها التام عن محاسبة أصغر مسؤول في النظام البائد، ناهيك عن رأسه.
إن تفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية لملاحقة المتورطين، يعني أن الحصار القانوني سيشتد ليس فقط على البشير، بل على كل من يتستر عليه، وإذا كان البرهان يريد أن يقدم نفسه للمجتمع الدولي كشريك موثوق وكقائد يسعى لبناء دولة سودانية جديدة، فلا مفر من تقديم قربان العدالة، وتسليم البشير هو الاختبار الوحيد الذي سيقنع الغرب والمنظمات الدولية بفك الارتباط بين جيش السودان والحركة الإسلامية.
ازدواجية المعايير.. الحرب على الإسلاميين أم بهم؟
يثير موقف البرهان تساؤلات مشروعة وعميقة حول طبيعة تحالفاته الحالية، فالتقارير تشير إلى عودة كتائب النظام السابق للقتال جنبا إلى جنب مع الجيش، وهروب قادة إسلاميين بارزين مثل أحمد هارون من السجون واختفائهم في مناطق سيطرة الجيش، ينسف مصداقية أي حديث عن محاربة الإسلاميين بطريقة جدية وحاسمة.
إذا كان البرهان جاداً في فك الارتباط مع الكيزان، فعليه أن يبدأ برؤوسهم الكبيرة، لأنه لا يمكن منطقياً شن حرب على أذرع النظام السابق السياسية والعسكرية، بينما يتم توفير الحضانة الآمنة لعقله المدبر ورمزه الأول عمر البشير.
إن هذا التناقض يؤكد فرضية أن الحرب الحالية بالنسبة للبعض في قيادة الجيش ليست حرب تحرير وطني، بل هي حرب إعادة تموضع للنظام القديم بوجه جديد، يحاول التخلص من عبء الدعم السريع الذي صنعه بيده، ليعود ويحكم قبضته من جديد.
*****************************
إن دعوة هيومن رايتس ووتش، ليست مجرد بيان صحفي عابر، بل هي جرس إنذار، لأن تعزيز آليات العدالة الدولية، هو الطريق الوحيد لضمان عدم تكرار المآسي، وعلى البرهان أن يدرك أن التاريخ لا يرحم، وأن الرقص على رؤوس الثعابين لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.
إذا كان الفريق البرهان يريد أن يبرئ ساحته من تهمة التواطؤ مع النظام البائد، وإذا كان يريد أن يثبت للسودانيين وللعالم أنه يحارب من أجل دولة القانون لا من أجل سلطة الفرد أو الجماعة، فإن الطريق إلى ذلك يمر عبر بوابة واحدة، وهي مطار الخرطوم أو بورتسودان، وطائرة متجهة إلى لاهاي تحمل على متنها عمر البشير وأعوانه، وأي خيار آخر هو مجرد ذر للرماد في العيون، وتأكيد على أن النظام القديم لم يسقط، بل قام بتغيير بزته العسكرية فقط.
في ختام هذا التشريح الدقيق للمشهد السوداني الماثل أمامنا، نجد أننا لا نقف مجرد أمام مقال رأي عابر، بل أمام وثيقة اتهام سياسي وأخلاقي تضع قيادة الجيش السوداني، وتحديدا الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أمام مرآة الحقيقة العارية، وإن اختبار لاهاي الذي طرحناه في السطور السابقة، ليس مجرد إجراء قضائي تقني يتعلق بترحيل مطلوبين، بل هو الحدث الفاصل الذي سيميز بين رجل الدولة الذي يسعى لتأسيس سودان جديد، وبين الحاكم العسكري الذي يعيد إنتاج النظام القديم بأقنعة جديدة.
إن الغوص في عمق هذا التناقض الصارخ الذي يعيشه البرهان، يكشف لنا عن المعضلة الوجودية التي تحكم تحركاته، فهو عالق في المنطقة الرمادية القاتلة بين شرعية يطلبها من المجتمع الدولي عبر ادعاء محاربة الميليشيات المتمردة، وبين حاضنة سياسية وأيدولوجية الحركة الإسلامية، التي يعتمد على كتائبها وخبرائها الأمنيين للبقاء في السلطة.
هذا الرقص على الحبال المشدودة، لا يمكن أن يستمر طويلاً، فالحقائق على الأرض أثبتت أن الجمع بين نقيضين، محاربة الكيزان وحمايتهم في آن واحد، هي معادلة صفرية نتيجتها الحتمية، هي تآكل ما تبقى من المؤسسة العسكرية.
علينا أن ندرك بوضوح تام، أن تسليم البشير وهارون وعبد الرحيم محمد حسين وغيرهم من المطلوبين، يتجاوز فكرة الامتثال للقانون الدولي، إنه في جوهره عملية تطهير ذاتي للجيش السوداني، فبقاء هؤلاء الرموز تحت حماية القوات المسلحة يرسل رسالة مدمرة للداخل والخارج مفادها أن الجيش الحالي، هو الوريث الشرعي والامتداد الطبيعي لنظام الثلاثين من يونيو 1989، وهنا تكمن الخطورة القصوى، فإذا ترسخت هذه القناعة لدى المجتمع الدولي، فإن أي دعم مستقبلي للجيش أو للسلطة في بورتسودان سيصبح مستحيلا، وسيتم التعامل مع القيادة الحالية بوصفها شريكة في التستر على جرائم الإبادة، لا كطرف يسعى لإنهاء التمرد.
إن الركون إلى فكرة السيادة الوطنية كذريعة لمنع التسليم، قد سقط بالتقادم وبفعل الواقع المرير، فأي سيادة تلك التي يتحدثون عنها في ظل دولة مزقتها الحروب، واستباحت دماء أبنائها نفس الوجوه التي تحتمي اليوم بأسوار المستشفيات العسكرية؟
إن السيادة الحقيقية تتجلى في القدرة على إقامة العدل، وحين تعجز المؤسسات الوطنية، عمدا أو عجزا عن محاكمة من أحرقوا دارفور وجبال النوبة وولخ، فإن العدالة الدولية تصبح هي الملاذ الأخير، وهي طوق النجاة الوحيد لإنصاف الضحايا وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة.
علاوة على ذلك، يجب قراءة التحركات الحقوقية الأخيرة، وعلى رأسها دعوة هيومن رايتس ووتش، بوصفها نذيرا بأن ساعة الرمل قد قاربت على النفاد.
العالم يتغير، والمجتمع الدولي الذي تغاضى سابقا عن بعض التجاوزات بدعوى الاستقرار، لم يعد مستعدا لقبول تكرار سيناريوهات الإفلات من العقاب، وإن الحديث عن محكمة دولية خاصة بالسودان أو تفعيل الولاية القضائية العالمية يعني أن الدائرة تضيق، وأن الحصانة التي يظن البرهان أنه يوفرها لرفقاء السلاح السابقين قد تنقلب لتصبح قيدا يكبله هو شخصيا في المستقبل القريب.
إن السيناريو الأسوأ الذي يخشاه كل سوداني غيور على وطنه، هو أن تكون الحرب الحالية مجرد مسرحية دموية لإعادة هندسة النظام البائد، حيث يتم التخلص من الخصوم، وتلميع الوجوه القديمة، والعودة إلى المربع الأول، وإذا صحّت هذه الفرضية، فإن البرهان لا يخدع العالم فحسب، بل يخدع نفسه أولا، لأن السودان ما بعد أبريل 2023 وما بعد ثورة ديسمبر، ليس هو سودان 1989، ذلك أن الوعي الشعبي، والدمار الهائل، والتربص الدولي، كلها عوامل تجعل من المستحيل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
في هذه اللحظة التاريخية الحرجة، يمتلك الفريق البرهان في يده الورقة الأخيرة، وهذه الورقة ليست مناورة عسكرية في الميدان، ولا تحالفا سياسيا تكتيكيا، بل هي ورقة الطائرة المتجهة إلى لاهاي.
إن اتخاذ قرار شجاع بقطع الحبل السري مع النظام البائد وتسليم المطلوبين، هو الفعل الوحيد القادر على منح سرديته حول حرب الكرامة مصداقية أخلاقية وسياسية.
الخيار الآن لم يعد يحتمل القسمة على اثنين: إما أن يختار البرهان الانحياز للمستقبل، ولدولة القانون، ولعذابات الضحايا، فيسلم أمانات العدالة إلى أصحابها، وبذلك يبرئ ساحة الجيش من وزر الكيزان، وإما أن يختار الاحتفاظ بهم، فيعلن بذلك للعالم أجمع أنه الحارس الأمين لإرث الدمار، وأنه اختار العزلة والملاحقة والتاريخ الأسود بدلا من بناء وطن يسع الجميع.
التاريخ يكتب الآن، والمداد الذي يُكتب به هو دماء السودانيين، فليختر الجنرال بأي صفحة يريد أن يُذكر اسمه: كمحرر للوطن من قبضة الماضي، أم كسجان يحرس أشباحا دمرت البلاد والعباد؟
الكرة الآن في ملعب الفريق البرهان.. والزمن لا ينتظر المترددين.