Post: #1
Title: لا دولة تُبنى على المقابر: لماذا لا تصنع إبادة الحواضن وطناً؟ كتبه الصادق حمدين
Author: الصادق حمدين
Date: 01-19-2026, 05:45 PM
05:45 PM January, 19 2026 سودانيز اون لاين الصادق حمدين-UK مكتبتى رابط مختصر
دعنا نتجاوز ولو مؤقتاً الجدل الوجودي الذي يلهث حول سؤال من هو السوداني؟ ومن هو ليس بسوداني؟…. ولنتّفق، مجرد اتفاق مرحلي، أن المكوّن البشري الذي يطلق عليه البعض حواضن "ميليشيا الجنجويد" لا يخرج من فراغ جغرافي، فهو في أصله خليط من بشر لهم كيانهم القانوني ضمن الدولة السودانية، بعضهم رعاة إبل، وبعضهم رعاة أبقار، والبعض الآخر مزارعون، ومنهم مواطنين تماهوا مع حياة المدينة، هذه حقيقة بسيطة لا تُنقص من قسوة الأفعال والجرائم، ولا تبرّرها فالجريمة هي الجريمة، لكنها تساعدنا على أن نرى أصل المشكلة كما هي: إنسان على هامش الحياة حمل على ظهره مظالم تاريخية زمناً طويلاً.
ولنتفق أيضا أن أزمة السودان في دارفور ليست ظاهرة عرضية ولا انفجاراً عبثياً للعنصرية أو الوحشية فقط، إنها تعبير نمطيّ عن تراكمات ظلّم طويل طالت وطأته الأرض والحجر والشجر قبل البشر. والظلم بذاته لا يولِّد ثورة كما هو معلوم بالضرورة؛ ذلك أن الشرخ الحقيقي لا يأتي من وجود الظلم فقط، بل من إحساس الناس بثقله ووطأته عندئذٍ يُهتَكُ ستار الخوف والتردد وتصبح نقطة الانطلاق للتمرد قابلة للاشتعال.
فالظلم المقصود هنا ليس ظلماً ناتجاً عن أخطاء بشرية، بل ظلم ممنهج مبني على سياسة الافقار ونهب الموارد، والفساد بشتى أنواعه وصناعة الجهل وذلك بمنع تشييد المدارس وتجفيف أسباب الاستمرارية لما هو موجود منها. وسياسة التجهيل هذه ليست وليدة الأنظمة المركزية الحديثة، بل بدأت منذ حقبة الاستعمار حيث أشاع كبار السياسيون والحزبيون وسط شراتي ودمنقايات ومقاديم وعمد، ومشايخ، ونظّار القبائل في غرب السودان، أن التعليم النظامي حرام شرعاً ويفسد النشء، وشجعوا التعليم الديني المتمثل في الخلاوي، بينما ابتعثوا أولادهم لبلاد المستعمر لتحصيل العلم الحديث. وكانت النتيجة مزارع الجهل التي انتجت جنوداً لتغذية حروب المركز ضد الهوامش.
هكذا تشكّلت الرحلة الثنائية بين العرب والزُرقة، انطلاقاً من سياسة مُمنهجة لإعادة تدوير الظلم وتعميمه، بما أفضى إلى حمل السلاح في مواجهة الدولة. ثم سرعان ما انقلب المشهد إلى حالة من التماهي معها، عبر تجنيد بعض ممّن ينتمون لقبائل العرب وتسليحهم لقتال جيرانهم وشركائهم في الجغرافيا ذاتها. ولم يلبث هذا المسار أن عاد إلى نقطة التمرّد، رافعا شعارات تتقاطع، بل تتطابق، مع شعارات ثورة ديسمبر المجيدة.
وفي مقابل هذه التحولات الدراماتيكية هناك من يصفون هذا المكوّن بالجهل والغوغائية، غير المؤهل لرفع شعارات إنسانية سامية كالحرية والديموقراطية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان، ويُرجِعون سلوكه إلى أجندات خارجية تسعى لبناء "دولة للعطاوة و آل جنيد"، كأنّ الأحلام وحدها يمكنها ان تُشيّد دولاً! الدولة لها مقومات لا تتوفّر بمجموعة من القبائل تقاتل تقلبات الطبيعة من أجل البقاء. الأحلام لا تبني مؤسسات؛ المؤسسات تُبنى بقواعد وأطر ومواطنة وقانون وتنمية مستدامة.
فهل كل من تشكّل منهم "الدعم السريع" هم يقدسون "آل دقلو"، مغفَّلون غافلون يدفعون حياتهم "سنبلة ساكت"؟ لا أظن أن الأمر بهذه البساطة والسطحية، وإن بدا كذلك لمن يفسرون الأمور بظاهرها. وإذا أردنا أن نبني دولة فعلا، فعلينا أن نفكر بمنطق الدولة لا بمنطق "اِكْسَح أمسح ما جيتوا حي" منطق "ابادة حواضنهم" "وقتالهم لآخر متمرد وجنجويدي". منطق الدولة يقول عكس هذا التصور الأناني والإقصائي والغنائمي: لا بد أولاً أن نجيب عن سؤال لماذا؟ قبل أن نتساءل كيف؟
علينا، إذن، أن ندرس أسباب كون البعض صار متعلما بينما صار غيره راعياً يتعلم الحياة من سلوك بهائمه. ندرس أسباب انعدام التنمية. لابدّ من الوقوف على عوامل التهميش والبطالة والحرمان من التعليم والخدمات، وعلى شبكة العلاقات الاجتماعية والثقافية التي تُعيد إنتاج العنف كخيار بائس متاح. حين نفهم الأسباب، لن يكون التصفية المطلقة "للمليشيا" والحواضن حلا عقلانيا أو أخلاقيا فحسب، بل سيكون عملا قصير النظر: إبادة مجموعة بشرية لا تنتزع جذور الظلم، بل تترك أرضاً عصية على الدولة والحياة المدنية التي تنعم بالأمن والأمان.
لا معنى للديموقراطية إذا كانت مقفلة على فئة واحدة من "أصحاب الياقات البيضاء" وأبناء المدن والحضر وحدهم؛ فالحرية والحياة المدنية لا تُحتكر إنما حق للجميع. الحلّ ليس في إقصاء أو إبادة، بل في تحويل شروط الوجود: العدالة في توزيع الموارد، استيعاب أصحاب البنادق في مشروعٍ سياسيّ ومدنيّ مسؤول، برامجٌ تعليمية وتدريبية، وقوانين تعاقب الجريمة وتحمي الضعفاء على حدّ سواء. هناك فرق بين محاسبة المجرم وبناء مجتمع لا يُنتج مجرمين.
المطلوب منا ليس أن نُبرئ أحداً من الدم فالجريمة هي الجريمة لا قبيلة لها، ولا أن نغضّ الطرف عن الفظائع، بل أن نسأل بصدقٍ عن "لماذا" هذا التحوّل العنيف، وأن نعيد تركيب سياساتنا ومؤسساتنا بحيث تمنع ولادة ميليشيات جديدة من رحم الإهمال. العنف علامة على فشل مركزيٍّ في إدارة المجتمع، ولا وليس بالإمكان القضاء عليه بالقمع وحده، بل بالمعالجة الشاملة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً تلك المعالجات الحضارية التي تضمن أن لا يتحول ألم الناس يوماً إلى سلاح يمزّق ما تبقّى من وطن أسخنته جراح النزاعات.
الصادق حمدين
Sent from Outlook for iOS
|
|