كسر التوغّل المصري في السودان- معركة الوعي قبل السياسة#

كسر التوغّل المصري في السودان- معركة الوعي قبل السياسة#


01-19-2026, 04:05 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1768795502&rn=0


Post: #1
Title: كسر التوغّل المصري في السودان- معركة الوعي قبل السياسة#
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 01-19-2026, 04:05 AM

04:05 AM January, 18 2026

سودانيز اون لاين
زهير ابو الزهراء-السودان
مكتبتى
رابط مختصر





ليس أخطر ما يواجه السودان اليوم هو التدخل الخارجي، بل اعتيادنا عليه
.
فالنفوذ الذي ينجح في تقديم نفسه كأمر “طبيعي” و”منطقي” يتجاوز كونه مشكلة سياسية، ليصبح أزمة وعي. ومن هنا، فإن التوغّل المصري في السودان لا يمكن فهمه فقط عبر البيانات والمواقف، بل عبر السؤال الأعمق
كيف تشكّلت الطريقة التي نفكر بها في علاقتنا مع مصر؟

هذا مقال لا يناقش السياسة بمعناها الضيق، بل يحاول الاقتراب من الجذر الفكري للمسألة- الهيمنة حين تتحول إلى طريقة تفكير.
حين لا تبدو الهيمنة هيمنة
يقول المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي إن أخطر أشكال السيطرة ليست تلك التي تُفرض بالقوة، بل التي تُمارَس بالقبول. أي حين يتبنى الطرف الأضعف رؤية الطرف الأقوى للعالم، ويعتبرها بديهية لا تحتاج إلى نقاش

في العلاقة السودانية–المصرية، كثيراً ما تُقدَّم الرؤية المصرية باعتبارها-

الأكثر واقعية،الأكثر خبرة، والأقدر على “فهم تعقيدات السودان”.

المشكلة هنا ليست في طرح الرؤية، بل في تحولها إلى المرجع الوحيد المقبول
حين تصبح زاوية واحدة هي “العقلانية”، وكل ما عداها يوصف بالمغامرة أو السذاجة، نكون أمام هيمنة ناعمة لا تحتاج إلى ضغط مباشر

من استعمار الأرض إلى استعمار العقل
فرانز فانون، أحد أبرز مفكري ما بعد الاستعمار، حذّر من لحظة أخطر من الاحتلال نفسه ,و لحظة أن يبدأ المستعمَر في رؤية نفسه بعين المستعمِر. عندها يتحول الاستعمار من قوة خارجية إلى حالة داخلية

في السياق السوداني، يظهر هذا الاستعمار الداخلي في صور غير صريحة

حين نستعير مفاهيم جاهزة لتفسير أزماتنا، حين ننتظر الاعتراف من “الأخ الأكبر”، أو حين نعرّف أمننا ومصالحنا بعيون غيرنا

فكرة أن السودان “عمق إستراتيجي” لدولة أخرى لا تصبح خطيرة حين تُقال فقط، بل حين تُستعاد محلياً دون مساءلة، وتتحول إلى مسلّمة تُقيّد التفكير المستقل
المعرفة ليست بريئة دائماً
يذكّرنا إدوارد سعيد بأن المعرفة قد تكون أداة هيمنة
في كتابه الاستشراق، أوضح كيف أن وصف الآخر، وشرح تاريخه، وتحليل واقعه، ليست أفعالاً محايدة، بل مرتبطة بالقوة
حين يُكتب تاريخ السودان، أو تُفسَّر أزماته، أو يُتحدث باسمه في المحافل الدولية من خارج تجربته، يصبح السودان حاضراً بلا صوت. وهذا شكل خطير من التوغّل: أن تُدار صورتك، وتُحدَّد مصالحك، دون أن تكون صاحب الكلمة الأولى.

وكسر هذه الحلقة لا يعني الانغلاق أو رفض التعاون، بل يعني استعادة حق التسمية ,أن نعرّف أنفسنا، ومشاكلنا، وحلولنا بلغتنا ومن زاوية تجربتنا
الهوية وسؤال أُسيء استخدامه
من أكثر الأسئلة خداعاً في العلاقة السودانية–المصرية سؤال الهوية
هل أنتم عرب؟ أفارقة؟ أقرب لمن؟
هذا السؤال لا يُطرح بدافع الفضول، بل يُستخدم أحياناً كميزان تفاضل، يضع مركز الهوية في الخارج، ويدفع السودان إلى موقع الدفاع الدائم
لكن الهوية، في جوهرها، ليست شهادة انتماء تُمنح، بل تجربة تُعاش
السودان بتعدده الثقافي ليس حالة ناقصة تبحث عن اكتمال، بل كيان كامل بتناقضاته
التحرر يبدأ حين نتوقف عن طلب الاعتراف، ونبدأ في تعريف أنفسنا من داخل تجربتنا التاريخية
من منطق الوصاية إلى معنى الندية
الخطاب الذي يتخفى في لغة “الأخوّة” قد يكون أكثر خطورة من الخطاب العدائي
ففكرة “الأخ الأكبر” تحمل في داخلها تراتبية صامتة طرف يعرف أكثر، ويرى أبعد، ويقرر أفضل
البديل ليس القطيعة، بل الندية
والندية هنا ليست شعاراً سياسياً، بل موقفاً ذهنياً و أن يرى السودان نفسه قادراً على إنتاج المعنى، لا مجرد استهلاكه أو ترجمته
المعركة على المعنى
كسر التوغّل المصري في السودان لا يبدأ بإلغاء اتفاق، ولا بتغيير خطاب رسمي، بل بتحرير العقل من البداهات المفروضة
حين يستعيد السوداني حقه في السؤال، وفي الشك، وفي تعريف ذاته خارج ظل أي مركز خارجي، يصبح التوغّل مكلفاً، والهيمنة صعبة، والوصاية غير مقبولة
فالأوطان لا تُستباح فقط حين تُهزم سياسياً،بل حين تتوقف عن التفكير بنفسها

ومن هنا، فإن معركة السودان الحقيقية هي معركة على الوعي… وهي معركة لا تُخاض إلا بالفكر.