Post: #1
Title: المؤرخ الكسول وصندوق استنزاف الطلاب!!! كتبه الأمين مصطفى
Author: الأمين مصطفى
Date: 01-24-2026, 04:51 PM
04:51 PM January, 24 2026 سودانيز اون لاين الأمين مصطفى-السودان مكتبتى رابط مختصر
لم تكن الجامعات السودانية، وعلى رأسها جامعة الخرطوم، مجرد قاعات محاضرات ومناهج جامدة، بل كانت منظومات متكاملة للحياة الأكاديمية والاجتماعية والاقتصادية. جامعة تملك داخليات، ومطابع، ودور نشر، ومزارع، وعقارات، واستثمارات صغيرة لكنها ذكية، أسهمت جميعها في استقرارها الأكاديمي وريادتها في زمنٍ لم تكن فيه الدولة تُغدق دعماً، ولا كان الطالب رهينة لرسوم متقلبة أو سكنٍ مجهول المصير. وما ينطبق على جامعة الخرطوم يكاد ينطبق على أغلب الجامعات التي كانت قائمة قبل ما سُمِّي بثورة التعليم، وقبل ظهور كيان غامض اسمه “صندوق دعم الطلاب”. بقيام الصندوق، تبدّل كل شيء. لم تعد الجامعات تملك من أمر أصولها شيئاً يُذكر، وانتُزعت منها الداخليات، وجُرّدت من حقها في إدارة شؤون طلابها، تحت ذريعة أن الصندوق سيقوم بسكنهم وإعاشتهم. غير أن الواقع يقول إن جلّ الدعم الذي كان يُفترض أن يذهب لمنشآت الجامعات، صار يتدفق نحو الصندوق، بينما تُركت الجامعات تواجه العجز، والتكدس، وانهيار الخدمات. أحد الخبراء الشهود – فضّل حجب اسمه – قال: “الأمر لم يخلُ من نزاع في أول الأمر، جامعة مثل جامعة الخرطوم كانت تدير أمرها عبر نظام دقيق، تقبل الطلاب في داخليات تعرف سعتها، ولها إرث قديم في تقديم الخدمات، والاستثمار في مباني الداخليات من مقاصف وغيرها كان ضمن ميزانيات الجامعات”. لكن ما لم يلتفت إليه أحد، هو الوجه الآخر لهذه القصة: الموظفون في عمادات شؤون الطلاب، أولئك الذين كان صميم عملهم رعاية الطلاب وقضاء حوائجهم في الداخليات. فجأة، بات جلّهم بلا أعباء تقريباً، ولم يسألهم أحد عن خبراتهم المتراكمة في إدارة شؤون الطلاب. ولعل تصريح الأمين دفع الله – حين كان رئيساً لأمناء جامعة الخرطوم – بأن “هنالك فائض عمالة في الجامعة”، لم يكن بعيداً عن هذا الواقع، إذ أُفرغت العمادات من مهامها، لا لفسادها، بل لأن جهة أخرى صعدت لتحل محلها دون مساءلة أو تقييم. وهنا يبرز سؤال جوهري لم يجد إجابة حتى اليوم: ما هو الوضع القانوني لصندوق دعم الطلاب؟ هل هو جهة حكومية؟ أم كيان شبه خاص؟ أم سلطة فوق السلطات لا تخضع لرقابة حقيقية؟ هذا الغموض القانوني ليس تفصيلاً إدارياً، بل أصل الداء، إذ لا يمكن محاسبة جهة لا يُعرف موقعها من الدولة، ولا حدود صلاحياتها، ولا مصادر دخلها، ولا أوجه صرفها. والسؤال الأكثر إيلاماً: لماذا نُزعت الداخليات من الجامعات أصلاً؟ كان بالإمكان – كما كان الحال سابقاً – أن تشرف الجامعات على سكن طلابها برسوم رمزية، تراعي الفوارق الاجتماعية، وتحفظ كرامة الطالب، وتضمن استدامة الخدمة. لكن ما حدث هو العكس: انتزاع، ثم مركزية خانقة، ثم رسوم متصاعدة، ثم تدهور في السكن، لا يخفى على أحد. أما قصص الفساد، فهي حاضرة في الشهادات المتناثرة، وإن غابت في التقارير الرسمية. عقود تشييد داخليات بمواصفات متدنية، صيانة وهمية، إعاشة لا تليق بالآدميين، أموال تُصرف بلا شفافية، ومشروعات تُعلن ولا تُرى. مصادر مختلفة – صحفية، طلابية، وحتى من داخل مؤسسات الدولة – تحدثت عن تجاوزات، لكن لا أحد جمع هذه القصص في ملف واحد، ولا أحد امتلك الشجاعة لفتحها على الملأ. وهنا يأتي دور “المؤرخ الكسول”. ذلك الذي كتب عن التأميم، وصفّق له، واعتبره سنداً للقطاع العام، ثم صمت – أو شارك بالصمت – حين جرت تصفية هذا القطاع باسم التطوير والدعم. كيف لمؤرخ أن يتغافل عن أكبر عملية نزع أصول شهدها التعليم العالي؟ كيف له أن يوثق الماضي، ويتعامى عن حاضرٍ يُنهب فيه ما تبقى من مؤسسات عامة، لا لصالح الدولة، بل لصالح كيانات رمادية؟ إن صندوق دعم الطلاب، كما هو قائم اليوم، لم يعد مجرد أداة دعم، بل تحوّل – بقصد أو بغير قصد – إلى صندوق استنزاف: استنزاف للطلاب، وللجامعات، وللثقة العامة. وما لم يُعاد النظر في دوره، وقانونيته، وعلاقته بالجامعات، فإن الحديث عن إصلاح التعليم العالي سيظل حديثاً إنشائياً، يكتبه مؤرخون كسالى، ويدفع ثمنه طلاب لا يملكون إلا السكن في الهامش، والاحتجاج في العراء. المؤرخ الكسول فى ركاب الانقلاب ان كان تأميم أو خصخصة!!!
|
|