Post: #1
Title: التأسيس خارج فخّ الأداة
تفكيك حذلقة المفهوم واستعادة معنى الشرعية
ملاحظات على مقال د. الواثق كمير
Author: خالد كودي
Date: 01-23-2026, 02:45 AM
01:45 AM January, 22 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
التأسيس خارج فخّ الأداة
تفكيك حذلقة المفهوم واستعادة معنى الشرعية
ملاحظات على مقال د. الواثق كمير "التأسيس أم الابتناء"؟ في ضبط المفهوم لا محو التاريخ (منشور في 19 يناير 2026
22/1/2026 خالد كودي بوسطن
تمهيد: هذا التعليق امتدادٌ لنقاشٍ واحد لا لسجالٍ منفصل يأتي هذا النص بوصفه تعليقًا تحليليًا على مقال الدكتور الواثق كمير المنشور بتاريخ 19 يناير 2026. وهو تعليق لا يُقرأ بوصفه ردًا معزولًا، بل امتدادًا مباشرًا لتعليقنا السابق على مقال البروفيسور مكي مدني الشبلي المعنون "دفاعٌ عن التاريخ أم عن الدولة التي خانته؟" المنشور بتاريخ 14 يناير 2026، والذي عالج الإشكاليات المفاهيمية ذاتها المتصلة بالتأسيس، والابتناء، والذاكرة، والشرعية.
وعليه، فإن هذا التدخل النقدي يندرج ضمن نقاشٍ واحد متصل—لا حول المصطلحات في ذاتها—بل حول ما تُخفيه وتُفصح عنه هذه المصطلحات من مواقف سياسية ومعرفية تجاه أزمة الدولة السودانية، وحدود التأسيس الممكن، ومعنى الشرعية في لحظة انهيار تاريخي شامل.
مدخل: حين تتحول "الدقة المفاهيمية" إلى سياسة بلباس اللغة ينطلق مقال د. الواثق كمير من مقصدٍ يبدو، للوهلة الأولى، معرفيًا: ضبط استعمال مصطلح "التأسيس" في النقاش السوداني عبر تمييزه عن "الابتناء" بوصفه التراكم الحضاري والاجتماعي والتاريخي الذي لا يجوز إنكاره أو القفز عليه. ويُحاجج بأن التأسيس، في معناه التحليلي، مسارٌ سياسي–دستوري لمعالجة أزمة الدولة السودانية الحديثة، لا إعلانٌ فوقي ولا قطيعة مع التاريخ. ومن هذا المنطلق ينتقد توظيف المصطلح من قبل فاعلين مسلحين—وفي مقدمتهم قوات الدعم السريع—حين يُستعمل لتسويغ فرض شرعية قسرية عبر إعلان دساتير وسلطات موازية. كما يربط ذلك بمخاطر "محو الذاكرة" عبر الاعتداء على المتحف القومي ومتحف السلطان علي دينار وسرقة مقتنيات تاريخية للأسر… إلخ... غير أن القراءة البنيوية لبنية النص تُظهر أن العرض المفاهيمي لا يقف عند حدود نقد الانحراف التطبيقي، بل ينزلق—عمليًا ومن حيث النتائج—إلى تحييد فكرة التأسيس الجذري نفسها: أي التأسيس بوصفه لحظةً تاريخية تقطع مع هندسة دولة 1956 وتجاوز منطق الانتقالات التقليدية التي أثبتت فشلها. هنا تتحول "الدقة" إلى تقنية سياسية: يُعاد تعريف التأسيس بوصفه "إجراءات مأمونة" لا تمسّ البنية العميقة للدولة القديمة، ويُمرَّر هذا التعريف عبر مفردات تبدو محايدة: "الذاكرة"، "الابتناء"، "التوافق"، "الشرعية الانتخابية". وبذلك لا يعود النزاع حول المصطلح نزاعًا لغويًا؛ بل يصبح نزاعًا حول من يملك حق تعريف الشرعية والمستقبل: المجتمع بوصفه مصدر السيادة أم النخب بوصفها حرّاس "البوابة الإجرائية"؟
أولًا: مغالطة الأداة — حين يُحاسَب المهمَّش بمعيارٍ لم تُحاسَب به الدولة يبدأ د. الواثق كمير من مسلّمة تبدو أخلاقية وسليمة: لا شرعية لسلطة تُفرض بالسلاح دون تفويض مجتمعي، ولا معنى لتأسيس يُقصي المجتمع أو يلغي حضوره. وهذه قاعدة صحيحة من حيث المبدأ. غير أن الإشكال لا يكمن في القاعدة، بل في توظيفها الانتقائي: إذ تتحول "الأداة" من معيار نقدي عام إلى محكمة انتقائية لا تُستدعى إلا حين يصبح التأسيس تهديدًا مباشرًا لبنية الامتياز القائمة التي فرضت بالعنف! ففي السياق السوداني تُطمَس حقيقة مركزية: الدولة الحديثة نفسها لم تُبنَ يومًا على "الشرعية الإجرائية" التي يُعاد استدعاؤها اليوم بوصفها شرطًا أخلاقيًا. لقد تأسست واستمرت عبر الغلبة، والعنف المؤسسي، وتدوير السلطة بالانقلاب والحرب. لم تكن الدولة، منذ الاستقلال، نتاج عقد اجتماعي مُرضٍ ولا توافق وطني شامل، بل نتاج ميزان قوة احتكاري حافظ على مركزٍ مهيمن وأقصى الأطراف. في هذه التجربة، لا يظهر العنف بوصفه انحرافًا طارئًا عن منطق الدولة، بل يتبدّى باعتباره لغتها الأصلية كلما تعلّق الأمر بحماية المركز وصون امتيازاته. ومن ثمّ، فإن إزاحة النقاش من سؤاله الجوهري—ماذا نؤسّس؟ ولصالح من؟—إلى سؤالٍ إجرائي حول الأداة—بأي وسيلة نؤسّس؟—لا تمثّل تدقيقًا أخلاقيًا بريئًا، بل مناورة لحجب البنية العنيفة التي قامت عليها الدولة القديمة، وصرف الانتباه عن أصل الأزمة لا عن أعراضها. وعند هذا الحد يفرض السؤال نفسه: إذا كانت الدولة، منذ الاستقلال، قد مارست العنف المنهجي في الأطراف ثم في المدن، فلماذا لم تُطرح "مشكلة الأداة" حين كان السلاح أداة الدولة ذاتها؟ ولماذا لا تُستدعى أخلاقيات الإجراءات إلا عندما تُوضع الدولة موضع مساءلة تاريخية؟ هنا تتحول مغالطة الأداة إلى وظيفة سياسية صريحة: يُشرعن العنف حين يخدم استمرارية الدولة القديمة، ويُجرَّم حين يفتح أفق مساءلتها أو إعادة تأسيسها. فلا تُدان الغلبة بوصفها مبدأً، بل يُعاد توزيع مشروعيتها وفق موقعها من بنية الامتياز.
ثانيًا: "التبرؤ من السلاح" كقناع لتقييد أفق التأسيس — تفكيك بنية الحجج يظهر مقال كمير، في مستواه الظاهر، اعتراضًا عقلانيًا على توظيف السلاح في ادّعاء الشرعية. غير أن هذا الاعتراض لا يتوقف عند نقد الانحراف، بل يُعاد توظيفه بوصفه قيدًا على إمكان التأسيس الجذري نفسه، متجاوزًا السؤال الأكثر إلحاحًا في التجربة السودانية:
كيف يمكن تفكيك دولة عنصرية وظالمة وعنيفة تشكّلت تاريخيًا كدولة مسلّحة، في ظل انسداد أي أفق واقعي للتحول بغير أدوات القوة التي أنتجتها؟ فبدل مساءلة طبيعة الدولة بوصفها بنية عنف راكمت السلطة بالقهر والجرائم الكبرى التي بلغت الابادة، يُزاح النقاش إلى مستوى أخلاقي–إجرائي يُدين الأداة في ذاتها، ويحوّل أي قطيعة بنيوية مع الدولة القديمة إلى مخاطرة رمزية عبر استدعاء "الخوف على الذاكرة" و"محو التاريخ". وبهذا لا يُفكك منطق الدولة المسلحة، بل يُعاد تحصينه، ويُستبعد السؤال الجوهري: هل يمكن تقويض دولة الغلبة دون الاصطدام بأدواتها؟ وعند هذا الحد يُقترح "المخرج الآمن": إعادة التأسيس إلى توافق نخبوي، ودسترة تقليدية، وانتخابات داخل الإطار القائم—أي العودة إلى هندسة الانتقال التي خبرها السودان بعد أكتوبر 1964 وأبريل 1985 وديسمبر 2018، وانتهت، في كل مرة، إلى إعادة إنتاج الدولة القديمة. بهذا المعنى، لا تؤدي استراتيجية "التبرؤ من السلاح" وظيفة التحصّن الأخلاقي فحسب، بل تقوم بدور أعمق: تقييد الخيال السياسي وسجنه داخل أفق انتقال نخبوي مألوف.
وفق روبرت دال، تُقدَّم التعددية الإجرائية وكأنها كافية بذاتها، بينما تُقصى الأسئلة التأسيسية المتعلقة بتوزيع السلطة البنيوي وبناء الدولة اللامركزية وتحقيق العدالة التاريخية.
ووفق تشارلز تيلي، يُفصل التحول السياسي عن علاقات القوة التي أنتجته، وكأن المؤسسات يمكن أن تولد من "نقاش" مجرّد دون تفكيك ميزان القوة الذي صنع الدولة أصلًا.
أما عند ثيدا سكوكبول، فالتحولات الكبرى ليست خيارات دستورية طوعية، بل إعادة تركيب قسرية للدولة والمجتمع تحت ضغط أزمات بنيوية—والسودان اليوم يعيش أزمة دولة، لا أزمة إجراء. والنتيجة أن خطاب كمير لا يجعل الخصم الحقيقي هو الدعم السريع وحسب، بل يجعل الخصم هو فكرة القطيعة البنيوية مع دولة 1956—أي جوهر مشروع السودان الجديد—لأن هذه القطيعة تهدد الامتيازات والتوازنات التي أدارت بها النخب دورات الانتقال الفاشلة. ومن هنا تُستدعى فزاعة "التأسيس القسري" لتبرير العودة إلى نموذج أثبت التاريخ عجزه: انتقال بلا تأسيس، دستور بلا عدالة تاريخية، وانتخابات داخل دولة لم تُفكك بنيتها. الخلاصة المنهجية: نقد الشرعنة القسرية مشروع حين يُوجَّه إلى ادّعاء التفويض بالقوة، لكنه يتحول إلى مناورة سياسية حين يُستثمر لإفراغ التأسيس من مضمونه الجذري وإعادته إلى مسار إجرائي مألوف ثبت فشله في السودان مرارًا.
ثالثًا: البوابة الإجرائية — شرعية تُدار من أعلى لا سيادة تُنتزع من أسفل يفترض خطاب كمير أن الشرعية لا تتكوّن إلا داخل تسلسل إجرائي مسبق:
حوار → دستور → توافق → انتخابات.
وبموجب هذا الافتراض تصبح أي لحظة تأسيسية تتجاوز هذا الترتيب موضع شبهة—لا لأن مضمونها ناقص—بل لأنها لم تمر عبر "البوابة الصحيحة" غير أن هذا التصور يتناقض مع المعنى التاريخي والفلسفي للثورة والتحول السياسي. فالثورة ليست امتدادًا للنظام القانوني القائم، بل لحظة نقضٍ وتقويض له. إنها لحظة ينهار فيها الإطار القديم لأنه فقد قدرته على تمثيل الجماعة السياسية، فتنبثق شرعية جديدة من خارج قواعده. لذلك فإن مطالبة التأسيس الثوري بأن يستمد شرعيته من القوانين أو الأعراف التي ثار عليها ليست احتياطًا أخلاقيًا، بل مفارقة منطقية! جان جاك روسو يقرر أن السيادة ملك للشعب ولا تُفوّض: وحين تنكسر العلاقة التمثيلية بين المجتمع والسلطة، تصبح الشرعية فعل استعادة للسيادة، لا انتظارًا لاعتراف من النظام القديم أو من نخب صاغت شروط الشرعية على مقاسها.
وحنّة آرنت تؤكد أن الثورة هي لحظة تأسيس للحرية؛ وأن العنف—حين يظهر—لا يصنع الشرعية بل يكشف انسداد النظام القديم وعجزه عن الاستمرار دون قسر. أي أن المشكلة ليست "تجاوز الإجراءات"، بل أن الإجراءات ذاتها تعجز، في لحظات الانهيار البنيوي، عن احتواء التحول التاريخي.
ومن زاوية نقدية أشمل، يذكّرنا أنطونيو غرامشي بأن الأزمات تتكرر حين تعجز النخب عن بناء "كتلة تاريخية" جديدة، فتكتفي بإدارة التوازنات داخل النظام القائم. وهذه مأساة السودان: إدارة انتقالات قصيرة النفس بدل تأسيس دولة جديدة؛ إذ تستبدل النخب سؤال الدولة بسؤال "الترتيبات"، فتتكرر الدورة الخبيثة: ثورة → انتقال → مساومة → انقلاب → حرب… وهكذا...
رابعًا: السودان وتجربة الانتقالات — أفق فاشل يُعاد تسويقه بوصفه حكمة في السودان، "البوابة الإجرائية" ليست مجرد نظرية، بل ممارسة متكررة بعد كل انتفاضة: أكتوبر 1964، مارس/أبريل 1985، ديسمبر 2018. في كل مرة جرى احتواء الفعل الشعبي داخل انتقال "توافقي" تديره النخب، ثم عادت الدولة القديمة بأقنعة جديدة، ثم انهار الانتقال وعاد الانقلاب وتعاظم العنف! هذا يعني أن إعادة طرح "التوافق" بوصفه شرط الشرعية ليست تجسيدًا للعقلانية، بل إعادة تدوير للفشل. إن الإصرار على التوافق والإجراءات ذاتها لا يبدو حلًا، بقدر ما هو استعادة للمنهج الذي قاد إلى حرب أبريل 2023: انتقال بلا تفكيك، دستور بلا عدالة تاريخية، انتخابات داخل دولة لم تُنزع منها بنية الغلبة.
خامسًا: المقارنات التاريخية — سقوط ثنائية "مدني/مسلّح" وبقاء معيار الأثر التأسيسي يوظّف كمير ثنائية "التأسيس المدني" في مقابل "تأسيس السلاح" بوصفها اختبارًا مسبقًا للشرعية، وكأن الوسيلة وحدها قادرة على الفصل بين المشروع والباطل. غير أن تجارب التأسيس في التاريخ الحديث تفكك هذا الاختبار من أساسه: لم يكن التأسيس يومًا طريقًا واحدًا أو نموذجًا معياريًا ثابتًا، بل مسارات متعددة—تفاوضية، ثورية جماهيرية، مركبة ومتقاطعة، وأحيانًا قسرية. ومع ذلك ظل معيار الحكم النهائي واحدًا: ما الذي تأسس فعليًا؟ دولة امتياز أم دولة مواطنة؟ إن مساواة حمل السلاح بغياب المشروع المدني افتراض ميكانيكي لا يصمد أمام التاريخ. كثير من القوى اضطرت إلى حمل السلاح تحت انسداد الأفق السياسي وإغلاق مسارات التغيير السلمي، بينما ظل مشروعها، في الجوهر، مدنيًا تحرريًا متقدمًا. والحركة الشعبية لتحرير السودان مثال كاشف: فهي – عبر تحالف تأسيس- لا تطرح برنامج قوة أعمى، بل مشروع السودان الجديد بوصفه أفقًا تأسيسيًا مدنيًا يتفوّق—من حيث العمق والرؤية—على مشاريع النخب الإصلاحية والجزئية. وعليه، لا معنى للمزايدة عليها أخلاقيًا من زاوية "المدنية" بمعناها الإجرائي الضيق. وعند ربط هذا بالسجل المقارن للتاريخ الحديث تتضح القاعدة: - الفرنسية (1789): لم تُقَس شرعيتها بمشهد العنف وحسب، بل بتحويل الرعية إلى مواطنين، وإعلان الحقوق، وتقويض الامتياز الوراثي؛ أي بإعادة تعريف الإنسان سياسيًا ونقل السيادة إلى الأمة - الثورة الجزائرية (1954–1962): لم تنتظر اعتراف المستعمِر ولا "حوارًا" يشرعن حقها؛ تشكّلت الشرعية في فعل التحرر ذاته، ثم تُرجمت إلى دولة وقانون. هنا لم يكن السلاح نقيضًا للمشروع المدني، بل الأداة التي فتحت الطريق أمامه. - جنوب أفريقيا: مسار مركّب جمع مقاومة شعبية واسعة وتنظيمًا سياسيًا وعملًا مسلحًا محدودًا وضغطًا دوليًا، وانتهى إلى تسوية تاريخية ودستور ومصالحة. مصدر الشرعية لم يكن السلاح، بل مشروع إنهاء الفصل العنصري وإعادة تعريف المواطنة. - تحرير المسترقين، ولاحقا حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة: جوهرها لم يكن تمجيد السلمية كقيمة مجردة، بل إعادة هندسة معنى الدستور والمواطنة عبر فعاليات مدنية أجبرت الدولة على تحويل القانون من أداة فصل إلى معيار مساواة- وفي الاعتبار الحرب الاهلية! هذه الأمثلة وغيرها لا تقدس العنف، لكنها تفكك المناورة التي تجعل الوسيلة حكمًا سابقًا على الشرعية، وتعيد النقاش إلى موضعه الصحيح: المضمون التأسيسي. هل يفتح المشروع أفقًا للمواطنة المتساوية؟ هل يكسر اقتصاد الامتياز وبنية الهيمنة؟ هل يعيد تعريف السيادة لصالح المجتمع لا لصالح النخب؟ عند هذا المستوى فقط يصبح الحكم على التأسيس حكمًا تاريخيًا وسياسيًا جادًا، لا إدانة إجرائية تُستعمل لتأجيل القطيعة مع الدولة القديمة.
سادسًا: الذاكرة بين الدولة والمجتمع في السياق السوداني الراهن — حين تُستعمل المؤسسات الثقافية ممثّلًا للدولة لا للتاريخ لا خلاف مهنيًا أو أخلاقيًا على إدانة الاعتداء على المتاحف والمؤسسات الثقافية ونهب مقتنياتها—أيًّا كان الفاعل. هذا فعل إجرامي مُدان في ذاته، ولا يشكّل موضع نزاع في هذا النقاش. غير أن الإشكال يبدأ حين يُستثمر هذا الفعل لإنتاج معادلة مضلِّلة:
التأسيس = محو الذاكرة = بناء دولة على أنقاض التاريخ...الخ.. هذه المعادلة قد تبدو أخلاقية في ظاهرها، لكنها خطيرة معرفيًا في السياق السوداني لأنها تخلط بين التاريخ بوصفه تراثًا اجتماعيًا متعدد الأصوات وبين مؤسسات ثقافية حديثة نشأت—وظيفيًا—داخل جهاز الدولة السودانية بعد 1956. فالمتاحف والمؤسسات الثقافية ليست "التاريخ" في ذاته، بل أدوات الدولة لإدارة السردية الوطنية: ما يُعرض، ما يُخفى، وما يُمنح صفة الوطني"، وما يُقصى من الذاكرة العامة. وهي، مثل غيرها من أجهزة الدولة المركزية، تعكس اختلالات هذه البنية وانتقائيتها وهيمنتها السردية. الخلل إذن ليس في إدانة التعدي علي الاثار(وهو واجب)، بل في تحويل مؤسسات الدولة الثقافية إلى مرادف للتاريخ نفسه، ثم استخدام هذا التطابق المصطنع لمنع مساءلة السردية الرسمية التي صاغتها الدولة منذ الاستقلال. وبهذا يُختزل التاريخ في رواية واحدة، ويُقدَّم الدفاع عنها بوصفه دفاعًا عن "الذاكرة الوطنية"، بينما تُقصى—مرة أخرى—ذاكرة الأقاليم المهمشة، وذاكرة الحروب، والرق، والعنصرية، والإبادة، والنهب البنيوي للثروة والسلطة. في السياق السوداني الراهن تُستعمل هذه المعادلة لإغلاق الأسئلة الضرورية واستبدالها بسؤال مُضلِّل: كيف نحمي التاريخ من التأسيس؟ بدل الأسئلة الجوهرية: من كتب التاريخ الوطني؟ من قرر ما يدخل المؤسسات الثقافية وما يُستبعد؟ ولماذا غابت تجارب وأقاليم وشعوب كاملة عن السرد الرسمي؟ على النقيض من ذلك، فإن مشروع السودان الجديد—كما تعكسه وثائق ومقاربات تحالف "تأسيس"—لا يستهدف محو الذاكرة ولا يبرر التعدي على المؤسسات الثقافية، ولا على المتاحف وسرقة وتدمير الاثار، بل يسعى إلى تحرير الذاكرة من احتكار الدولة المركزية وفك الارتباط بين "ذاكرة الدولة" المعطوبة و"التاريخ بوصفه حقيقة اجتماعية متعددة الأصوات". التأسيس هنا لا يعني هدم المتاحف، بل إعادة تعريف دورها: من أدوات تعيد إنتاج سردية الدولة القديمة إلى فضاءات معرفة واعتراف وتعدد، تُدرج تاريخ الهامش كما تُدرج تاريخ المركز، وتكشف ما أُقصي كما تعرض ما اعتُمد. وحماية هذه المؤسسات لا تنفصل عن مساءلتها مهنيًا: ماذا تعرض؟ ماذا تُخفي؟ ولماذا؟ وهي مساءلة لا تُهدد التاريخ، بل تُنقذه من التوظيف الأحادي وتعيده إلى المجتمع بوصفه ذاكرة مشتركة لا ملكية سلطوية - وهذا افق التاسيس الجد! الخلاصة في السياق السوداني الراهن: إن ربط التأسيس بمحو الذاكرة عبر استدعاء الاعتداء على المؤسسات الثقافية هو انزياح أخلاقي يُستخدم لحماية سردية الدولة لا لحماية التاريخ. فالتأسيس، في معناه الجذري، ليس حربًا على الماضي، بل صراعًا على أي ماضٍ يُعترف به وأي ذاكرة تُمنح صفة "الوطنية"!
سابعًا: لماذا يُحبَس التأسيس في صورة الدعم السريع؟ يصرّ كمير، كالكثير من النخب—نظريًا—على التمييز بين استخدامين مختلفين للتأسيس، لكنه عمليًا يعيد تمركز المفهوم حول الدعم السريع بوصفه بوابة الفهم ومركز إنتاج الدلالة، حتى وهو يعلن رفض هذا التمركز. وهذا ليس خللًا توصيفيًا، بل انحياز تحليلي ذو وظيفة سياسية واضحة. يجري، في خطاب واسع، تحميل مفهوم التأسيس كامل الثقل الأخلاقي والاجتماعي للرفض المتراكم تجاه الدعم السريع، ولا سيما داخل أوساط النخب التي ترى فيه—وبحق—تجسيدًا لجرائم جسيمة شملت الجرائم الكبرى، والقتل والاغتصاب والنهب والعنف المنفلت. هذا الرفض مفهوم ومشروع ولا يجوز التقليل من فداحته. لكن توظيفه بهذه الطريقة يؤدي وظيفة محددة: تفريغ الغضب الأخلاقي في الفاعل وحده بدل توجيهه نحو بنية الدولة التي أنتجت شروط نشأته وشرعنته وتوسّعه. إن الإقرار بأن الدعم السريع ارتكب جرائم كبرى لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإغلاق الأسئلة التأسيسية العميقة، ولا إلى أداة لإعفاء الدولة القديمة من مسؤوليتها التاريخية في صناعة العنف وتفويضه وإدارته. محاكمة "الفاعل" ضرورة أخلاقية وقانونية، أما اختزال الأزمة فيه فهو هروب من مواجهة أصل المشكلة: دولة قامت على العسكرة ورعت اقتصاد العنف ثم أعادت إنتاجه خارج السيطرة. وفي هذا الانزياح لا تُدان الجريمة بوصفها نتيجة بنية مختلة، بل تُستعمل لتجميد النقاش حول إعادة تأسيس تلك البنية. ( Trans-actor ) فالتأسيس ليس ملكية جهة مسلحة ولا يُختزل في فاعل بعينه. إنه مشروع فوق-فاعلي يتحدد بمرجعية سياسية ودستورية وبنقاشات اجتماعية عميقة تتجاوز أي قوة عسكرية. وباللغة الغرامشية: التحول التاريخي لا تصنعه قوة منفردة، بل تشكّل كتلة تاريخية تعيد تركيب السلطة والمعنى والمؤسسات. من هذا المنظور، جعل الدعم السريع "صورة التأسيس" ليس توصيفًا بريئًا، بل مناورة تنقل النقاش من سؤال الدولة الجديدة إلى إدانة أخلاقية سهلة "لطرف من اطراف" للوسيط! السؤال الحاسم ليس ما إذا كان الدعم السريع فاعلًا في المشهد—وهو كذلك—بل: لماذا يُصرّ مثقفو النخب، ومنهم كمير، على جعله نافذة القراءة الوحيدة للتأسيس؟
الإجابة تتكشف على ثلاثة مستويات مترابطة: ١/ آلية دفاع نخبوي: مشروع السودان الجديد، بما يحمله من علمانية ولا مركزية جذرية وعدالة تاريخية، يهدد امتيازات النخب المركزية. وحين تعجز عن تفنيد المشروع في جوهره، تُحوّل الصراع إلى شيطنة أخلاقية. ٢/ اختزال لتفادي المواجهة الفكرية: الاعتراف بأن التأسيس مشروع تتبناه قوى سياسية مدنية وحركات اجتماعية وأقاليم مهمشة يعني مواجهة أسئلة الدولة المؤجلة: العلمانية، تفكيك المركز، إعادة تعريف السيادة والمواطنة. حصر التأسيس في الدعم السريع يجنّب هذا الاشتباك. ٣/ إعادة إنتاج التفكير داخل الصندوق: تجريم أي طرح جذري ثم العودة لمسارات انتقال مألوفة تُدار من المركز وتفشل كل مرة. أما التأسيس كما تفهمه رؤية السودان الجديد فليس اسمًا لقوة مسلحة ولا برنامج حكومة، بل مشروع لإعادة بناء الدولة على مرتكزات: العلمانية ضمانًا للمساواة، اللامركزية إعادة توزيع للسيادة، المواطنة المتساوية كسرًا لتراتب الامتياز، العدالة التاريخية مساءلة بنيوية لا ترقيعًا انتقاليًا، وتفكيك دولة المركز التي أعادت إنتاج الانقلابات والحروب. في هذا السياق يكون الدعم السريع فاعلًا ضمن معادلة انهيار الدولة القديمة لا صاحب المشروع ولا مُعرِّفه. والتعامل معه بوصفه "مالك المفهوم" هو بالضبط ما يفعله خصوم السودان الجديد لإسقاط التأسيس أخلاقيًا قبل مناقشته سياسيًا. الخلاصة هنا: ما يُقدَّم بوصفه حرصًا على "ضبط المفهوم" ينقلب، في أثره العملي، إلى تلويث رمزي للمشروع التأسيسي وتعطيل للخيال السياسي عبر حبس التأسيس في فاعل واحد وإغلاق أفق التحالف التاريخي الأوسع. ثامنًا: الشرعية بين الامتثال والاعتراف — إعادة إنتاج الدولة المعطوبة ودور النخب الشرعية، بالمعنى الدقيق، ليست الامتثال ولا مجرد قانونية النصوص، بل علاقة اعترافٍ اجتماعي متجدّد بحقّ السلطة في الحكم. فهي لا تُستمد من القدرة على فرض الطاعة، بل من القناعة العامة بأن قواعد الحكم قابلة للتبرير العلني، وتمثّل الجماعة السياسية، وتحمي كرامتها. لذلك يميّز ماكس فيبر بوضوح بين الإكراه الذي يُنتج امتثالًا، والشرعية التي تقوم على الإيمان بحقّ السلطة. ويُضيف ديفيد إيستون أن استقرار الأنظمة لا يتحقق بالخوف أو المصلحة وحدهما، بل يحتاج إلى "دعم" (diffuse support)اعمق يتمثل في قبولٍ عام بمعنى النظام وغاياته. أما يورغن هابرماس فيربط الشرعية الحديثة بقابلية القواعد لـ"التبرير العام" داخل فضاء تداولي يُدرج المجتمع بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى السياسي، لا مجرد متلقٍّ للأوامر. في السودان، تكتسب هذه المقاربات حدّةً خاصة لأن الدولة الحديثة تشكّلت تاريخيًا بوصفها دولة غلبة مسلّحة كما اسلفنا: مركز يحتكر العنف والموارد والسردية، ويطلب الطاعة بوصفها "وطنية". هنا يظهر مفهوم الاستعمار الداخلي بوصفه مدخلًا تحليليًا ضروريًا: إذ تُدار الأطراف كموضوع للضبط لا كشركاء في السيادة. ونتيجة ذلك، تتكرر الأزمات لأن ما يُنتج هو امتثالٌ قسري بلا اعتراف، وإجراءاتٌ بلا معنى، وانتقالاتٌ تُعيد إنتاج بنية الامتياز. يتجلّى هذا النمط بوضوح بعد كل إسقاط لحكم عسكري أو ديكتاتوري: أكتوبر 1964، أبريل 1985، ثم ما أعقب إسقاط نظام البشير. في كل مرة، تُستولى النخب على لحظة الانكسار الشعبي وتُبقي المعادلة ذاتها: انتقالات "آمنة" تُدار من أعلى، تُغيّر الواجهات ولا تمسّ البنية. هكذا يُحوَّل الفعل الثوري إلى امتثال مؤقت، ويُعاد فتح الطريق لعودة العسكرة والانقلاب. الأكثر إشكالًا أن قطاعات من النخب، الاكاديميين والمثقفين الناشطين سياسيًا تشارك—عن قصد أو بحكم الموقع—في تكريس هذا المنطق؛ إذ تُعيد تعريف الشرعية بوصفها شرعية إجرائية قائمة على الطاعة والاستقرار وتوازنات القوة، لأنها تلائم أوضاعهم وامتيازاتهم داخل الدولة المعطوبة. تُقدَّم "التوافقات" و"الإجراءات" بوصفها عقلانية سياسية، بينما تُؤجَّل الأسئلة الثورية والتأسيسية: تفكيك دولة المركز، إعادة توزيع السيادة، والعدالة التاريخية. والنتيجة شرعية تُدير الامتثال ولا تُنتج الاعتراف... ولا شنو؟ وتُضيء المقارنة العالمية هذا الخلل. فتجربة الرقّ في الولايات المتحدة وغيرها تُظهر الفارق بين القانونية والشرعية: كان الرقّ "قانونيًا" في مراحل طويلة، لكنه لم يكن "شرعيًا" لأنه قائم على نفي الإنسانية السياسية. وحتى بعد الإلغاء الشكلي، (Black Codes ) ظهرت صيغ إعادة إخضاع ثم جيم كرو- حافظت على البنية بوسائل إجرائية. بالمثل، فإن انتقالات السودان أعادت إنتاج الهيمنة بقوانين وإجراءات تبدو منظمة لكنها تُبقي جوهر الامتياز. بناءً على ذلك، لا تُستعاد الشرعية في السودان بتحسين لغة الانتقال أو إعادة تدوير مفردات "التوافق" و"الإجراءات". فالشرعية تُبنى—أو تنهار—عبر علاقة اجتماعية–مؤسسية تُنتج الاعتراف. وحيث إن هذه العلاقة لم تتأسس تاريخيًا، فشلت الدولة مرارًا: امتثال بالقوة بلا اعتراف، إجراءات بلا معنى، وانتقالات بلا دعم اجتماعي. الخلاصة أن استعادة الشرعية تمر عبر قطيعة تأسيسية تُنهي شرعية الطاعة والقوة، وتؤسس لشرعية الاعتراف كما تفهمها المقاربات الكلاسيكية: مواطنة متساوية، عدالة تاريخية، تفكيك اقتصاد العنف واحتكار المركز، وتقييد شامل للسلاح داخل عقد دستوري ملزم يعيد السيادة إلى المجتمع بوصفه مصدر الشرعية ومعيارها. من دون ذلك، ستظل النخب—كما يحذّرنا فيبر وإيستون وهابرماس، وغيرهم—تُبدّل الواجهات وتُبقي الدولة المعطوبة على حالها....
خاتمة: التأسيس سؤال الغاية لا الوسيلة — في مساءلة خطاب النخب وأخلاقيات المعرفة ليس التأسيس—مدنيًا كان أم مسلحًا—محل محاكمة أخلاقية تُجرى على الأداة، بل سؤال غاية يُقاس بمخرجاته التاريخية. المعيار الجاد لا يبدأ من "كيف نؤسّس؟" بل من: ١/ ماذا نؤسّس؟ ٢/ لأي دولة؟ ٣/ ولصالح من؟ وحين يُختزل النقاش في محكمة للأدوات، فإننا نكون أمام هروب منظّم من مواجهة الأسئلة التأسيسية الحاسمة. أخطر ما في خطاب كمير—وغيره من أكاديميي النخب—ليس نقده لاستخدام السلاح (وهو نقد مشروع في ذاته)، بل محاولته نزع الشرعية عن سؤال التأسيس نفسه عبر حذلقة لغوية وتدوير مفاهيمي واستدعاء انتقائي لـ"الذاكرة" و"الإجراءات" بوصفها قيودًا أخلاقية تُجمّد السياسة! في هذا الهروب تُستبدل مواجهة مشروع السودان الجديد—العلمانية، اللامركزية، المواطنة المتساوية، العدالة التاريخية، وضرورة الجيش الجديد—بإدانة شكلية للأداة تُساق لتلويث المفهوم. هكذا يُعاد إنتاج منطق الدولة القديمة: إصلاح بلا تأسيس، انتقال بلا قطيعة، ودستور بلا عدالة. وبين تأسيس يفتح أفق المواطنة وتأسيس يُلغي المجتمع تقف الثورة—كما يذكّرنا فرانتز فانون—بوصفها فعل "إعادة إنسانية": استعادة السياسة إلى أصحابها، لا إلى حرّاس الامتياز. إن الشرعية لا تُمنَح بقرار أكاديمي ولا تُصادَر بمقال أنيق. الشرعية تُنتزع حين يفشل القديم في البقاء، وحين يعجز عن تمثيل المجتمع، وحين تصبح قواعده عبئًا تاريخيًا. هنا فقط يتقدم التأسيس بوصفه ضرورة، لا نزوة. الخلاصة: "ضبط المفهوم" هنا ليس بريئًا.
قراءة نص كمير بعمق تكشف ثلاث وظائف متراكبة: ١/ تسييج التأسيس داخل قفص "التوافق النخبوي" حتى لا يغدو لحظة قطيعة مع دولة المركز ٢/ توظيف فزاعة الدعم السريع لتلويث المفهوم وإنتاج نفور اجتماعي من مشروع السودان الجديد بدل محاكمة الميثاق والدستور بوصفهما المرجعية الملزمة لتحالف تاسيس ٣/ إعادة إنتاج منطق الدولة القديمة تحت شعار "عدم محو التاريخ"، بينما التاريخ الذي يُخشى محوه هو تاريخ الامتياز الرسمي لا تاريخ الشعوب المهمشة. لهذا ينبغي تسمية السلوك باسمه: تحايل معرفي لا اجتهاد أكاديمي؛ سياسة بلباس المفهوم لا حرص على اللغة؛ حراسة للقديم باسم الأخلاق الإجرائية. وعلى هذه النخب أن تُقرّ بوضوح بموقعها من الصراع: هل هي مع تأسيس يعيد بناء الشرعية على قاعدة جديدة، أم مع تدوير آمن للفشل؟ نقولها بوضوح: التأسيس ليس تركيب كلمة، بل إعادة بناء الشرعية. العبرة ليست: مدني أم مسلح. العبرة: ماذا نؤسّس؟ ولصالح من؟ وبأي مبادئ فوق دستورية تمنع عودة دولة الغلبة؟
من دون هذا الوضوح سيظل "ضبط المفهوم" قناعًا، وستظل الأكاديمية—حين تنفصل عن العدالة—أداة لتأجيل المستقبل.
النضال مستمر والنصر أكيد
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|