Post: #1
Title: بريطانيا: عنصرية بالوكالة وسياسات إقصائية يمينية في الكواليس كتبه د. ياسر محجوب الحسين
Author: د. ياسر محجوب الحسين
Date: 01-21-2026, 06:11 PM
06:11 PM January, 21 2026 سودانيز اون لاين د. ياسر محجوب الحسين-UK مكتبتى رابط مختصر
أمواج ناعمة
د. ياسر محجوب الحسين
تشهد الساحة السياسية البريطانية تحوّلاً بنيوياً عميقاً في تكتيكات اليمين واليمين المتطرف؛ تحوّلٌ لا يقتصر على الخطاب، بل يمتد إلى البنية الرمزية نفسها التي يُسوَّق عبرها هذا الخطاب. فبعد عقود من الواجهة التقليدية التي يتصدرها “الرجل الأبيض” بخطاب صدامي مباشر، انتقل اليمين إلى استراتيجية أكثر مراوغة ودهاء، تُعرف بما يمكن تسميته «التمثيل الصوري الوظيفي»: أي توظيف شخصيات من أصول مهاجرة، وخلفيات إسلامية أحياناً، كواجهات سياسية لتمرير سياسات كانت تُصنَّف سابقاً ضمن خانة «العنصرية الفجّة».
ويمثّل صعود ليلى كونيغهام داخل حزب «الإصلاح» (Reform UK) الذروة الأكثر وضوحاً لهذا التحول؛ إذ تسعى هذه الاستراتيجية إلى نزع السلاح الأخلاقي من يد الخصوم الليبراليين، عبر تفريغ اتهام العنصرية من مضمونه. فكونيغهام، وهي مسلمة بريطانية من أصول عربية ومرشحة الحزب لمنصب عمدة لندن عام 2028، تحولت إلى رمز سياسي جديد، لا بسبب موقعها فحسب، بل بسبب تصريحاتها التي وصفت فيها أجزاء من لندن بأنها «تشعر وكأنها مدينة إسلامية»، في إشارة إلى انتشار اللافتات بلغات غير إنجليزية وبيع النقاب في الأسواق.
تاريخياً، واجه اليمين البريطاني معضلة مزمنة: فكل محاولة لتقييد الهجرة أو استهداف المظاهر الدينية للأقليات كانت تُواجَه فوراً بتهمة «العنصرية». وللتحايل على هذه المعضلة، تبنّى حزب المحافظين أولاً، ثم حزب «إصلاح بريطانيا» بقيادة نايجل فاراج، مبدأً بسيطاً وفعالاً: «دعهم يقولون ذلك بأنفسهم». فاختيار شخصيات مثل بريتي باتيل أو سويلا برافيرمان في السابق، ثم ليلى كونيغهام اليوم، لا يعكس احتفاءً حقيقياً بالتنوع، بقدر ما يؤسس لما يمكن وصفه بـ «الحصانة السياسية».
حين تطالب سياسية من أصول عربية بحظر النقاب، أو تصف العاصمة البريطانية بأنها باتت «مدينة إسلامية»، فإنها تمنح اليمين غطاءً لا يستطيع السياسي الأبيض امتلاكه. فهي لا تُقدَّم باعتبارها «تهاجم الآخر»، بل باعتبارها «تنتقد بني جلدتها» من موقع «الاندماج الوطني» والحرص على الدولة. وبهذا، يبدو اتهام الحزب بالعنصرية ضعيفاً أو حتى غير منطقي في نظر شريحة واسعة من الرأي العام. ولا غرابة، في هذا السياق، أن تُظهر استطلاعات رأي حديثة تأييد 86% من ناخبي حزب Reform UK لسياسات الترحيل الجماعي للمهاجرين غير النظاميين، في مؤشر واضح على نجاعة هذا التكتيك.
تمثّل ليلى كونيغهام النسخة الأكثر راديكالية من هذه الظاهرة. فخلفيتها المهنية كمدعية عامة سابقة في هيئة الادعاء العام تضفي على خطابها مسحة من «الصرامة القانونية»، بينما تمنحها هويتها الإسلامية ما يشبه «رخصة رمزية» لتجاوز خطوط حمراء لا يُسمح لغيرها بتخطيها. تصريحاتها الداعية إلى معاملة المنقبات بوصفهن «مشتبهاً بهن محتملات» وإخضاعهن للتفتيش الشرطي لا تندرج في إطار الرأي السياسي فحسب، بل تلامس حدود «الشيطنة القانونية» لمظهر ديني بعينه. وحين تقول: «يجب افتراض أن من يخفي وجهه يخفيه لسبب إجرامي»، فهي تنقل النقاب من حيز الحرية الدينية إلى دائرة الاشتباه الجنائي، وهو ما دفع عمدة لندن الحالي صادق خان إلى التحذير من أن مثل هذا الخطاب يغذّي العنف ضد المسلمين.
المفارقة الأعمق في خطاب كونيغهام تكمن في قدرتها على تبنّي سردية «غرباء في وطنهم». فعندما تتحدث عن تغيّر ملامح الشوارع اللندنية وانتشار اللافتات بلغات غير إنجليزية، فهي لا تعبر فقط عن قلق ثقافي، بل تعيد إنتاج نظرية «الاستبدال العظيم»، لكن بلسان ينتمي ظاهرياً إلى الأقلية نفسها. ويهدف هذا التكتيك إلى تفتيت وحدة الأقليات عبر خلق شرخ مصطنع بين «المهاجر المندمج تماماً» الذي يتبنى قيم اليمين، و«المهاجر المتمسك بهويته» الذي يُصوَّر كتهديد للنسيج الوطني. وفي هذا السياق، يعتمد Reform UK على إحصاءات مثيرة للجدل صادرة عن مراكز مثل مركز ضبط الهجرة، ما يثير مخاوف جدية من توظيف أرقام غير محايدة لتغذية خطاب الكراهية.
ما يفعله اليمين المتطرف عبر هذه الواجهات يمكن توصيفه بعملية «تبييض للسياسات. فمن خلال ليلى كونيغهام، يُعاد تسويق العداء للمسلمين أو للأجانب لا بوصفه موقفاً عرقياً، بل باعتباره «خياراً وطنياً» يشارك فيه حتى مسلمون وعرب يُقدَّمون كـ«عقلانيين» أو «واقعيين». وهكذا تتشكل ما يمكن تسميته «العنصرية بالوكالة»؛ حيث تُمرَّر السياسات الأكثر قسوة تجاه المهاجرين واللاجئين بأيدي أشخاص هم، في الأصل، نتاج مباشر لعملية الهجرة نفسها.
ولا يقتصر دور هذه الوجوه على تبرير السياسات، بل يمتد إلى تعطيل أي محاولة جادة لتقنين مكافحة الإسلاموفوبيا. فمعارضة كونيغهام لتعريف الإسلاموفوبيا قانونياً، بحجة حماية «حرية التعبير»، تمنح تيارات اليمين ضوءاً أخضر لممارسة التحريض دون خوف من المساءلة، طالما أن هناك «صوتاً مسلماً» داخل الحزب يبارك هذا التوجه. وفي السياق ذاته، تُظهر استطلاعات أن 61% من ناخبي Reform UK يعتقدون أن مناطقهم تستضيف أكثر من «حصتها العادلة» من طالبي اللجوء، ما يعكس نجاح هذه السرديات في إعادة تشكيل الوعي العام.
إن استقطاب حزب «الإصلاح» لشخصيات مثل كونيغهام يعكس فهماً دقيقاً لتحولات المزاج الشعبي في بريطانيا. فالحزب لم يعد يكتفي بمخاطبة قواعده التقليدية في الأرياف، بل يسعى لاختراق المدن الكبرى عبر «هويات مركّبة» تمزج بين الخلفية المهاجرة والتشدد اليميني. غير أن هذه الاستراتيجيات ترافقها كلفة اجتماعية متصاعدة؛ إذ حذّرت رئيسة هيئة حقوق الإنسان البريطانية من أن تصاعد الخطاب المعادي للهجرة يشكل تهديداً مباشراً للأقليات العرقية.
ويبقى السؤال الجوهري: هل تمثل هذه الوجوه تنوعاً حقيقياً داخل المشهد السياسي، أم أنها مجرد أدوات في مشروع يهدف، في جوهره، إلى تقليص حقوق الأقليات التي تنتمي إليها هذه الوجوه نفسها؟ تشير الوقائع إلى أن اليمين البريطاني نجح في تحويل «التنوع» من قيمة ليبرالية إلى سلاح سياسي فعّال، واضعاً الأقليات أمام تحدٍّ غير مسبوق؛ إذ لم يعد الخصم في موقع المواجهة فقط، بل بات يتحدث بلسانهم ومن داخل صفوفهم.
|
|