Post: #1
Title: حرب على الزُرقة.. الجنائية الدولية توثق عقيدة التطهير العرقي في الفاشر! كتبه عبدالغني بريش فيوف
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 01-21-2026, 03:40 AM
03:40 AM January, 20 2026 سودانيز اون لاين عبدالغني بريش فيوف -USA مكتبتى رابط مختصر
لم يكن ما ورد على لسان نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية،السيدة نزهت شميم خان، أمام مجلس الأمن الدولي في التاسع عشر من يناير 2026، مجرد إحاطة إجرائية روتينية، بل كان توثيقا قانونيا وتاريخيا لواحدة من أحلك فصول المأساة السودانية. إنه التصديق الدولي الرسمي على ما ظللنا نصرخ به ونحذر منه منذ اللحظة الأولى، وهو إن ما حدث في الجنينة لم يكن حدثا عابرا، بل هو بروفة دموية لمسلسل إبادة جماعية ممنهجة، فصولها كُتبت بحبر العنصرية والحقد الدفين، ومسرحها يمتد ليشمل الفاشر، والدلنج، وكادقلي، وكل بقعة تطأها أقدام ميليشيا الدعم السريع (الجنجويد). إن التأكيدات الصادرة عن مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بأن الفاشر شهدت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خاصة في أواخر أكتوبر 2025، ليست مفاجأة للمراقبين اللصيقين بطبيعة تكوين هذه الميليشيا، بل هي إثبات دامغ على أن العقيدة القتالية لهذه القوات تقوم أساسا على التطهير العرقي وإلغاء الآخر -خاصة قبائل الزُرقة. استنساخ الجنينة في الفاشر.. لقد أثبتت الأيام، وبشهادة أعلى هيئة قضائية دولية، صحة تحذيراتنا السابقة، فعندما سقطت الجنينة في بحر من الدماء عام 2023، ارتفعت أصواتنا محذرة من أن السيناريو سيتكرر، وأن شهوة القتل لدى هذه الميليشيا لن تتوقف عند حدود ولاية غرب دارفور، وها هي اليوم، تأتي نزهت شميم خان لتقول بوضوح لا لبس فيه، أن أنماط الفظائع في جميع أنحاء الجنينة في عام 2023، قد تكررت في الفاشر في عام 2025. هذا الربط المباشر بين الجريمتين، جريمة الجنينة والفاشر، في تقرير الجنائية الدولية يكشف عن حقيقة مرعبة، وهي أننا لا نواجه فوضى عارمة أو تفلتات فردية، بل نواجه خطة مركزية للإبادة. إن تكرار النمط الإجرامي بحذافيره من استهداف للمجتمعات غير العربية، والتمثيل بالجثث، والاغتصاب كأداة حرب، يؤكد أن الأوامر واحدة، والعقلية المدبرة واحدة، والهدف واحد، وهو إفراغ الأرض من سكانها الأصليين (الزُرقة)، وإحلال واقع ديموغرافي جديد بقوة السلاح. لقد سيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر في 26 أكتوبر الماضي، وما تلا ذلك من أحداث، هو ما وصفته نائبة المدعي العام بعبارة تقشعر لها الأبدان: "دارفور في هذه اللحظة تتعرض لتعذيب جماعي". هذا الوصف القانوني الدقيق يعكس حجم الكارثة، فالسقوط العسكري للمدينة لم يكن نهاية المعركة، بل كان بداية حملة منظمة وممنهجة من المعاناة البالغة. العنصرية كعقيدة قتالية.. ما يميّز هذه الجرائم، ويجعلها ترقى لمستوى الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة، هو البعد العنصري الصارخ فيها، حيث أشارت نائبة المدعي العام بوضوح إلى أن الحملة استهدفت المجتمعات غير العربية على وجه الخصوص. هذا التخصيص في الاستهداف ينسف أي ادعاءات بأن الحرب في دارفور، هي حرب سياسية بحتة أو صراع على السلطة فقط، إنها حرب هوية، وحرب وجود. في عقيدة ميليشيا الدعم السريع، التي تغذيها نظريات التفوق العرقي الزائفة، لا يُنظر إلى القبائل غير العربية على أنهم خصوم سياسيون أو عسكريون، بل يُنظر إليهم ككيانات لا تستحق الحياة، وأن إبادتهم واجبة. هذه ليست مبالغة تحليلية، بل هي ما أكدته مقاطع الفيديو التي قام مكتب المدعي العام بتحليلها، والتي تظهر، وفقا لشميم خان، أعضاء من قوات الدعم السريع وهم يحتفلون بعمليات إعدام مباشرة، ثم يقومون بتدنيس الجثث. الاحتفال بالقتل، ثم الانتقال إلى تدنيس الجثث، يعكس حالة من التشفي والحقد لا يمكن تفسيرها إلا في سياق الكراهية العنصرية العميقة، ذلك ان الجاني هنا لا يكتفي بإزهاق الروح، بل يسعى إلى إهانة كرامة الإنسان حتى بعد موته، في رسالة ترهيب وإذلال موجهة لمجتمع الضحية بأكمله، إنه تطبيق حرفي لنظرية الأرض المحروقة بشريا وثقافيا. الاغتصاب والعنف الجنسي.. من أخطر ما ورد في إحاطة المحكمة الجنائية الدولية هو التأكيد على أن العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، يُستخدم كأداة حرب في دارفور، وهذا الاستنتاج القانوني يضع العالم أمام مسؤوليته الأخلاقية، لأن الاغتصاب هنا ليس نتيجة جانبية للفوضى، بل هو تكتيك عسكري مقصود ومخطط له، يهدف إلى كسر إرادة المجتمعات المحلية، وتدمير نسيجها الاجتماعي، وإلحاق العار بالضحايا وعائلاتهم لتهجيرهم قسريا. لقد تحدثت التقارير والشهادات التي جمعها مكتب المدعي العام عن جرائم قائمة على النوع الاجتماعي وجرائم ضد الأطفال، مما يؤكد أن الميليشيا لا تستثني أحدا من وحشيتها. إن استخدام أجساد النساء والفتيات كساحة للمعركة، هو التعبير الأكثر انحطاطا عن مشروع هذه الميليشيا، وهو ما يستدعي ليس فقط الإدانة، بل التحرك العاجل لوقف هذه الانتهاكات التي تضرب في صميم الكرامة الإنسانية. شهادات من قلب الجحيم.. على الرغم من العقبات الكبيرة التي أشارت إليها نائبة المدعي العام، مثل محدودية الوصول إلى الشهود ونقص إمكانية الوصول الآمن إلى مسارح الجريمة، إلا أن الأدلة التي جُمعت كانت كافية لتكوين صورة واضحة عن الجحيم الذي عاشته الفاشر. لقد تحدث الشهود عن عمليات قتل جماعي، واعتقالات واسعة، واختفاء قسري للمئات، وهذه الشهادات تتقاطع مع ما تم توثيقه بالفيديو والتحليل الجنائي، إذ ان الحديث عن مقابر جماعية وإعدامات ميدانية يعيد للأذهان صور التطهير العرقي في رواندا والبوسنة. ما يحدث في دارفور الآن، وفي الفاشر تحديدا، هو تكرار لتلك المآسي الإنسانية الكبرى، ولكن وسط صمت دولي مريب وتواطؤ إقليمي فاضح. تذكر الإحاطة أن الهجمات، طالت مخيمات النازحين داخليا، ومخيمات النازحين، كما هو معلوم، هي الملاذ الأخير لمن فقدوا بيوتهم وأمنهم، وهي محمية بموجب القانون الدولي الإنساني، وإن استهداف هذه المخيمات، ونهبها، وقصف سكانها، يكشف عن رغبة الميليشيا في القضاء على أي شكل من أشكال الحياة أو الأمان للنازحين، ودفعهم نحو المجهول أو الموت المحقق. المسؤولية الجنائية وسلسلة القيادة.. إن قول نزهت شميم خان بأن هذا الإجرام يتكرر في مدينة تلو الأخرى في دارفور، يضعنا أمام حقيقة قانونية هامة، وهي أننا أمام تسلسل قيادي مسؤول، إذ انه لا يمكن لجرائم بهذا الحجم، وهذا التكرار، وهذا التشابه في النمط بين الجنينة والفاشر، أن تحدث دون أوامر عليا وتوجيه مركزي. إن القادة الميدانيين الذين يظهرون في الفيديوهات وهم يحتفلون فوق الجثث، ليسوا سوى أدوات تنفيذ، ذلك أن المسؤولية الحقيقية، تقع على عاتق القيادة العليا لقوات الدعم السريع التي صممت هذه السياسة، ومولت هذه العمليات، ووفرت الغطاء السياسي والإعلامي لهذه الجرائم، كما تمتد المسؤولية لتشمل الحركات والجماعات المتحالفة معها، والدول والجهات الخارجية التي تمد هذه الميليشيا بالسلاح والمال والدعم اللوجستي، وهو ما أشار إليه السودان بوضوح من خلال مطالبته بالتحقيق مع الإمارات ودورها المشبوه في تأجيج هذا الصراع. ما وراء الفاشر: الخطر القادم "الدلنج وكادقلي وغيرهما".. إن صحة تحذيراتنا بشأن الفاشر، والتي أكدتها المحكمة الجنائية اليوم، تضعنا أمام مسؤولية تجديد التحذير بشأن ما هو قادم، ذلك إن نفس العقلية التي أباحت الجنينة والفاشر، تضع الآن عينيها على الدلينج وكادقلي وبقية مدن كردفان ودارفور. السيناريو واضح ومكشوف، وهو حصار، قصف عشوائي، اجتياح، ثم حملة تطهير عرقي ممنهجة تستهدف القبائل غير العربية -النوبة والزُرقة وغيرهم، يتخللها اغتصاب ونهب وتدمير للبنية التحتية. إن الصمت على ما حدث في الفاشر، هو ضوء أخضر للميليشيا لتكرار نفس الجرائم في المدن المذكورة في الأعلى، وكما قالت شميم نزهت خان، سيستمر هذا الوضع المأساوي، حتى يتوقف هذا الصراع التدميري ويتم تطبيق مبدأ عدم الإفلات من العقاب. إن شعور الميليشيا بأنها فوق القانون، وبأن المجتمع الدولي عاجز عن ردعها، هو الوقود الذي يحرك آلة القتل، لذا، فإن المعركة اليوم، ليست عسكرية فقط، بل هي معركة قانونية ودبلوماسية وحقوقية لكسر حلقة الإفلات من العقاب. أهمية التحقيق الدولي ودور مجلس الأمن.. إن إحاطة نائبة المدعي العام أمام مجلس الأمن، يجب أن تكون نقطة تحول، إذ لم يعد هناك مجال للإنكار أو التشكيك في الروايات، لأن الجنائية الدولية، قالت كلمتها، وهي أن هناك جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في السودان. المطلوب الآن، هو تحويل هذه الإحاطة إلى إجراءات عملية ملموسة: 1/ إصدار مذكرات توقيف: يجب الإسراع في إصدار مذكرات توقيف بحق القادة الميدانيين والسياسيين لقوات الدعم السريع المتورطين في جرائم الفاشر والجنينة. 2/ التحقيق في الدور الخارجي: يجب أن يأخذ المجتمع الدولي مطالبة السودان بالتحقيق مع الدول الداعمة للميليشيا (الإمارات) مأخذ الجد، لأن تدفق السلاح والدعم المالي، هو الشريان الذي يبقي هذه الجرائم مستمرة، والمادة الجنائية واضحة في تجريم المساعدة والتحريض على ارتكاب جرائم الحرب. 3/ توسيع ولاية المحكمة: يجب دعم مكتب المدعي العام بالموارد اللازمة وتسهيل وصول المحققين لجمع المزيد من الأدلة، خاصة فيما يتعلق بجرائم العنف الجنسي والانتهاكات ضد الأطفال. 4/ حماية المدنيين: على مجلس الأمن أن يتحمل مسؤوليته في حماية المدنيين في المدن المهددة (الدلنج وكادقلي)، قبل فوات الأوان، وعدم الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة. ************ إن ما كشفته المحكمة الجنائية الدولية بشأن الفاشر لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد تطور قانوني عابر، ولا باعتباره حلقة جديدة في سلسلة بيانات الإدانة الدولية التي اعتاد العالم سماعها ثم تجاوزها، بل نحن أمام لحظة فاصلة، يتقاطع فيها القانون مع الأخلاق، والتاريخ مع الضمير، وتسقط فيها كل محاولات التعمية والتبرير، فحين تصف نائبة المدعي العام ما يجري في دارفور بأنه تعذيب جماعي، فإن هذا الوصف لا يحمل قيمة لغوية أو إنشائية، بل يُرسّخ توصيفا قانونيا واضحا لجريمة مستمرة، ذات طبيعة ممنهجة، وذات أهداف محددة، لا تخطئها العين ولا يجهلها العقل. لقد أثبتت الوقائع، المدعومة بالشهادات والأدلة المصورة والتحليل الجنائي، أن ما يحدث ليس نتاج فوضى حرب أهلية، ولا انفلات مجموعات مسلحة عن السيطرة، بل هو مشروع عنف منظم، تحكمه عقيدة إقصائية ترى في الآخر المختلف عرقيا عدوا وجوديا يجب محوه، وهذه الحقيقة، التي حاول كثيرون القفز فوقها أو تمييعها تحت لافتات التوازن والحياد، باتت اليوم مثبتة في سجل العدالة الدولية، وستظل شاهدة على مرحلة سوداء في تاريخ السودان والمنطقة. إن خطورة ما جرى في الفاشر لا تكمن فقط في حجم الجرائم المرتكبة، بل في دلالتها الرمزية والاستراتيجية، فالفاشر ليست مدينة عادية، بل مركز تاريخي وسياسي واجتماعي، وسقوطها بهذا الشكل الوحشي يعني أن مشروع التطهير العرقي لم يعد يستهدف الأطراف المنسية وحدها، بل يتقدم بثبات نحو تفكيك ما تبقى من نسيج اجتماعي وطني، ومن هنا، فإن تجاهل ما حدث، أو الاكتفاء بإدانته لفظيا، لا يعني سوى فتح الطريق أمام تكراره في الدلنج وكادقلي ومدن أخرى، وفق ذات السيناريو الدموي الذي لم يعد سريا أو غامضا، وعليه، فإن المسؤولية اليوم لم تعد حكرا على الضحايا وحدهم، ولا على الناشطين والحقوقيين، بل أصبحت مسؤولية جماعية تقع على عاتق المجتمع الدولي، ومجلس الأمن على وجه الخصوص، فالقانون الدولي الإنساني، إن لم يُفعَّل في مثل هذه الحالات الواضحة، يتحول إلى نصوص بلا روح، وتغدو العدالة شعارا للاستهلاك الإعلامي لا أداة للردع والإنصاف. إن إصدار مذكرات التوقيف، والتحقيق الجاد في شبكات الدعم الخارجي، وحماية المدنيين على الأرض، ليست خيارات سياسية، بل واجبات قانونية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل. في المقابل، فإن معركة العدالة لا تقتصر على أروقة المحاكم الدولية وحدها، بل تمتد إلى معركة الوعي والرواية. إذ إن أخطر ما واجهته قضايا الإبادة عبر التاريخ هو محاولات طمس الحقيقة، أو مساواة الضحية بالجلاد، أو اختزال الجرائم في صراع معقد بلا جذور. من هنا، فإن توثيق الجرائم، وتسميتها بأسمائها الحقيقية، والدفاع عن حق الضحايا في الذاكرة والإنصاف، هو جزء لا يتجزأ من مقاومة هذا المشروع العنصري. إن الفاشر اليوم ليست مجرد اسم في تقرير دولي، بل جرس إنذار أخير للعالم بأسره، إما أن يُكسر منطق الإفلات من العقاب، وتُستعاد هيبة القانون الدولي، أو يُترك المجال مفتوحا لانحدار أخلاقي وإنساني ستكون كلفته أفدح من أن تُحتمل. إن دماء الأبرياء، وصرخات النساء، وخراب المدن، لن تسقط بالتقادم، وستظل تطارد كل من اختار الصمت أو التواطؤ، فالعدالة قد تتأخر، لكنها لا تموت، وما زال في الوقت بقية إن أراد العالم أن يقف في الجانب الصحيح من التاريخ.
|
|