فنزويلا.. لحظة الحقيقة للنظام العالمي كتبه ادم ابكر عيسي

فنزويلا.. لحظة الحقيقة للنظام العالمي كتبه ادم ابكر عيسي


01-21-2026, 06:03 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1769018629&rn=0


Post: #1
Title: فنزويلا.. لحظة الحقيقة للنظام العالمي كتبه ادم ابكر عيسي
Author: ادم ابكر عيسي
Date: 01-21-2026, 06:03 PM

06:03 PM January, 21 2026

سودانيز اون لاين
ادم ابكر عيسي-السودان
مكتبتى
رابط مختصر







في الثالث عشر من أكتوبر 2024، تحولت جمهورية الدومينيكان إلى مسرح لمشهد يلخص أزمة عالمنا الراهن: اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو بناءً على مذكرة أمريكية. هذه اللحظة ليست مجرد تطور في أزمة فنزويلا المستمرة، بل هي اختبار مصيري للقواعد التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

لم تأتِ هذه الخطوة من فراغ، فهي تتويج لسياسة معلنة سار عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اعترف بسلطة موازية في كاراكاس، ولوّح بالخيار العسكري، ووضع كل أوراقه على طاولة المواجهة. السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل نشهد تطبيقاً عملياً لفلسفة "أمريكا أولاً" التي تسعى لإعادة تقسيم العالم بقوة الأمر الواقع، وبالتالي بداية أفول نجم مؤسسات مثل الأمم المتحدة؟ أم أن النظام القادر على احتواء هذه الصدمة؟

منظور ترامب: من النظرية إلى التطبيق

تجسّد فنزويلا تحت حكم مادورو النموذج التطبيقي الكامل لرؤية ترامب. فلقد تجاوزت واشنطن الأمم المتحدة ومجلس أمنها، متجنبة أي فيتو محتمل، واعتمدت بدلاً من ذلك على "تحالفات الراغبين" مثل مجموعة ليما، لتكريس آلية موازية تقوض الشرعية الدولية التقليدية. وترجمت شعاراتها إلى عقوبات اقتصادية خانقة، حولت حياة الملايين إلى جحيم، في محاولة واضحة لإخضاق إرادة شعب وحكومة. الأكثر جرأة، كان الاعتراف بسلطة موازية داخل دولة ذات سيادة، والتهديد المباشر باستخدام القوة، وملاحقة رئيسها قضائياً، في تحدٍ صارخ للمبدأ الأقدس في القانون الدولي: سيادة الدول. والمفارقة أن هذا كله تمّ دون أن يتحرك المجتمع الدولي تحركاً حاسماً للدفاع عن هذا المبدأ، مما يكشف عمق أزمة الشرعية التي يعاني منها.

نظام على المحك: سيناريوهات المصير

أمام هذا التحدي، تبرز عدة سيناريوهات لمستقبل النظام العالمي. الأول والأرجح، هو أن الأمم المتحدة لن تنهار، ولكن دورها سيتآكل تدريجياً لتصبح مجرد ساحة تعكس انقسامات العالم بدلاً من أن تكون منصة لحلّها. فنشهد قطباً بقيادة واشنطن يدفع نحو فرض التغيير، وقطباً آخر بقيادة موسكو وبكين يدافع عن مبدأ السيادة، ليس حباً بفنزويلا أو مادورو، بل كخط دفاع أمام هيمنة أحادية.

أما السيناريو الثاني، الأكثر قتامة، فيرى في نجاح الإجراءات الأمريكية خارج الأطر الدولية (ولو جزئياً) إشارةً لتكرار هذا النموذج. قد يصبح اعتقال مادورو رسالة ردع لكل من يعترض، ويعمق منطق "القوة فوق الحق". حتى الفكرة الغريبة عن دفع مليار دولار للانضمام لنظام عالمي جديد، تعكس نظرة سوقية صرفة تجعل من السيادة والتحالفات سلعاً قابلة للشراء، وتجعل من دولة مثل فنزويلا – بثرواتها – مجرد عائق يجب تحييده.

نحو عالم هجين.. حيث تكون السيادة هي الضحية

ما نعيشه اليوم هو ولادة نظام عالمي هجين وغريب. نظام تتعايش فيه خطابات السيادة الرنانة مع ممارسات الهيمنة الاقتصادية والقانونية غير المباشرة. نظام تُستخدم فيه المؤسسات الدولية بشكل انتقائي: تُستدعى عندما تخدم مصالح القوى، وتُتجاهل عندما تعرقلها. في قلب هذه العاصفة، تتحول دول مثل فنزويلا إلى ساحات اختبار في معركة كبرى: معركة بين رغبة قوة عظمى في إعادة صياغة العالم وفق أولوياتها، ومحاولة قوى صاعدة لإصلاح النظام ليكون متعدد الأقطاب.

ختاماً، اعتقال مادورو ليس إعلان وفاة للأمم المتحدة، ولكنه صفعة قوية تعري أزمة نظامها. إنه ناقوس خطر يدق: فإما أن تشهد المنظمة إصلاحاً جذرياً يعيد الاعتبار للشرعية ويحد من هيمنة القوة، أو ستستمر في الانحدار لصالح عالم تحكمه تحالفات متقلبة وسياسات الغاب، حيث تكون السيادة الوطنية للضعفاء أولى الضحايا. فنزويلا اليوم ليست سوى فصل من فصول صراع أوسع، وهي تذكير مرعب لكل دولة بأنها قد تكون الغد على قائمة الأهداف.