ثقافة السلطة في السودان: من عبء الحرمان النسبي إلى بناء سلطة تحترم الجميع كتبه ادم ابكر عيسي.

ثقافة السلطة في السودان: من عبء الحرمان النسبي إلى بناء سلطة تحترم الجميع كتبه ادم ابكر عيسي.


01-21-2026, 03:33 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1768966430&rn=0


Post: #1
Title: ثقافة السلطة في السودان: من عبء الحرمان النسبي إلى بناء سلطة تحترم الجميع كتبه ادم ابكر عيسي.
Author: ادم ابكر عيسي
Date: 01-21-2026, 03:33 AM

03:33 AM January, 20 2026

سودانيز اون لاين
ادم ابكر عيسي-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



آصداء الوعي

_____



في ظلّ الواقع السوداني المعقّد، حيث تتداخل الانقسامات العرقية والدينية والجغرافية، تبرز ثقافة السلطة كأحد أكثر العوامل إشكاليةً وتأثيراً في مصير البلاد. لطالما توارثت النخب الحاكمة، عبر العقود، فهماً للسلطة يقوم على الاحتكار والهيمنة، لا على الخدمة والتمثيل. هذه الثقافة، المتجذّرة في تاريخ طويل من التركيبات الاجتماعية والسياسية، أنتجت شعوراً عميقاً بالظلم والحرمان النسبي لدى قطاعات واسعة من الشعب، كان الشرارة التي أشعلت ثورة ديسمبر ٢٠١٨. السؤال الملحّ اليوم هو: كيف يمكن تحويل هذه الطاقة الثورية إلى مشروع لبناء سلطة جديدة تحترم الجميع وتضمن كرامتهم وحقوقهم؟

جذور ثقافة السلطة: القبيلة والمركز والهيمنة

لم تنشأ ثقافة السلطة الاحتكارية في السودان من فراغ، بل هي نتاج تراكم تاريخي معقّد. تشير تحليلات إلى أن البنية الاجتماعية التقليدية في السودان كانت تجمع بين السلطة السياسية والروحية في شخص أو مجموعة واحدة، وهو نمط يعكس ثقافة أفريقية خاصة. مع التحوّلات التاريخية اللاحقة، مثل دخول الثقافة العربية التي ميّزت بين الزعامة الدينية والسياسية، لم يختفِ هذا الموروث بل تحوّل وتشكّل في أشكال جديدة.

في العصر الحديث، تجلّت هذه الثقافة في شكل دولة مركزية شديدة التركيز، تستبعد الأطراف وتهمّش التنوع الثري للبلاد. لقد حكمت النخب في الخرطوم، بغضّ النظر عن انتمائها الأيديولوجي، بمنطق المحاصصة والامتياز، حيث أصبحت السلطة وسيلة للتراكم والبقاء، وليس أداة للتطوير والعدالة. هذا النموذج من الحكم عزّز الانقسامات وأفرز ثقافة سياسية تقبل بالإقصاء وتقدّس الولاء للسلطة فوق الولاء للوطن.

الحرمان النسبي: الوقود الخفي للثورة

عندما يكون توزيع السلطة والموارد قائماً على الانتماء والولاء وليس على الجدارة والمواطنة، ينشأ ما يسميه علماء الاجتماع "الحرمان النسبي". وهو ذلك الشعور العميق بالظلم والنقص مقارنة بالآخرين، سواء على المستوى المادي (الفقر، نقص الخدمات) أو المعنوي (التمييز، فقدان الكرامة). هذا الشعور ليس وليد اللحظة، بل هو تراكم لسنوات من الإحساس بالتهميش المنظم.

في السياق السوداني، كان الحرمان النسبي بشقّيه المادي والمعنوي هو القاسم المشترك الذي وحّد القوى الثورية المتنوعة. لم تكن الثورة مجرد رد فعل على غلاء المعيشة، بل كانت تمرداً على ثقافة سلطة استخفّت بعقول الناس، وقدمت وعوداً "فطرية" بدلاً من حلول حقيقية، ووصمت المحتجين بأوصاف مثل "الخونة" و"المرتزقة". لقد أدرك السودانيون أن مشكلتهم ليست في فرد بعينه، بل في منظومة حكم تجعل من الحرمان حقلاً خصباً للصراع والاحتقان.

نحو سلطة جديدة: أسس العقد الاجتماعي المنشود

بناء سلطة تحترم الجميع مهمة شاقة، لكنها ليست مستحيلة. وهي تبدأ من الاعتراف بأن السلطة أمانة وليست ملكية، وأن غايتها خدمة الشعب وحماية كرامته. يتطلّب هذا تحوّلاً جذرياً في الثقافة السياسية، يقوم على عدة أسس:

· الدستور كإطار جامع: يجب أن يكون الدستور تعبيراً حقيقياً عن إرادة الشعب كله، وليس حكراً على فئة. دستور يكرّس احترام التنوع الثقافي والعرقي والديني، ويضمن الحقوق المتساوية للجميع، ويسعى لإنهاء كل أشكال التهميش والإقصاء التاريخي.
· العدالة الانتقالية والشاملة: لا يمكن بناء ثقة دون مواجهة جرائم الماضي. تحتاج السودان إلى آليات حقيقية للعدالة والمحاسبة، تعترف بمعاناة الضحايا وتضمن عدم تكرار الانتهاكات.
· توزيع عادل للسلطة والثروة: يجب كسر احتكار المركز، وضمان تمثيل حقيقي لكل المناطق والمجموعات في مؤسسات الدولة. كما يجب أن يُترجم النمو الاقتصادي إلى تحسين ملموس في حياة الناس في كل بقعة من البلاد.
· ثقافة الحوار والتسامح: بناء سلطة تحترم الجميع يحتاج إلى فضاء عام يتسع للاختلاف. هذا يعني تشجيع الحوار الوطني الصادق، ودعم مؤسسات المجتمع المدني، ونشر ثقافة المواطنة التي تتجاوز الانتماءات الضيقة.

خاتمة

الطريق من ثقافة السلطة الاحتكارية إلى سلطة تحترم الجميع طويل ومليء بالتحديات. لكن دروس الثورة وتضحيات الشباب تثبت أن الشعب السوداني لم يعد يقبل بأن يكون رقماً في معادلة الهيمنة. إن الخيار الوحيد أمام النخب الحالية والمستقبلية هو تبني نموذج جديد للحكم، يكون فيه الاحترامُ أساساً، والعدالةُ منهجاً، والمواطنُ غاية. فقط عندها يمكن تحويل طاقة الغضب من الحرمان النسبي إلى طاقة بناء، وإرساء أسس سودان يستوعب تنوعه ويحوله من مصدر للصراع إلى مصدر للقوة والغنى.