في شمال السودان، لم تعد الجغرافيا مجرد حدود، بل مسرحاً مفتوحاً لصراع النفوذ بين البنادق والسبائك، وبين التشكيلات المسلحة ومراكز القرار الأمني. ومن مروي إلى وادي حلفا، تتقاطع خيوط تهريب الذخيرة، وانقسامات الكتائب، وسيطرة المليشيات على الذهب، وصولاً إلى إعفاءات غامضة وخلافات داخل معسكر الحلفاء أنفسهم. مروي: حين خرجت الذخيرة عن السيطرة إعلان استخبارات مروي ضبط مسؤول العمليات في “لواء البراء” متلبساً بتهريب شحنة ذخيرة فتح الباب أمام أسئلة أكبر من الواقعة نفسها. فالمسؤول المضبوط لا يشغل موقعاً هامشياً، بل منصباً محورياً في التخطيط والتنفيذ، ما يرجّح أن تهريب الذخيرة لم يكن تصرفاً فردياً، بل جزءاً من شبكة مصالح أوسع. مصادر مطلعة تربط بين هذه الشحنة ومحاولات تأمين مواقع تعدين خارج السيطرة الرسمية، في ظل تصاعد التنافس على الذهب في الشمالية. وادي حلفا: انقسام “لواء البراء” على ذهب «خمسة ونص» في وادي حلفا، انفجرت الخلافات داخل مجموعة البراء المرتبطة بالجيش، بسبب إدارة مواقع تعدين الذهب في منطقة “خمسة ونص”. أكثر من 50 عنصراً من أبناء المنطقة انسحبوا من الكتيبة احتجاجاً على احتكار القرار والعائدات، معتبرين أن المجموعة تحولت من قوة حماية إلى طرف اقتصادي يفرض نفسه بالسلاح. هذا الانسحاب لم يكن مجرد خلاف تنظيمي، بل مؤشر على فقدان الحاضنة المحلية حين يتقدم الذهب على الاعتبارات المجتمعية. الدعم السريع: آبار تحت الحراسة المشددة في مقابل هذه الانقسامات، تواصل قوات الدعم السريع ترسيخ نفوذها الاقتصادي عبر السيطرة المباشرة على عدد من آبار الذهب في الشمال، وفق إفادات محلية متطابقة. هذه السيطرة تشمل تأمين الآبار بقوات مسلحة، وتنظيم التعدين، وفرض نسب على الإنتاج، ما جعل الذهب أحد أعمدة التمويل الرئيسية للدعم السريع، وأداة لتعزيز استقلاله المالي والعسكري. مناوي وجبريل: حلفاء السلطة… ولاعبو الذهب إلى جانب ذلك، تؤكد مصادر ميدانية وجود مليشيات محسوبة على حركتي مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم في مشهد الذهب، سواء عبر حماية مواقع تعدين أو الدخول في شراكات قسرية مع المعدنين. ورغم وجودهم في السلطة الانتقالية سابقاً، إلا أن هذه التشكيلات — بحسب المصادر — لم تغادر منطق اقتصاد الحرب، بل باتت تتنافس على الموارد بذات الأدوات القديمة: السلاح مقابل العائد. أزهري المبارك: إعفاء يكشف الصراع الخفي في خضم هذا المشهد المعقد، برز خبر إعفاء أزهري المبارك من قيادة المستنفرين في الولاية الشمالية كحلقة سياسية-أمنية لافتة. مصادر متعددة تشير إلى أن الإعفاء لم يكن إدارياً بحتاً، بل جاء على خلفية خلافات حادة داخل مراكز النفوذ، تتعلق بملف المستنفرين، ونفوذهم، وصلاتهم الاقتصادية والأمنية. الأكثر حساسية هو ما تردد عن خلافات بين أزهري المبارك ومدير جهاز الأمن والمخابرات الأسبق صلاح قوش، في سياق صراع غير معلن حول إدارة الملف الأمني في الشمالية، وحدود النفوذ بين الأجهزة، ومن يملك القرار الفعلي في منطقة أصبحت مركز ثقل للذهب والسلاح معاً. وبحسب هذه المصادر، فإن ملف المستنفرين لم يكن بعيداً عن اقتصاد التعدين، حيث تحوّل بعضهم إلى قوة أمر واقع تُستدعى لتأمين مواقع أو ترجيح كفة طرف على آخر، ما جعل السيطرة عليهم — أو إقصاء قياداتهم — مسألة استراتيجية. معادلة واحدة بأسماء مختلفة من تهريب الذخيرة في مروي، إلى انقسام لواء البراء في حلفا، إلى سيطرة الدعم السريع على الآبار، وتمدّد مليشيات مناوي وجبريل، وصولاً إلى إعفاء أزهري المبارك وخلافاته مع صلاح قوش… تتكرر المعادلة نفسها:
السلاح يحمي الذهب، والذهب يموّل السلاح، ومن يخرج عن هذه الدائرة يُقصى.
المجتمع المحلي… الخاسر الدائم وسط هذا الصراع، يبقى المواطن المحلي هو الطرف الأضعف: يُقصى من أرضه، ويُستخدم كغطاء أو وقود، وحين يعترض — كما حدث في وادي حلفا — يكون الانسحاب هو الخيار الأخير. خاتمة قصة “البراقين” من مروي إلى حلفا لم تعد مجرد أخبار متفرقة، بل ملفاً متكاملاً لاقتصاد السلاح في الشمالية. وحين تتشابك الذخيرة بالذهب، والسياسة بالأمن، تصبح الإعفاءات والاعتقالات مجرد أعراض لأزمة أعمق… أزمة دولة غائبة، تحل محلها مليشيات تتقاسم الأرض والثروة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة