Post: #1
Title: تسريبات ومناورات (في أحوال خطاب الانقطاع عن الواقع) كتبه د. أحمد عثمان عمر
Author: د.أحمد عثمان عمر
Date: 01-23-2026, 06:21 PM
05:21 PM January, 23 2026 سودانيز اون لاين د.أحمد عثمان عمر-الدوحة-قطر مكتبتى رابط مختصر
كثيرا ما تلجأ الأطراف المتحاربة إلى خطاب محسوب لتعيد صياغة الواقع وتبني واقعا يناسبها، في إطار قصف العقول وتشكيل حالة من الفوضى الذهنية، تسيطر عبرها على المشهد السياسي وتمتلك زمام المبادرة من مواقع الدفاع عن مشروع لا يمكن الدفاع عنه إلا عبر الحرب وويلاتها. وقد يتم ذلك بخطاب مباشر يعطي بعض الحقائق وكل الأكاذيب، أو عبر التسريبات والمناورات والشائعات مجهولة المصدر. والناظر لخطاب المليشيا الإرهابية الحالي، يجد غيابا واضحا للخطاب الرسمي لحكومتها غير الشرعية المسماة (حكومة تأسيس) غير المعترف بها من أي دولة ، مع إنتشار لخطاب متعدد الإتجاهات من المدافعين عنها في وسائط التواصل الإجتماعي. فبالرغم من ان الخطاب بصفة عامة يتحدث عن تقدم عسكري ليخفي العجز والشلل المدني، لكنه ينطلق من مواقع تعكس غيابا للوحدة وتذمرا واضحاً، يواكبه تركيز على تكذيب خطاب سلطة الأمر الواقع التابعة للجيش المختطف وتقليل من إنجازاتها المزعومة، ومحاولة لعكس تناقضاتها وصراعاتها بدلا من التركيز على نجاحات حكومة تأسيس المزعومة التي تعيد انتاج الفشل السياسي والعجز التام عن مواجهة مشكلات المواطنين. والخطاب بصورة عامة يترواح بين تقارير خاصة غير مسنودة بأي مصادر موثوقة عن تقدم في محاور القتال في كردفان، وتهديد بالإستيلاء على المدن المحاصرة وعلى رأسها الابيض وكادقلي والدلنج، وشائعات حول العودة إلى أم درمان، وخلاف حول التكتيك العسكري بين من يطالبون بتركيز الجهد على إسقاط قوة الجيش المختطف والمليشيات التابعة له في الأبيض، ومن يؤدون إستمرار إعطاء الأولوية لمدن جنوب كردفان، وإحتجاج وتذمر من البعض الذي يتحدث عن فساد وغلظة المسئولين عن حكومة الجنجويد في نيالا في جميع القطاعات، وطرق مستمر على ما يتم من محاولة لإعادة تشكيل سلطة الأمر الواقع غير الشرعية وتوزيع الأدوار فيها. والملاحظ أن هذا الخطاب مأزوم وضعيف، وسبب ضعفه هو غياب المشروع السياسي الحقيقي الذي يمكن ترويجه وإقناع المواطن به، وثبوت ان حكومة الجنجويد مجرد مناورة سياسية عاجزة عن تثبيت نفسها، وانقسام وعدم وحدة مقدمي الخطاب لعجز القيادة عن انتاج خطاب متماسك وضعف أدواتها الإعلامية القائمة على المبادرة الفردية في الغالب، وحقيقة ان المليشيا الإرهابية بالأساس اداة للقتل والترويع غير قادرة على التحول لقوى مدنية، أو بناء جسم سياسي فعال. فالأساس الذي إنبنى عليه مشروعها، هو إثراء قيادتها عبر النشاط الطفيلي، وقاعدتها عبر النهب والسلب وشفشفة المرافق العامة ومنازل المواطنين. وتركيز هذا الخطاب في جانب منه على إعادة تشكيل سلطة الأمر الواقع غير الشرعية، يتقاطع مع تسريبات حديثة لأحد وزراء هذه السلطة وسياسي داعم لهذه السلطة، حول إستعداد السلطة لتغيير أعلى هرمها، بإلغاء مجلس السيادة الإنقلابي، وتحويل البلاد لجمهورية يرأسها الإنقلابي المزمن، في إعلان متأخر للإنقلاب الذي حدث في اكتوبر 2021م وفشل في تحقيق أهدافه، بإلغاء المؤسسات الشكلية المتبقية من مرحلة الوثيقة الدستورية المعيبة، وتغيير طبيعة البلاد لجمهورية رئاسية يحكمها قائد الجيش المختطف من قبل الحركة الإسلامية المجرمة. فأحد متحدثي المليشيا الإرهابية ظل يردد منذ أسبوعين حديثه عن هذا التغيير بالذات، الذي إن صح كما ورد في التسريب، فهو يؤكد عمق إختراق الجنجويد للجيش المختطف، ويحذر تبادل الإختراق الذي يؤكده في الجانب المقابل سيطرة كادر الحركة الإسلامية المجرمة على المراكز المفتاحية في مليشيا الجنجويد الإرهابية. وحدوث مثل هذا التغيير إن تم، يعكس رغبة واضحة للحركة الإسلامية المجرمة في التحول لسلطة إستبدادية صريحة بالقفز فوق الإنقسامات في معسكرها، والتخلص من الحكومة الشكلية المزعوم أنها مدنية لفشلها في تغطية سوءة النظام، وقطع الطريق أمام مناورات حركات الإرتزاق الحليفة وإضعاف مركزها في السلطة. فالهدف من التغيير في مراكز القرار وآلية صدوره، تعكس رغبة في مزيد من التحكم مع تصدي لتناقضات السلطة الذاتية، لا إهتماما بتغيير في المشروع السياسي أو تحولا في الموقف من الحرب وإهتماما بمشكلات المواطن وعملا في إتجاه وقف الحرب وتقليل المعاناة. وذلك لمواكبة الدعاية الكثيفة حول عودة حكومة الإنقلاب والحرب إلى الخرطوم، وإعادة تأهيل المرافق العامة، وإشاعات صفقة السلاح الباكستانية، وبداية محاكمة قيادات المعارضة المدنية وقيادة الجنجويد بتهمة تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة ، و تكثيف الحديث عن الإختراقات الدبلوماسية والدعم من دول وازنة، مع إبراز تراجع دولة الإمارات في اليمن. وهذا الخطاب المفصح عن تطور في مشروع الإستبداد ورغبته في تثبيت أقدامه كسلطة تفتقر إلى الشرعية، يخفي تحته انقسام السلطة وضعف مشروعها الإستبدادي، كما يخفي ممارسات إقتصادية مخالفة لكل النظم والأعراف وصحيح إدارة مرافق الدولة. فوفقا لتصريح منسوب لوزير البنية التحتية لم تثبت صحته، إعادة تأهيل المرافق العامة تم على اساس صيغة البوت (BOT)، وهذه الصيغة تمكن من قام بإعادة التأهيل من إدارة وتشغيل هذه المرافق على أسس إستثمارية، حتى يستعيد ما أنفقه ويحقق الأرباح المتوقعة. وان صح هذا ، فإن مستشفى بحري ومستشفى أحمد قاسم الموجودتان في الدعاية، أصبحتا مؤسستان ربحيتان لا خدميتان، خرجتا من متناول خدمة غالبية المواطنين، في إطار عملية إستثمارية غير معلوم طرفها الثاني. والسؤال البديهي في هذه الحالة، من هو سعيد الحظ الذي تم تمكينه من رقاب المواطنين في غياب مناقصات عامة وشفافية ووضع تنافسي تستلزمه النظم واللوائح والأعراف؟ وإذا كان التصريح المنسوب إلى وزير البنى التحتية غير صحيح، لماذا لا يخرج الناطق الرسمي لسلطة الأمر الواقع لنفيه وتكذيبه ؟ ففي أي نظام أو حكومة يحدث فيها مثل هذا التحول الكبير من سلطة تحاول الحفاظ على مظهر السلطة الإنتقالية لسلطة في طور التحول للإستبداد الكامل ، ومن تحول من مرافق خدمية لمرافق إستثمارية، يصبح الخطاب الحقيقي اللازم طرحه، خطاب تفسيري وتوضيحي لما يتم من تحول عميق في بنية السلطة على مستوى مظهرها لا جوهرها، يجعل المواطن قادرا على إستيعاب ما يتم حوله من تحول مظهري لا يمس جوهر المشروع الطفيلي حتما. وخلاصة القول هي ان خطاب مليشيا الجنجويد الإرهابية الحالي، مثله مثل خطاب سلطة الأمر الواقع غير الشرعية، لا يهدف إلى تقديم الحقيقة للمواطن. فالأولى خطابها يركز على أبعاد النظر عن فشل سلطتها المدنية وتركيز الأعين على نجاحاتها العسكرية النسبية وقصفها المتكرر لمدن ومراكز تحت سيطرة سلطة الأمر الواقع بالمسيرات وتقويض مصداقية عودة الأخيرة للحكم من الخرطوم، والأخيرة خطابها يركز على محاولة بناء شرعية زائفة عبر العودة إلى المركز وتأهيل المرافق، لتخفي تناقضاتها وصراعاتها وإصرارها على إستمرار الحرب، وتحولها إلى سلطة إستبدادية صريحة. وفي هذا السياق تطلق بالونات الإختبار في جميع الاتجاهات، ويعاد تأسيس خطاب التضليل والحرب النفسية، وتصبح الحقيقة الضحية الثابتة. المطلوب هو عدم الإنجرار خلف هذا النوع من الخطاب، والتركيز على جوهر مشروع الطرفين المتحاربين الطفيلي والإستبدادي المعادي لشعبنا، ومواصلة العمل على تكوين الجبهة القاعدية العريضة، لفرض إرادة حركة الجماهير.
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!! 23/1/2026
|
|