الجميلة ومستحيلة: من الجهاد الأكبر (عودة من براثن الجنجويد) إلى الجهاد الأصغر (قحاطة-كيزان) (1-2)

الجميلة ومستحيلة: من الجهاد الأكبر (عودة من براثن الجنجويد) إلى الجهاد الأصغر (قحاطة-كيزان) (1-2)


01-18-2026, 12:20 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1768738857&rn=0


Post: #1
Title: الجميلة ومستحيلة: من الجهاد الأكبر (عودة من براثن الجنجويد) إلى الجهاد الأصغر (قحاطة-كيزان) (1-2)
Author: عبدالله علي إبراهيم
Date: 01-18-2026, 12:20 PM

12:20 PM January, 18 2026

سودانيز اون لاين
عبدالله علي إبراهيم-Missouri-USA
مكتبتى
رابط مختصر



الجميلة ومستحيلة: من الجهاد الأكبر (عودة من براثن الجنجويد) إلى الجهاد الأصغر (قحاطة-كيزان)
(1-2)
عبد الله علي إبراهيم
ملخص
(من الغلو السياسي، بل اللغو، المطابقة بين جامعة الخرطوم والإنقاذ حذو النعل بالنعل كما في أدبيات الحملة الثأرية على الإنقاذ بعد استقالة د. عبد الرحمن ع رباح من عمادة الشؤون العلمية بالجامعة. فهي هي والعكس صحيح. وهذا طريق قصير للتهوين من المؤسسات المهنية بتصويرها على أنها عالة على النظام السياسي لا إرادة لها بغيره. وهذا بخلاف ما جاء عند الباحث الأطول باعاً في دراسة دولة الإنقاذ الإسلامية الدكتور عبدالله جلاب الذي قال إن المؤسسة البيروقراطية والمهنية لم تستسلم بالكلية للإنقاذ واعتصمت بمهنيتها الجريحة).
بدأ الإعلان عن بدء الموسم الجديد لجامعة الخرطوم بعد الحرب بفيديوهات تبشر عن ميلادها الثاني، وظهر في واحد منها ضلعا مثلث من الطلاب البنات فيه على اليمين والأولاد على اليسار. وينادي صوت من وسطهم:
واحد، اثنين، كلكم: جامعة
فيصهل الطلاب من بعده: الخرطوم.
- لا لا لا ما حلوة تاني (ضحك من الجميع):
-واحد اثنين كلكم، جامعة
(الجميع) الخرطوم
وضحكوا وتفرقوا
جامعة الخرطوم وكفى. أو "الجميلة ومستحيلة" كما هم يدعونها لعتقها (1902) وشروط دخولها المستحيلة. والاسم مستفاد من أغنية للموسيقار محمد وردي:
يا جميلة ومستحيلة
انت دايماً زي سحابة الريح تعجل برحيلها
عيوني في الدمعات وحيلة
اسمحيلها تشوف عيونك اسمحيلها
ثم صارت الجامعة في عين العاصفة بعد أيام من ذلك التدشين المستبشر بعام دراسي حفي. ففي أعقاب التدشين استقال الدكتور علي عبدالرحمن رباح أستاذ الهندسة من منصبه كأمين للشؤون العلمية برسالة منشورة على الملأ حرصاً منه، في قوله، على القوام الأكاديمي للجامعة وشهاداتها من أخطار جاءتها من:
تسلل طرف ثالث غير مشروع إلى سجل الجامعة بالتعليم العالي.
التراجع عن مسار التحول الرقمي وإيقاف مشروع الشهادات الإلكترونية.
السكوت عن محاولة تزوير الشهادات الأكاديمية.
لا يعرف المرء إن كانت قضية رباح في الحفاظ المر على قوام شهادة جامعته مما انشغل به الناس بعد ذيوع الخبر. فسرعان ما صارت الاستقالة مجرد زيت انصب على نار الناشطية السياسية في مناخ الاستقطاب السياسي حول الثورة والحرب بين "البلابسة"، وهم من يدعون إلى "بل" (حرب) الجنجويد حتى يستسلموا صاغرين، وبين "القحاطة" الذين يدعون إلى وقف الحرب كيفما اتفق. فخرجت من "البلابسة"، ممن عدوا حيثيات الاستقالة طعناً في حكومة الفريق ركن عبدالفتاح البرهان والقوات المسلحة، وثيقة أظهرت اسم رباح ضمن طاقم من خريجي الجامعات زعموا أن قوات "الدعم السريع" كانت تريد الاستعانة بهم إذا نجح انقلابه على القوات المسلحة وصارت في سدة الحكم. ولم يزد عليها أهلها شيئاً من جهة تثبيتها بعد إشهارها.
ووقعت استقالة رباح "باردة" بالطبع لـ"القحاطة" الذين ما كفوا عن إذاعة أن الفساد ضارب أطنابه في حكومة "الأمر الواقع" ببورتسودان سليلة دولة الإنقاذ (1989-2019). فتكاثرت ناشطيتهم حول الاستقالة، فتتالت البيانات المناصرة لرباح في وقفته ضد تزوير شهادات الجامعة من كل من "لجان العصيان المدني" و"تجمع تصحيح النقابات واستعادتها". فدعا الأمين العام للحركة الوطنية للبناء والتنمية قاسم الظافر "إلى الكشف عن التلاعب بأنظمة التعليم العالي والجامعات السودانية". وبالطبع يصعب التحقق من زعم وجود هذه المنظمات، أو تأثيرها، أو أنها ليست سوى منصات تختطف اسماً ذا رنين في مثل "لجان العصيان المدني" أو "لجان المقاومة" وتهرول به إلى أغراضها لا تلوي على شيء.
ولم يتحرَّ رباح مساقط استقالته في بيئة يكفي عن شراسة استقطابها أنها تخوض حرباً عواناً لأكثر من ألف يوم حتى تاريخه. فوقعت استقالة رباح "من السماء" لجماعة هم في "الدور الثاني" من معارضة دولة الإنقاذ التي مقاليد الأمور، في زعمهم، بيدها في يومنا كما في أمسنا ما تغير شيء. فلم يطالعوا الاستقالة في حيثياتها في حد ذاتها، بل كدليل آخر على ما عرفوه أبداً عن مباذل الإنقاذ في التعليم العالي منذ جاءت إلى سدة الحكم. فنفض كتاب من هذه الجماعة الغبار عن مقالة قديمة بلا تاريخ لهم في الكشف عن هذه المباذل. فكتب عبدالعزيز أبو عاقلة أن التعليم عند الإنقاذ هو إخضاع المعرفة نفسها لمنطق الأيديولوجيا الصماء. فـ"ثورتها التعليمية المزعومة" كانت أدلجة للتعليم لمنع الجامعة من أن تكون فضاءً حراً، بل ميداناً لإعادة إنتاج الطاعة. فحتى تعريبها المرتجل للتعليم جعل اللغة أداة ضبط لا معرفة. فالتمكن الذي سعت إليه الإنقاذ لا يكتمل بالقوة وحدها، بل بإعادة تشكيل الوعي عبر المؤسسات التي تبدو محايدة مثل الجامعة. فاستقالة رباح كما هي عند أبو عاقلة تحصيل حاصل. فما اشتكى منه داء وبيل وقديم.
أما تزوير الشهادات، موضوع شكوى رباح، فهو قديم قدم الإنقاذ في رأي القانوني سيف الدولة حمدنا الله. فالحصول على الشهادة لطلاب جامعاتها من العالم العربي، ممن لم يجتازوا التوجيهية في بلادهم، في يسر الحصول على رخصة القيادة. فجعلت هذه الجامعات من منح شهاداتها حتى تلك التي فوق الجامعية "خدمة توصيل منزلي". واسترجع نقداً مأثوراً لتوسع الإنقاذ في التعليم الجامعي بغير اعتبار للممكنات مثل توفير المكتبة والمعامل والأستاذ المؤهل مما أرخص بقيمة التعليم العالي. وهكذا فلا جديد نتعلمه من استقالة رباح وكأنه ثاب إلى رشده من المعلوم بالضرورة عن الإنقاذ.
واتفق كثير من الكتاب على أن بيان استقالة رباح مبهم حتى وصفه زميله في الجامعة دكتور عصمت محمود بـ"الغموض غير الخلاق". وحتى الدكتور محمد الأمين التوم، الذي سنراه نصيراً له بلا حدود، أخذ عليه خلو استقالته من التفصيل في أسبابها. وانفتحت جراء غموضها أبواب الشيطان في الـتأويل بخاصة في قوله "وصول طرف ثالث غير مشروع إلى سجل الجامعة بالتعليم العالي". فقيل إنها ربما شركات التحقق المعروفة بخدماتها للمخدمين وغيرهم في ميدان التثبت من الشهادات. فلو أوحى ذلك بأن تلك الشركات ضالعة في التزوير من سدة الوزارة فلا صدقية لذلك لأن الوزارة كانت حظرت شغل هذه الشركات في اختصاصها.
أما ما لا خلاف عليه بين من وقعت لهم استقالة رباح من "سماء السياسة"، فهو أن هذا الطرف الثالث هو "الكيزان" لا محالة، بل أضل. فقال الداعية ورئيس حزب الوسط الإسلامي الدكتور يوسف الكودة إن هذا الطرف هو جهاز الأمن مما وضح له عن تجربة شخصية له على عهد الإنقاذ، فالأمن في قوله كان "ساكن سكنة في الجامعات" بفضل الإنقاذ.
ولما غلب التسيس على الخطاب حول استقالة رباح، راح بين الأرجل بيان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووثائقه الملحقة في الرد عليه. فجاء البيان، اتفقت معه أو لم تتفق، بتعيين وجوه الخصومة بين الوزارة وجامعة الخرطوم والجامعات الكبيرة الأخرى بما ينأى بنا عن الهرج الذي استثارته الاستقالة كما تقدم.
ونواصل