الأمن المائي والسياسة الإقليمية: كيف تعيد التحركات الأميركية ترتيب ملف سدّ النهضة ومسار السودان الم

الأمن المائي والسياسة الإقليمية: كيف تعيد التحركات الأميركية ترتيب ملف سدّ النهضة ومسار السودان الم


01-18-2026, 12:22 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1768738927&rn=0


Post: #1
Title: الأمن المائي والسياسة الإقليمية: كيف تعيد التحركات الأميركية ترتيب ملف سدّ النهضة ومسار السودان الم
Author: أواب عزام البوشي
Date: 01-18-2026, 12:22 PM

12:22 PM January, 18 2026

سودانيز اون لاين
أواب عزام البوشي-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر



الأمن المائي والسياسة الإقليمية: كيف تعيد التحركات الأميركية ترتيب ملف سدّ النهضة ومسار السودان المدني

أواب عزام البوشي

في عمق الأزمة السودانية، لا تكمن التحديات فقط في السلاح والصراع على السلطة، بل في الملفات الاستراتيجية التي تتشابك بين السياسة الداخلية والإقليمية، ويأتي على رأسها ملف مياه النيل وسدّ النهضة. وما أظهرته رسالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مؤخراً هو إدراك واشنطن العميق لدور هذه الملفات في تشكيل مسار السلام ومستقبل الدولة المدنية في السودان.

ترامب أعلن استعداد الولايات المتحدة لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا بهدف التوصل إلى حل نهائي وعادل لأزمة تقاسم مياه النيل، مؤكداً أن أي سيطرة أحادية على الموارد الحيوية للنهر قد تضر بمصالح جيرانها. لكن الرسالة لم تكن مجرد اهتمام بمياه النيل، بل محاولة ذكية لمعالجة أحد أكبر العقبات أمام التوصل إلى تسوية سلمية في السودان : مخاوف القاهرة من قيام حكومة مدنية سودانية قادرة على المطالبة بحصتها من النهر وإعادة ترتيب أولوياتها الوطنية.

هذه المخاوف المصرية ليست مفاجئة؛ فالسودان المدني يمثل تحولاً حقيقياً في التوازنات الإقليمية. حكومة مدنية مستقرة ستعيد الخرطوم إلى مفاوضات النيل، وستكون فاعلة في إدارة مواردها وسيادتها، ولن تُترك كما كان الحال في ظل الفوضى أو الحرب. ومن هذا المنطلق، يصبح تعطيل التفاوض أو تباطؤه انعكاساً لمخاوف ما بعد الحرب، وليس مجرد خلاف على السلطة الانتقالية أو الصراع على الأرض.

التحرك الأميركي يأتي في توقيت حاسم: فتح النقاش مع الدولة الأكثر تأثيراً على مسار التفاوض، أي مصر، بهدف طمأنة المخاوف المائية والإقليمية، وهو ما يمهّد الطريق أمام دفع الملفات الأخرى، وعلى رأسها تسوية النزاع في السودان. المقترح الأميركي يشمل الدعم الفني والتنسيقي، بما يضمن تصريفات مائية منتظمة لصالح مصر والسودان، وفي الوقت ذاته تمكين إثيوبيا من توليد الكهرباء بكفاءة، مع إمكانية بيع جزء منها أو مشاركته.

في هذا السياق، يمكن القول إن مياه النيل أصبحت أكثر من مجرد مورد طبيعي؛ إنها أداة دبلوماسية وحافز سياسي. التعامل الأميركي معها ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لفك عقدة الخوف الإقليمي وتهيئة الظروف أمام مسار تفاوضي أكثر جدية. كلما طمأنت الأطراف الإقليمية، ارتفعت فرص التوصل إلى تسوية سياسية حقيقية في السودان، وأصبحت الدولة المدنية أكثر قدرة على استعادة دورها الطبيعي.

في النهاية، يشير هذا التحليل إلى حقيقة أساسية: السلام في السودان لا يبدأ دائماً من ساحات القتال، بل من غرف السياسة والمفاوضات حيث تُناقش المخاوف قبل المصالح. التحركات الأميركية حول سدّ النهضة ليست محاولة لإعادة صياغة حصص المياه، بل استراتيجية مدروسة لإنجاح مسار الدولة المدنية في السودان، وخلق بيئة إقليمية أكثر استقراراً، تضمن أن يكون للنيل دوره كعامل استقرار لا كأداة لتعطيل التفاوض.