كيف تناول د. حمدوك الدولة التنموية؟ كتبه تاج السر عثمان

كيف تناول د. حمدوك الدولة التنموية؟ كتبه تاج السر عثمان


01-21-2026, 06:13 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1769019236&rn=0


Post: #1
Title: كيف تناول د. حمدوك الدولة التنموية؟ كتبه تاج السر عثمان
Author: تاج السر عثمان بابو
Date: 01-21-2026, 06:13 PM

06:13 PM January, 21 2026

سودانيز اون لاين
تاج السر عثمان بابو-السودان
مكتبتى
رابط مختصر




بقلم :
١
أشرنا سابقا إلى تناول د. عبد الله حمدوك للدولة التنموية الذي اوضح أن الأزمة الوطنية السودانية عميقة وتتطلب بناء" دولة مدنية ديمقراطية تنموية، لا تُبنى على أنقاض الدم ولا تُدار بمنطق الغلبة، بل تستند إلى توافق وطني يعترف بأخطاء الماضي ويستخلص منها دروس الحاضر. بين خيار دولة المواطنة بلا تمييز وخيار إعادة الإنتاج"
(للمزيد من التفاصيل راجع مقابلة لحمدوك في مجلة أفق جديد ٣٠ / ١٢ / 2025).
وخلاصة طرح حمدوك قيام دولة تنموية مدنية ديمقراطية تعزز العدالة والفرص للجميع، وتستوعب التنوع وتضمن حقوق كل المكونات.
وكنا قد ناقشنا من قبل مفهوم الدولة التنموية ' ولابأس من مواصلة المناقشة بعد المتغيرات التي حدثت بعد حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣' التي تتطلب اوسع نهوض جماهيري لوقفها واستعادة مسار الثورة وترسيخ الحكم المدني الديمقراطي وتحقيق التنمية المتوازنة بين أقاليم السودان المختلفة' وتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية والصحية والأمنية وعودة النازحين لمنازلهم وقراهم ومدنهم وتوفير خدمات المياه والكهرباء والانترنت والتعليم والصحة والدواء' وتحقيق الحل الشامل والعادل.
تعيش البلاد أزمة وطنية عامة تتطلب معرفة أسبابها وجذورها وخصوصية واقع البلاد دون النقل الأعمي لتجارب ما يسمي بالدولة التنموية " تجارب بلدان شرق آسيا التي حدثت بدفع خارجي وما جاءت نتيجة لتطور باطني، وانهارت بعد إغراقها في ديون باهظة عجزت عن سدادها.الخ". فما هي أهم معالم التجربة السودانية؟.
٢
لقد كانت تجربة السير في طريق التنمية الرأسمالية الغربية منذ احتلال السودان عام 1898 م، وبعد الاستقلال فاشلة وكان من نتائجها:
أ – تشويه وتدمير القطاع الزراعي الذي يعتبر المصدر الرئيسي للفائض الاقتصادي اللازم للتنمية والمصدر لتأمين الغذاء، وبالتالي تأمين قرارنا وسيادتنا الوطنية. وازداد الأمر تدهورا بعد الحرب حيث يواجه حوالي ٢٦ مليون سوداني نقصا في الغذاء.
ب – استمرار وتعميق الفقر حتى تجاوز نسبة ٧٠ % من السكان.
ج – تعميق التبعية للعالم الغربي ، ديون خارجية تجاوزت ٦٠ مليار دولار .
د – إهدار الاستثمارات والموارد الوطنية في برامج التصنيع الفاشلة، بل تم بيع أصول القطاع العام " سكك حديد ونقل نهري وبحري وجوي" وجاءت الحرب لتدمر اغلب المصانع ' إضافة لتمليك أراضي البلاد لمؤسسات إقليمية عالمية لمدة 99 عاما دون مراعاة حقوق أهلها والأجيال القادمة وتدمير القطاع الصناعي والزراعي والحيواني ونهب ثروات البلاد من ذهب وبترول وانهارت العملة الوطنية وأفلست البنوك، وتدهورت الأوضاع المعيشية حتي اصبحت نذر المجاعة تهدد البلاد. وجاءت الحرب الكارثية الجارية لتزيد الأوضاع تدهورت ودمارا.
فشل هذا الطريق يؤكد مشروعية البرنامج الوطني الديمقراطي الذي ينتشل البلاد من التخلف يدفعها في طريق النهضة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.
٣
ما هي الجذور التاريخية للتخلف؟.
السمات الأساسية للتخلف الذي تعاني منه البلاد تتمثل في :
أ – في الجانب الدولي للتخلف الذي يشمل التبعية الاقتصادية للدول الرأسمالية الأجنبية وتصدير الفائض الاقتصادي اللازم للتنمية للخارج كما حدث في تهريب عائدات الذهب والنفط التي تقدر بمئات المليارات من الدولارات للخارج.
ب – في الجانب الداخلي : الذي يتمثل في عدم الاستقرار والحروب والمجاعات والفقر وعدم تجانس المجتمع ( قطاع حديث وآخر تقليدي ) واقتصاد جامد ومفكك .
هذا التخلف ليس لعنة حلت بنا لا فكاك منها ، ولكنه نتاج تطور تاريخي . ومعلوم أن السودان في العصور القديمة والوسطي شهد مولد حضارات ( كرمة ، نبتة ، مروي ، ممالك النوبة المسيحية ، الممالك الإسلامية : الفونج ، الفور ، تقلي ، .. الخ ) ، وكانت هذه الحضارات مزدهرة فيما يختص بالتطور الزراعي والصناعة الحرفية ، وكانت هذه الحضارات لاتقل شأنا عن الحضارات التي كانت معاصرة لها في بلدان الشرق والعالم الإسلامي وأوربا في العصر القديم والوسيط . ولكن من أين جاءت جذور التخلف ؟
لقد قطع الاحتلال التركي – المصري للسودان عام 1821 م التطور الطبيعي والباطني للمجتمع السوداني ، وبعد الاحتلال نشأت بنية اقتصادية – اجتماعية تابعة ومتوجهة خارجيا ، بمعني أن كل النشاط الاقتصادي والاجتماعي في تلك الفترة كان موظفا لخدمة أهداف دولة محمد على باشا في مصر ، وتم نهب وتدمير القوى المنتجة في السودان ( المادية والبشرية ) ، وكان ذلك جذرا أساسيا من جذور تخلف السودان الحديث . رغم ارتباط السودان بالعالم الخارجي وعرف المحاصيل النقدية مثل : القطن ، الصمغ ، والتعليم المدني الحديث والقضاء المدني ، .. الخ . وتم استنزاف ونهب موارد السودان ، وإرهاق الناس بالضرائب الباهظة حتى انفجرت الثورة المهدية . استمرت فترة المهدية لمدة " 13" عاما كانت مشحونة بالحروب الداخلية والخارجية والمجاعات.
لم تشهد فترة المهدية استقرارا حتى جاء الاحتلال البريطاني للسودان ( 1898 – 1956 ) ، وفي تلك الفترة عاد الاقتصاد السوداني للتوجه الخارجي ، أي أن الاقتصاد السوداني كان خاضعا لاحتياجات بريطانيا ومد مصانعها بالقطن الذي كان المحصول النقدي الرئيسي ويشكل 60 % من عائد الصادرات ، وتم تغليب وظيفة زراعة المحصول النقدي على وظيفة توفير الغذاء الأساسي في الزراعة ، هذا إضافة لسيطرة الشركات والبنوك البريطانية على معظم التجارة الخارجية ، وارتباط السودان بالنظام الرأسمالي العالمي ، وفي علاقات تبادل غير متكافئة ، هذا إضافة لتصدير الفائض الاقتصادي للخارج ، فعلى سبيل المثال في الفترة ( 1947 – 1950 ) كانت أرباح شركة السودان الزراعية أكثر من 9,5 مليون جنية إسترليني تم تحويلها إلى خارج البلاد ( تيم نبلوك : صراع السلطة والثروة في السودان ) . كما كانت الصناعة تشكل 9 % من إجمالي الناتج القومي ، وأجهض المستعمر أي محاولات لقيام صناعة وطنية ، وتم تدمير صناعات النسيج والأحذية التي كانت موجودة خلال فترة المهدية ، بعد أن غزت الأقمشة والأحذية المستوردة السوق السوداني . وكان نمط التنمية الاستعماري الذي فرضه المستعمر يحمل كل سمات و مؤشرات التخلف التي تتلخص في الآتي : -
- 90 % من السكان كانوا يعيشون في القطاع التقليدي ( المعيشي ) .
- قطاع تقليدي يساهم ب56,6 % من إجمالي الناتج القومي .
- القطاع الزراعي يساهم ب61 % من تكوين الناتج المحلي .
- ضعف ميزانية التعليم والصحة، تتراوح بين ( 4 –6 % ).
- نسبة الأمية حسب إحصاء 55 / 1956، كانت 86,5 % .
- دخل الفرد كان حوالي 27 جنية مصري في العام.
- اقتصاد غير مترابط ومضعضع داخليا ومتوجه خارجيا .
- تنمية غير متوازنة بين أقاليم السودان .
وبعد الاستقلال استمر هذا الوضع وتم إعادة إنتاج التخلف واشتدت التبعية للعالم الخارجي أو التوجه الخارجي للاقتصاد السوداني : ديون ، عجز غذائي ( مجاعات )، تصنيع فاشل، وغير ذلك مما وضحناه سابقا.
3 – فشل الرأسمالية السودانية في قيادة النهضة الوطنية :
هناك عوامل ومؤثرات وعقبات وقفت في طريق تطور ونمو الرأسمالية السودانية والتي حالت دون أن تتمكن من قيادة النهضة الصناعية والزراعية ، رغم أن بذور نشأتها كانت مبكرة ومعاصرة للثورة الصناعية في أوربا ، فقد نشأت في خضم عمليات التراكم البدائي لرأس المال التجاري في سلطنة سنار ، ويمكن أن نلخص أهم الأسباب التي أدت إلى إجهاض دور الرأسمالية السودانية في قيادة النهضة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الآتي : -
- لم تستطع الرأسمالية التجارية أن تحقق نصرا حاسما في صراعها ضد الطبقة الإقطاعية في سلطنة سنار على السلطان الذي كان يحتكر سلعتي الذهب والرقيق ، وبالتالي فشلت في الانفراد بقيادة الدولة ، كما فعلت الطبقة الرأسمالية في أوربا ، هذا فضلا عن توقف التطور الباطني الطبيعي لهذا الصراع بسبب تدخل عامل خارجي هو الاحتلال التركي للسودان .
- في فترة الحكم التركي أصبح الاقتصاد السوداني متوجها لخدمة أهداف دولة محمد على باشا في مصر والذي كان يهدف إلى تحقيق نهضة صناعية وزراعية في مصر واللحاق بركب البلدان الأوربية ، وبالتالي حال ذلك دون أن تلعب الرأسمالية السودانية دورها في النهضة .
- تميزت فترة المهدية بعدم الاستقرار والحروبات المتصلة والصراعات الداخلية والخارجية وإهمال القطاع الزراعي بسبب التهجير الواسع للمزارعين وأسرهم تلبية لنداء الجهاد مما أدى إلى تدهور الزراعة وانتشار المجاعات مثل مجاعة : سنة 1306 ه ، وبالتالي لم يكن الجو مساعدا لنمو وتطور الرأسمالية السودانية .
- في فترة الاستعمار البريطاني للسودان ( 1898 – 1956 ) تصدت الدولة لإنشاء المشاريع الزراعية والخدمية مثل مشاريع القطن ( الجزيرة ، القاش ، طوكر ، جبال النوبة . الخ ) ، السكك الحديدية والطرق الداخلية ، خزان سنار ، ميناء بور تسودان ، ... الخ. كما غزت بريطانيا السودان بالسلع الرأسمالية المستوردة، مما حال دون نمو الرأسمالية السودانية وقيادتها للنهضة الصناعية والزراعية.
٤
بعد الاستقلال لم تلعب الرأسمالية الوطنية دورها في النهضة رغم التسهيلات التي كانت تقدم لها، فقد ظل القطاع العام هو المهيمن.
- بعد انقلاب مايو 1969 تم تحجيم الرأسمالية الوطنية التي بدأت تلج ميدان الإنتاج الصناعي والزراعي بقرارات التأميم والمصادرة العشوائية ، ومنذ العام 1978 ، وبعد التخفيضات المتوالية للجنية السوداني انهار الإنتاج الصناعي والزراعي وتزايد النشاط الطفيلي الذي دمر الاقتصاد السوداني بتهريب الفائض الاقتصادي للخارج .
- وبعد انقلاب 30 / يونيو / 1989 سادت الرأسمالية الطفيلية الإسلاموية على حساب الفئات الرأسمالية المنتجة، وتم تدمير الإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي ونهب عائدات الذهب والبترول وأصول البلاد. وتمت الخصخصة وتشريد العاملين وتدهورت الأوضاع المعيشية ، رفعت الدولة يدها عن خدمات أساسية مثل : التعليم والصحة الذين دخلا دائرة الاستثمار الخاص ،و أفرزت حكاما طغوا في البلاد فاكثروا فيها الفساد ، استغلوا الدين في السياسة ، وقهروا الناس باسم الإسلام.
بفشل الرأسمالية في قيادة النهضة الوطنية، يستحيل الحديث مرة أخري عن قيادتها تحت ستار "الدولة التنموية" والتي تعني المزيد من الدمار وافقار الكادحين وإعادة إنتاج الأزمة بشكل أعمق من السابق، لا بديل غير قيادة طبقية جديدة تعبر عن مصالح الطبقة العاملة والكادحين والقوي صاحبة المصلحة " فقراء ومتوسطي المزارعين ، مثقفين ثوريين، الرأسمالية المنتجة.الخ" ضمن تحالف الجبهة الوطنية الديمقراطية الاستراتيجي لانجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية.
الهدف المباشر حاليا قيام أوسع جبهة جماهيرية قاعدية لوقف الحرب واستعادة مسار الثورة وقيام الحكم المدني الديمقراطي' وعدم الإفلات من العقاب وخروج العسكر والدعم السريع والمليشيات من السياسة والاقتصاد والترتيبات الأمنية لحل كل المليشيات وجيوش الحركات وقيام الجيش القومي المهني الموحد الذي يعمل تحت إشراف الحكومة المدنية' الذي يستعيد فيه شعبنا الديمقراطية ' وعقد المؤتمر الدستوري الجامع الذي يقرر شكل الحكم والحل العادل والشامل لقضايا البلاد وتحقيق التنمية المتوازنة والتوزيع العادل للثروة والسلطة وقيام الدولة المدنية الديمقراطية التي تسع الجميع، ومعالجة التدهور الاقتصادي والمعيشي' وتفكيك التمكين وإعادة ممتلكات الشعب المنهوبة ، كل ذلك عبر فترة انتقالية تتم في نهايتها انتخابات حرة نزيهة، ويستعيد فيها شعبنا الديمقراطية الحقة، مما يفتح الطريق لمواصلة النضال من أجل تحقيق البرنامج الوطني الديمقراطي.