سيرة المدينة: في كتاب مرايا ساحلية لأمير تاج السر كتبه د. محمد عبد الله الحسين

سيرة المدينة: في كتاب مرايا ساحلية لأمير تاج السر كتبه د. محمد عبد الله الحسين


01-19-2026, 00:05 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1768781154&rn=0


Post: #1
Title: سيرة المدينة: في كتاب مرايا ساحلية لأمير تاج السر كتبه د. محمد عبد الله الحسين
Author: د.محمد عبدالله الحسين
Date: 01-19-2026, 00:05 AM

00:05 AM January, 18 2026

سودانيز اون لاين
د.محمد عبدالله الحسين-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



سيرة المدينة: في كتاب "مرايا ساحلية "

لأمير تاج السر


مقدمة:

هذه قراءة للمدينة من خلال كتاب الروائي والكاتب أمير تاج السر، الصادر من دار ‏العين بالقاهرة في عام2011 بعنوان: "مرايا ساحلية: سيرة مبكِّرة". كتاب "مرايا ساحلية" عبارة عن ذكريات المؤلف خلال فترة سنواته المبكِّرة في ساحل البحر الأحمر في منطقة شرق السودان.

دائما ما تكون السيرة الذاتية تعبّر بشكل أو بآخر عن التأثير ‏الميتافيزيقي ‏والعاطفي والنفسي للزمن وللمكان والشخوص في النفس. فهي بالتالي نوستالجيا لزمنٍ جميل أو لمكان أثير أو ذكريات لأشخاص تواروا وتفاصيل ترسخت بعمق في نفس الكاتب السيرة. وتكون السيرة أيضا بكائية لزمن مضى وأيام تسربت من الأيادي في غفلة من الزمان. وتجيء كتابة السيرة دائما كالتزام يحمله الكاتب تجاه أمكنة وأشخاص احتلوا مكانا أثيرا في الذاكرة وفي الوجدان. وهي بذلك عبارة عن وعي وشجن وجودي ورؤية فلسفية تجاه سطوة الزمن، ومحاولة استبقائه كنزوع بشري فطري وقديم نحو الخلود السرمدي. بالتالي تبدو كتابة السيرة كأنها ضد منطق الوجود، بابتداع خط معاكس لسيرورة الزمن الفيزيقي. ودائما يقف الزمن كصخرة عصية أمام الشعراء فلم يكن الزمن بعيدا عن أمل دنقل في قصائد "أوراق الغرفة 8"، حيث ‏ يصف اللون الأسود كأنه "تميمة ضد الزمن" :( لأنَّ السوادْ..هو لونُ النجاة من الموتِ، لونُ التميمةِ ضدّ الزمنْ, وكذلك مخاطبة صلاح عبد الصبور لحبيبته التي لم تكبر "كأنما كبرتِ خارج الزمان". لذلك ليس غريبا ان تجيء كتابات السيرة تفيض بأحاسيسَ ومشاعر ملؤها الحنين، والشجن و‏النزوع العاطفي للماضي أي ضد الزمن.

كتاب مرايا ساحلية:

عندما تتصفح كتاب مرايا ساحلية يقفز إلى السطح وصف "شعرية أو جمالية المكان" لجاستون باشلار وهو يصف الأثر السحري لذكريات الماضي من أمكنة وأشخاص في الذاكرة والخاطر وما تبعثه في النفس من شجن مضمغ بالنوستالجيا.

يستبطن عنوان الكتاب إشارات ودلالات ذات معنى. فكلمة (مرايا) ‏الواردة في الجزء الأول من العنوان ‏تحمل معنى الانعكاس (انعكاس الملامح مثلاً)، حيث ‏تتضمن معنى التأثير المتبادل بين الأصل والصورة، أو بين المكان/الزمان والإنسان. بالإضافة لما تقدم يستبطن العنوان ‏ إشارات دلالية تحمل ‏معاني الانتماء والنزوع والهوية.‏‎

بالتالي لا تخرج هذه السيرة عن مفهوم الزمن والماضي وارتباطهما بالحزن والفرح، حيث يقول الكاتب ‎في بداية السيرة: ( ‎كثير هو ‏الفرح، كثير هو الحزن، أخوان عدوان يسكنان حياة ‏واحدة… يتناوبان دفء المشاعر). كما يوضح بعضاً من دوافعه لكتابة ‏الكتاب وهي ( ‏لكي يحرر ذكرياته معهم من حبل معقود بشدة). فالسيرة إذن بالنسبة له عبء والتزام. ‏‎

يقوم كاتب السيرة هنا بدور الراوي وهو بالتالي الشاهد الوحيد على تفاصيل ما يحكيه. وهنا يعطي وجود الصوت الوحيد‏‏ للسارد دليلا يعطي الوصف المُقدَّم مصداقيته، وأيضا يُشرِك القارئ فيما يصفه ويجعل منه شاهدا آخر. تميزت لغة السرد وصف الأمكنة والشخوص بالعبارات الشعرية بالغة التكثيف والاحتشاد العاطفي المعبِّر عن الحنين وروح الانتماء. بشكل عام لم يكن أسلوب السيرة وفق التسلسل الزمني المتعارف عليه في السرد بل جاء في صورة مقاطع حكائية مستقلة، ‏كأنك تتصفح البوماً من الصور.

‏ المدينة:

احتل وصف المدينة والأمكنة حيزا كبيرا من السيرة لا يقل عن وصف الشخوص، بل هما مرتبطان سواء بسواء. لم تفلت من ذاكرة الكاتب الراصدة أوصاف ‏البيوت والأحياء والشوارع. فقد احتشدت السيرة ‏بوصف دقيق و للمدينة يشمل: المساكن، و‏السكان، والشوارع، والساحات ..إلخ. كما نراه يصف الأماكن والشوارع بشكل ‏يكاد يجعلها ‏كائن حي له ملامح وأدوار وأحباء ومريدين. ‏‎

تتضمن السيرة وصفا لتجوِّلٍ متأنٍ في أنحاء المدينة ومعالمها. حيث تتضمن الجولة عرضا لتفاصيل أشخاص ووقائع وأماكن ‏حفرت عميقاً في ذاكرة ووجدان ‏الكاتب. يشبه وصف المدينة في كثير من تفاصيلها حميميا لذلك جاء دقيقا يشابه الوصف الانثروبولوجي للمدينة أو تشريح المدينةAnatomy of the city

فينقلنا معه من بيت إلى بيت ومن عائلة إلى ‏أخرى واصفاً البيوت ‏بتفاصيلها التي لم تنفك من أسر الذاكرة.

ومن خلال قراءة تفاصيل السيرة تحس كأن روح الكاتب ترفرف فوق سماء المدينة في جولة تعريفية للمدينة. والمدينة هنا ليست هي البحر أو ‏الشوارع والبيوت فقط ولكنها الكائن الحي المتفاعل والمترابط. والمدينة هي الفضاء الذي يتشارك فيه الناس ويتفاعلون في ‏الأفراح والأحزان وفي تفاصيل الحياة اليومية.

‏( كانت للشوارع وظائفها الاجتماعية ……كان شارع المستشفى هو شارع الشراء ‏الشعبي. شارع المحطة هو شارع ‏الاستعجال والسفر‎. ‎شارع السينما …هو شارع ‏الترفيه. شارع البحر …هو شارع النزهات البريئة. و شارع المدارس.. هو ‏شارع ‏الحب).

يبدو وصف المدينة وكأنه تشريح وتقسيم للمدينة ليس عمرانيا أو جغرافيا فقط بل أيضاً تقسيماً عاطفياً ونفسياً واجتماعيا، مما يشي بأن المدينة و ‏تفاصيلها قد حفرت عميقاً في ‏الذاكرة: ‏ميدان المولد، دكاكين السوق، السينما، ‏حي الثورة، حي العظمة، حي السكة حديد، حي ‏جابر. ثم يواصل: استديو العروسة ‏‏(الذي شهد التقاط أول صورة ‏فوتوغرافية له)، محل ثلاجة الأعيسر لبيع الثلج، ‏مقهى ‏رامونا. وكذلك الأحياء: حي الثورة-حي العظمة حي السكة حديد حي ‏جابر …إلخ ‏ ‏.

المكان في هذه السيرة ليس محايداً ولا جامداً بل يتماهى مع ‏البشر الذين ‏يعيشون فيه والذين يرتبط بهم كاتب السيرة في ألفة وحنين وحيث يكتسب المكان ‏جماله وشاعريته من البشر ‏الذين يعيشون فيه (الآن ألمس أهل المدينة؟ أشمهم، ‏يمسكون بعطر الكتابة، يودون لو خرجوا في العطر). وهكذا يندمج البشر والمكان ليكونا ‏عطر المدينة الذي يملا الوجدان وينعش الذاكرة.

ينتقل المؤلف بعد ذلك لوصف مكونات المدينة بدقة لا تغفل التفاصيل عند ما يصف الأشخاص، المندمجون في ذاكرته مع تفاصيل المدينة، وهم ممن يسميهم أهل الجوار ‏(…أعود إلى أهل الجوار…. ) يقول الكاتب: ‏هو جوار واسع ممتد. وتجيء ‏كلمة الجوار بوقع يشي بحميمية تتخطى حاجز الزمن. وهي مشاعر وأحاسيس محفورة في الوجدان وهو بكتابة هذه السيرة يتحرر من قيد والتزام، كما قال الكاتب ( لكي يحرر ذكرياته معهم من حبل معقود بشدة).‏إذن هذه السيرة ليست انفعال وجداني مؤقّت ولكنها التزام أخلاقي في المقام الأول نحو ‏المدينة ومكوناتها و رموزها و‏بشرها و شوارعها وساحاتها وسوقها ‎.

و يستمر الانثيال الوجداني:(ما ‏زال تذوقي وهو ينبش ‏في أطباق الحضر بيتزا وهامبورجر واسبغيتي… يحن إى ‏ذلك الطعم النادر لفول(الدبُل) و فلافل (ديجانقو) و‏سندوتشات الكبدة والكلاوي المتربة ‏في نادي الرماية).‏‎

‎ حتى المستشفى لا تفلت من الذاكرة: إطلالة على المستشفى (باب الطوارئ)( ‏‏…ذلك الباب الهستيري الذي ‏يدخل منه الناس يولولون تتلقفهم الأيدي والمعاطف ‏البيضاء والحقن المهدئة ومحاليل الدم…) ثم وصف المولد وطقوسه و‏الاحتفالات ‏الموسمية. الشوارع دكاكين الجزارين- شاطيء النزهة الميناء مدرسته(المدرسة ‏الشرقية)………و هكذا تجوس ‏السيرة في كل أنحاء المدينة.‏‎

وتتوالى تفاصيل المدينة وكأنه يصف زيارة افتراضية ( …أريد أن أعبر ذلك الطريق ‏بمحاذاة ‏السينما،…أُحيّ ذلك البيت القائم بمفرده،….القابض على أربعة شوارع ‏‏…ناعم، وممتد، ومورَّد الحيطان…. في ذلك البيت ‏كانت ثمة أيام خوالي، ….وثمة ‏بهجة تستحق التحية…).

خاتمة:

في هذه السيرة صورة لأنثروبولوجيا المدينة وإنسانها في تفاعل وتناغم حيث لا تنفصل المدينة بشوارعها وأبنيتها وساحاتها عن الناس بل ترتبطان برباط حميمي سجل تفاصيله ذاكرة المؤلف.

المدينة في هذه السيرة تمثل فضاء أنثروبولوجياً تتجسد فيه معاني الترابط بين المدينة وإنسان المدينة لتكون شخصية المدينة وعطرها الذي نفذ إلى الذاكرة منذ بواكير العمر. فالمدينة هنا بأبعادها وتفاصيلها وإنسانها ليست فضاءً جامدا ولا أمكنة منفصلة بل يمثلان وحدة واحدة مندمجة ومترابطة. والمدينة هنا بحميميتها ليست كالمدينة المعاصرة التي وصفها مارك أوجيه حيث (اللاتاريخ) و(اللامكان) والتي لا تلتصق أبنيتها ومحلاتها التجارية وشوارعها في ذاكرة إنسانها إلا في زمن لحظي عابر كما وصفها مارك أوجيه.

[email protected]