هل العرب مواطنون في أفريقيا أم مستوطنون؟ كتبه د. أحمد التيجاني سيد أحمد

هل العرب مواطنون في أفريقيا أم مستوطنون؟ كتبه د. أحمد التيجاني سيد أحمد


01-19-2026, 05:49 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1768844972&rn=0


Post: #1
Title: هل العرب مواطنون في أفريقيا أم مستوطنون؟ كتبه د. أحمد التيجاني سيد أحمد
Author: احمد التيجاني سيد احمد
Date: 01-19-2026, 05:49 PM

05:49 PM January, 19 2026

سودانيز اون لاين
احمد التيجاني سيد احمد-ايطاليا
مكتبتى
رابط مختصر





هل العرب مواطنون في أفريقيا أم مستوطنون؟
زنجبار والسودان كنقطتي اختبار لمنطق المواطنة والإقصاء
يعيد هذا المقال طرح سؤال المواطنة في أفريقيا بعيدًا عن السجالات الإثنية، عبر قراءة مقارنة لزنجبار والسودان بوصفهما نقطتي اختبار كاشفتين لفشل الدولة الحديثة في إدارة التعدّد، من السطح المينائي إلى العمق البرّي، ومن الدين الشبكي التاريخي إلى توظيفه الجيوسياسي المعاصر.


د. أحمد التيجاني سيد أحمد
١٩ يناير ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا
[email protected]

تمهيد: السؤال التأسيسي
سؤال المواطنة قبل الحالات.

ينطلق هذا المقال من سؤال ظلّ معلقًا في الفكر السياسي الأفريقي: هل العرب مواطنون في أفريقيا أم مستوطنون؟ لا يُطرح السؤال هنا بوصفه اتهامًا إثنيًا أو دفاعًا هوياتيًا، بل أداة تحليل لاختبار مفهوم المواطنة في دولة ما بعد الاستعمار.

زنجبار: السطح المينائي كحالة اختبار
حين يتحوّل التمازج إلى ذريعة إقصاء.

تمثّل زنجبار حالة سطحية كاشفة تشكّلت بهوية بحرية مينائية قائمة على الحركة والتمازج، حيث امتزجت الجذور البانتوية بمفردات عربية–عُمانية ولمسات هندية وفارسية، ضمن إطار إسلامي سواحلي تشكّل عبر قرون من التفاعل مع عالم المحيط الهندي. هذه الهوية المينائية لم تكن طارئة، بل أنتجت مجتمعًا متداخلًا قادرًا على إدارة التعدّد خارج ثنائيات الأصل والطارئ.

غير أن ما جرى في يناير ١٩٦٤ شكّل لحظة قطيعة عنيفة، حين قُدِّمت الأحداث بوصفها «ثورة»، بينما كانت في جوهرها غزوًا قادمًا من بر تنجانيقا، قاده اليوغندي جون أوكيلو، واستهدف بصورة مباشرة العرب والأثنيات المختلطة المقيمة في الجزيرة. لعب أوكيلو دور الأداة العسكرية والأيديولوجية، مستخدمًا خطاب الاستئصال باسم القومية الأفريقية العرقية، دون أن يكون هو مركز القرار السياسي.

بعد إنجاز الدور الدموي، جرى تهميش أوكيلو وإبعاده، في عملية تبرؤ محسوبة سمحت بإدانة «العنف المنفلت» مع الإبقاء على نتائجه. وهنا يبرز دور جوليوس نيريري بوصفه الفاعل السياسي الحاسم في مرحلة ما بعد ١٩٦٤، إذ كانت أولى خطواته الاستراتيجية ضمّ زنجبار إلى تنجانيقا لتكوين دولة تنزانيا، وهو الاتحاد الذي جرى تثبيته سياسيًا ثم دستوريًا، وصولًا إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والجزيرة عبر قرارات السبعينيات، ولا سيما في عام ١٩٧٦، حين أُعيد تعريف الملكية والمواطنة بما كرّس نتائج العنف بوصفها واقعًا قانونيًا دائمًا.

بهذا المعنى، لم يكن ضمّ زنجبار إجراءً إداريًا لاحقًا، بل جزءًا من منطق تأسيسي للدولة الجديدة، حوّل العنف إلى شرعية، وأعاد كتابة السرد لتبرئة الدولة الأفريقية الحديثة من مسؤولية الإقصاء المؤسِّس.

كينيا وتنزانيا: الحلقة الوسطى السواحلية–البرّية
الاحتواء بدل الحسم.

تمثّل كينيا وتنزانيا حلقة وسطى بين زنجبار والسودان، حيث يظهر الساحل السواحلي، ولا سيما ممباسا، بوصفه امتدادًا لهوية بحرية إسلامية عربية الجذور، تتقاطع مع اختلاطات شمالية رعوية و قبايل ذات أصول صوماليةدون أن تُحسم في عقد مواطنة متكافئ سببه خلافات تقليدية حول الموارد

السودان المُعاق: دولة مُكبَّلة تُنتج الضمّ والإقصاء
الإعاقة البنيوية للدولة.

يمثّل السودان حالة دولة مُعاقَة بنيويًا، لا بسبب نقص الموارد أو التنوّع، بل نتيجة فشل تاريخي متراكم في بناء مفهوم جامع للمواطنة. هذا الفشل لم يكن طارئًا ولا عرضيًا، بل تشكّل عبر تداخل عوامل بنيوية أعادت إنتاج نفسها منذ الاستقلال وحتى اليوم.

أولى هذه العوامل هي المركزية المفرطة، التي ورثت من الدولة الاستعمارية أدوات الحكم والسيطرة، ثم أعادت توظيفها دون تفكيك. فبقيت الدولة تُدار من مركز ضيّق، ينظر إلى الأقاليم بوصفها أطرافًا ملحقة، لا شركاء متكافئين في العقد الوطني.

العامل الثاني هو اختزال الهوية الوطنية في سرديات عروبية أو دينية، جرى تقديمها باعتبارها هوية الدولة ذاتها، لا أحد مكوّناتها. هذا الاختزال أقصى قطاعات واسعة من المجتمع، وحوّل التنوع الثقافي والإثني إلى مصدر شكّ سياسي وأمني بدل أن يكون رصيدًا وطنيًا.

أما العامل الثالث فيتمثّل في التهميش المزمن للأقاليم سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، وهو تهميش لم يكن مجرد نتيجة للفقر أو ضعف التنمية، بل سياسة ممنهجة حافظت على اختلال ميزان السلطة. وفي هذا السياق، لم يكن الضمّ توسّعًا جغرافيًا طبيعيًا، بل ممارسة سياسية قسرية، أُلحقت عبرها أقاليم وشعوب بالدولة إداريًا دون أن تُدمج فعليًا في عقد مواطنة متكافئ.

هكذا تحوّل السودان إلى دولة واسعة الجغرافيا، ضيّقة المواطنة، تُعاد فيها إنتاج أسباب الإقصاء والحرب كلما فشلت محاولات الإصلاح، لأن الخلل لم يكن في إدارة الأزمات، بل في البنية التي تُنتجها.

الدين بين الشبكة والإدارة: من الإسلام التاريخي إلى الإبراهيمية
من التعايش إلى الإدارة الجيوسياسية.

أدّى الإسلام تاريخيًا دور شبكة اجتماعية–جغرافية للتعايش في فضاءات القرن الأفريقي، ربطت بين الجزر والموانئ واليابسة قبل تشكّل الدولة الحديثة. غير أن هذا الدور تغيّر مع صعود الدولة الأيديولوجية والإدارة الجيوسياسية للدين.

في هذا السياق، تبرز الإبراهيمية لا بوصفها مشروعًا روحيًا خالصًا، بل إطارًا سياسيًا لإعادة تنظيم الدين خارج سؤال المواطنة، وتحييده أو توظيفه ضمن ترتيبات إقليمية، دون معالجة جذور الإقصاء.

خاتمة
الدولة لا التنوّع هي المأزق.

تُظهر زنجبار والسودان، ومعهما الحلقة الكينية–التنزانية، أن مأزق أفريقيا المعاصر ليس في التنوّع، بل في الدولة التي عجزت عن تحويل هذا التنوّع إلى مواطنة متساوية، فلجأت إلى الإقصاء أو إلى إدارة الدين بدل إصلاح السياسة. وتؤكد أن أي معالجة مستقبلية لا بد أن تبدأ بإعادة تأسيس عقد المواطنة، لا بإعادة توزيع الهويات أو إدارة الدين خارج السياسة.