Post: #1
Title: التحالف الثلاثي الخفي للموت والدمار في السودان كتبه حافظ حمودة
Author: حافظ يوسف حمودة
Date: 01-20-2026, 05:51 PM
05:51 PM January, 20 2026 سودانيز اون لاين حافظ يوسف حمودة-Sudan مكتبتى رابط مختصر
في تشخيص هو الأخطر من نوعه منذ اندلاع الصراع المسلح، كشفت ورقة تحليلية صادرة عن المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية ، عن بنية تحالف ثلاثي خفي يجمع بين ( العسكر والأيديولوجيا والتواطؤ الحزبي ) كمحرك أساسي يقود السودان نحو نقطة الدمار واللاعودة . الورقة توصّف الحرب الحالية بمعركة وجودية تهدف إلى إعادة صياغة هوية الدولة واختطاف شرعيتها لصالح مثلث مصالح يجمع بين "السلاح ، والانتهازية السياسية ، والأيديولوجيا الراديكالية" .
وإن كان المجتمع الدولي - عبر ما يُعرف بـ "الآلية الثلاثية" المؤلفة من الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) وبعثة الأمم المتحدة - قد رحب سابقاً بجهود الحل السياسي ودعا إلى تشكيل حكومة مدنية ذات مصداقية ، فإن الواقع الذي تكشفه الورقة التحليلية يؤكد أن المأساة السودانية تتعمق تحت وطأة تحالف داخلي خبيث . ففي الوقت الذي تحمل فيه الآلية الدولية المؤسسة العسكرية "مسؤولية الانخراط بحسن نية" لتسليم السلطة لمدنيين ، نجد أن هذه القيادة العسكرية قد تخلت كلياً عن هذه المسؤولية .
يحلل التقرير الضلع الأول لهذا التحالف ، وهو قيادة عسكرية تخلت عن عقيدتها المهنية لتتحول إلى نخبة اقتصادية مغلقة ، ترى في استمرار دوي المدافع ستاراً يحمي شبكات معقدة من المصالح المالية غير المشروعة. بالنسبة لهذه النخبة ، فإن السلام يمثل تهديداً وجودياً لأنه يعني بالضرورة الخضوع للمساءلة وفك الارتباط بين السلطة والثروة ، مما يجعل من الحرب الدائمة خياراً وحيداً للبقاء .
هذا التحول ليس جديداً في السلوك السياسي السوداني ، فالتاريخ يشهد على تحالفات عسكرية ومدنية متغيرة . فقد عرف السودان تشكيل تحالفات معارضة عريضة كالتجمع الوطني الديمقراطي و"قوى الإجماع الوطني" التي ضمت 17 حزباً ، لكن هذه التحالفات كانت تبنى غالباً على "الحد الأدنى من التوافق" ومواقف "براغماتية وقتية" ، مما يجعلها سهلة التفكك . اليوم ، تحول المؤسسة العسكرية إلى كيان اقتصادي حربي صرف .
أما الضلع الثاني ، فيتمثل في قوى مدنية تقليدية استمرأت دور (المحلل السياسي) للعسكر ، إذ وفرت هذه الأحزاب غطاءً هشاً للانقلاب والحرب ، طمعاً في العودة إلى المشهد عبر البوابات الخلفية ( الهبوط الناعم) و(المفاوضات السرية ) ، مما تسبب في إرباك القوى الثورية الحقيقية وتشتيت المشروع المدني الوطني . هذا المشهد من الانقسام والمواقف الانتهازية ليس بغريب على الساحة السودانية . فحتى ائتلافات المعارضة التاريخية مثل "ائتلاف الحرية والتغيير" تقزّم دوره مع خلافات مكوناته ، وانقسمت القوى المدنية بين من يؤيد التفاوض مع العسكر عبر "الحرية والتغيير -التوافق الوطني"، ومن يعارضه ضمن "مجموعة المجلس المركزي" . وفي ظل هذا الفراغ والانقسام ، تبرز قوى جديدة تحاول ملء الفراغ ، مثل "تحالف قوى التغيير الجذري" بزعامة الحزب الشيوعي ، لكنها تصطدم بواقع تحالف النخب القديم الذي يستهلك الدولة ويعيد العجلة إلي الوراء .
الورقة تضع التحذير الأكبر أمام الضلع الثالث والأكثر فتكاً: هو ( التيار الإسلامي المتشدد ) . فهذا التيار يشارك في الحرب كوقود أيديولوجي يمنح القتل صبغة قدسية . ومن خلال خطابات التخوين وتجريم دعوات السلام ، يسعى هذا التيار لإعادة إنتاج ( مشروع التمكين والنهب ) الذي سقط شعبياً بثورة مشهودة ، مستخدماً الفوضى كأداة لفرض الهيمنة من جديد تحت مسميات الهوية والدين والسيادة . ويجد هذا التيار أرضاً خصبة في الفوضى والفراغ ، كما تظهر في أقاليم مثل شرق السودان ، حيث تبرز تحالفات إقليمية جديدة كميثاق "شرق السودان" الذي يضم فصائل مثل مؤتمر البجا وحركة تحرير شرق السودان . وعلى الرغم من إعلان هذه التحالفات المحلية أنها لن تنخرط في الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع ، إلا أن بروزها يعكس تفتت سلطة الدولة المركزية وخلق ساحات جديدة يمكن للأيديولوجيا المتطرفة أن تملأها ، خاصة مع التقارير عن وجود معسكرات تدريب لحركات مسلحة سودانية بدعم إقليمي .
والمأساة الكبرى تكمن في أن ضحية هذا الخطاب التعبوي هو المجتمع السوداني بأكمله ، فبينما تضخ النخبة شعارات (الكرامة) و(الحرب المقدسة) يواجه السودانيون -بنـسـيـجـهـم الـمـتـسـامـح - أكبر موجة نزوح وانهيار اقتصادي في التاريخ الحديث ، مما يكشف الهوة السحيقة بين ادعاءات الأيديولوجيا وواقع المعاناة الإنسانية .
من هنا ندق جرس الإنذار الأخير : إن ما يواجهه السودان اليوم هو خطر داهم يستهدف تجريف فكرة (الدولة) من أساسها . إن الرهان على أنصاف الحلول مع هذا التحالف هو نوع من الانتحار الجماعي . لذا ، فإن الواجب الوطني والإنساني يحتم ضرورة استنفار الوعي الجمعي ( لتفكيك هذا المثلث المسموم والخبيث ) وكشف أطرافه . إن استقرار السودان لن يتحقق إلا بكسر هذه الحلقة المفرغة ، وفضح التواطؤ بين تجار الحروب ومنظري التطرف والمتواطئين . لقد آن الأوان لانتزاع الشرعية من أيدي من يستثمرون في جثث السودانيين ودمائهم ، وإعادتها إلى أصحابها الحقيقيين من المجتمع الحي ، فالبديل عن الوعي الحاد والتحرك الحاسم لتفكيك هذا التحالف هو التلاشي التام للسودان كدولة وكيان . إنها معركة الوعي أولاً .
للإطلاع على الورقة التحليلية ومصادرها الموثقة على الرابط: https://oaahd.com/lander؟p=16653https://oaahd.com/lander؟p=16653
حافظ حمودة 20 يناير 2026
|
|