لم يكن مقهى تكة مجرد مكانٍ تُشرب فيه القهوة، كان انحرافًا بسيطًا في نسيج الواقع، تكة … كأن الكون عطس هناك ونسي أن يُغلق الفجوة. في البدء كان مقهى عاديًا، طاولات خشب أكلتها السجائر، وأكواب قهوة تُترك لتبرد كما تبرد الأحلام. لكن شيئًا ما حدث… لا أحد يعرف متى بالضبط. تحوّل المقهى إلى محرابٍ للفنون. اخلاص غنّت، فانحنت الجدران للصوت، وصار الصدى أوسع من الغرفة. التمثيل تسلّل بين الكراسي، والنصوص خرجت من أفواه لا تعرف القراءة. صار المكان واحةً للعشّاق، ملجأً للكتّاب، وساحة سمرٍ للشعراء، كأن الزمن قرر أن يستريح هناك قليلًا. في لياليه، كان المقهى يعيد الحِقَب لكن بتناولٍ جديد: من المجنون إلى المجذوب، ثم نهاية مفتوحة على حنينٍ استوطن الدار بعد وهمٍ طويل. وكان هناك… شامل. خرزةٌ في تلك الفسيفساء، لا يُعرف هل هو جزء منها أم الخيط الذي يجمعها. كبير الاشداق، وافر الريق، نظارته المقعّرة تخلق عالَمًا آخر خلف عينيه. يتحدث في ضروبٍ شتّى، يحكي حكاياتٍ لا تُملّ، يمضي في الزمان بسرعة البرق، كأنه لا يعيش اللحظة بل يمرّ بها مرور المذنبات. كانت تنظر إليه… بتمعّنٍ وانسجام. لم تكن تعرف لماذا، لكنها كانت تمضي معه داخل هالة الضوء التي تومض من عينيه. لحظة واحدة فقط قبل أن يفيق أينشتاين من غفوته الكونية، ويعيدنا إلى نسبيةٍ جعلت العالم كومة رماد في سباقٍ لا نهاية له. عندها فقط فهموا. أن مقهى تكة يقع على الحدّ الفاصل بين ثقبٍ أسود يبتلع كل ما كان، وثقبٍ أبيض يقذف ما لم يحدث بعد. في الزاوية اليسرى كانت الذكريات تُسحق: حب قديم، قصيدة فاشلة، صرخة لم تُسمع. ذلك هو الثقب الأسود، جائع، صامت، لا يرحم. وفي الزاوية اليمنى كانت الأفكار تولد فجأة: لحن بلا مصدر، جملة لم تُكتب بعد، نظرة حب قادمة من مستقبلٍ مجهول. ذلك هو الثقب الأبيض، فيضٌ بلا ذاكرة. وشامل؟ كان الحارس بينهما. المجنون الذي فهم، والمجذوب الذي عاد. يحكي ليُوازن، يتكلم كي لا ينهار المكان، لأن توقفه عن الكلام يعني أن يبتلع الأسود كل شيء أو أن يغرق الأبيض العالم بالضوء. وفي آخر الليل، حين يخلو المقهى ولا يبقى سوى الحنين جالسًا على كرسيٍ مكسور، تغلق تكة الثقب الأبيض فمها، وتعود مقهى… عاديًا. إلى أن يأتي عاشق، أو شاعر، أو مجنون جديد ويطلب قهوة بطعم ما لم يحدث بعد ☕✨
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة