Post: #1
Title: ثورة زنجبار 1964: هل العرب مواطنون في أفريقيا أم مستوطنون؟ كتبه عبد الله علي إبراهيم
Author: عبدالله علي إبراهيم
Date: 01-18-2026, 12:19 PM
12:19 PM January, 18 2026 سودانيز اون لاين عبدالله علي إبراهيم-Missouri-USA مكتبتى رابط مختصر
ثورة زنجبار 1964: هل العرب مواطنون في أفريقيا أم مستوطنون؟
مندكورات (جلابة، شماليون) دا يمشي سعودية بس
كان من بين ما يشيع القوميون الجنوبيون جهراً أن السودان ليس مكاناً لعربه وأنهم لا محالة عائدين على "السعودية" من حيث أتوا. ولهذه الذائعة تظليل آخر وهو قولهم إنهم سيغادرون السودان كما غادر العرب الأندلس. وحفزتني عبارتهم تلك لأبحث عن زنجبار وثورتها في 1964. وهي الثورة التي احتفلنا بها ساعة قيامها لمصلحها الماركسي التحرري ضد السلطنة العربية الرجعية في الجزيرة. وفي بحثي عثرت بمقتلة العرب الشنعاء على العرق خلال تلك الثورة مما هو "جنوسايد" لم يتفق لعلم الإبادة الجماعية اعتماده في سجلاتها بعد. ولي مقال في الإنجليزية عن وجوب تدشين جنوسايد زنجبار في سجل هذه الجريمة. وتلك المقتلة التي أرادت استئصال العرب من زنجبار لم تكن ما تمناه القوميون الجنوبيون لعرب السودان فحسب، بل ما ارتكبوه بحقهم لثلاث مرات: في "تمرد" 1955، وفي "الأحد الأسود" في 6 ديسمبر 1964، وبعد مقتل العقيد جون قرنق في 2005.
ساقني هذا الشاغل عن استئصال العرب إلى مباحث عن زنجبار خلصت فيها إلى مقالات باللغة الإنجليزية وإلى كتاب في العربية عنوانه "ثورة زنجبار 1964: هل العرب مواطنون في أفريقيا أم مستوطنون؟" (المصورات 2016). تحريت فيه مذبحة العرب في زنجبار وذيولها على بينة من دعوى القومية الزنجية (nativist) التي ترى أن الأفريقي هوية قاصرة على الزنوجي الروحاني وكل من عداه متطفل لا مكان له من الإعراب في أفريقيا.
ثورة أم غزو؟
وخلال بحثي عرفت أن ثورة زنجبار في واقع الأمر لم ينهض بها أهل زنجبار، بل أفارقة من البر من مثل تنجانيقا. وكان على قيادتها اليوغندي الفيلد مارشال (مزاعم) جون أوكيلو. فزنجبار نعمت تحت السلطنة بسماحة بين الأعراق طالما الجميع مسلمون برغم خلافاتهم السياسة ولم تكن لتنتج مثل تلك الثورة والجنوسايد. وهكذا لم تكن الثورة في 1964 وطنية زنجبارية في المعني المعروف للوطن-الأمة ككيان لشعب ذي سيادة على رقعة جغرافية. وعليه ربما كان وصف تلك الثورة الأقرب لواقعها هو أنها "غزوة"[1] للجزيرة من البر الأفريقي استعاد بها قطعة منه سادها المستوطنون العرب والهنود وغيرهم. ولم يأل الجبار أوكيلو حرصاً أن تكون عصبته العسكرية للثورة خالصة من أهل بر أفريقيا. وكان اعتقاده أن أفارقة زنجبار ممن لا يوثق فيهم لرابطتهم الوثيقة بالعرب، بل لقرابتهم بهم، فيمكن لهم أن يكونوا جواسيس يفسدون التآمر. وبذلك لم تكن الثورة إحساناً لأفارقة زنجبار فحسب، بل إنهم فوجئوا بها. فصناعها لم يستأذنوا أصحاب المصلحة الحقيقة للقيام بها. فلم يعلم رموز المعارضة الزنجبارية بخبرها ناهيك عن تنظيمها.
الفيلد مارشال: الغريب الزنيم
جون أوكيلو أوغندي الأصل هجر التعليم في بدئه بالصف الرابع الابتدائي بسبب وفاة والديه. ثم تقلبت به المهن وترحل في البلاد حتى بلغ زنجبار عبر كينيا في 1959. وأحتك في كينيا بالحركة الوطنية على أشدها خلال خمسينات حركة الماو ماو بعنفها هي نفسها وعنف الإنجليز المضاد الفظيع في كسر شوكتها. وكان شديد الاعتقاد بأن زنجبار أفريقية أعطاها لهم الله القوي، ولكن تهافت عليها البرتغاليون وبعدهم العرب بدعم من الإنجليز. وسيذهب الإنجليز، ولكن العرب يدعون أن الجزيرة لهم إلى قيام الساعة[2].
وانعقدت لأوكيلو خلال هذه الرحلة مهمة "المخلص" للأفارقة من نير الاستعمار الغربي والرق العربي عبر رسائل من رؤى انتابته في نومه. وبداية تلك الرؤى ما طرأ له في ممباسا. وكان أحد العرب أحسن إليه بموضع للمبيت ذات ليلة، ولكن حذره من الشخير. وأردف تحذيره بقوله له: "يا عبد" كما مر. وحلم ليلتها بمن قال له إنك ستعبر إلى جزيرة بالمحيط الهندي ونبهه إلى أن يحذر لأنه سيعاني الأمرين على يد أجانب[3]. وعاودته الأحلام وهو يستشفى في مركز طبي فقال له القائل إنك لن تموت لأن الرب منحك القوة لتستنقذ السجناء والرقيق وأن تجعل من لا يفقهون يفقهون[4].
المزروعي عن ثورة زنجبار: جدادة أفريقيا
لا غلاط أن ثورة زنجبار في 1964 أسفرت العنصرية الأفريقية الأصولية بعد "ثورة" 1964 بجلاء جلي. فقد غلبت فيها السيادة العرقية على السيادة الوطنية في زنجبار. وشخّص ملحمة السيادتين الدموية الدكتور على مزروعي بملكته غير العادية لدرمجة (من دراما) السياسة بقوله إن تمكين السيادة العنصرية الأفريقية صادمت حقائق زنجبار الوطنية صداماً استدعي قيام أجنبي هو الفيلد مارشال بقيادة ذلك التمكين وتنفيذه بثمن باهظ. فأوكيلو أجنبي على زنجبار كما ذكرنا بأكثر من السلطان الذي أطاح به بتهمة أن جلالته عربي غريب ديار. فالسلطان مولود كزنجباري، وكذلك كان أبوه وجده وجده لأبيه. ولكن من جهة الهوية الإثنية الزنوجية فالسلطان هو الأجنبي المرتجل: بعض عربي، وبعض أفريقي، وأكثر زنجبارية من الرجل الذي أنهى دولته، ولكنه أقل أفريقية من أعدائه. فإذا كان "الغريب الحكيم" في الأساطير مٌدَّخر لحل العٌقد وتأليف الناس بعد خصام وحقن الدم في شرايين التاريخ ف" الغريب الزنيم" مثل الفيلد مارشال أوكيلو، من شعب اللانقا اليوغندي، قادم برايات الثأر ومنطوياته وتأجيج نار التاريخ ودفق الدم من شرايينه على الأرض.
ولا أحد يذكر الثورة في زنجبار اليوم مقرونة بأوكيلو الذي استعره الزنجباريون والمعلم يوليوس نايريري، الذي وقعت له زنحبار في عب تنجانيقا لتصير بعض تنزانيا إلى يومنا، واستغنوا عنه ولم تنقض أسابيع على الثورة. وكان استغناء مهيناً دونه أوكيلو نفسه في كتاب بعنوان "الثورة في زنجبار" (1967) ندب فيه حاله وندم ندامة الكسعي لمن عضوا يده الثورية عليهم. وأزكي الكتاب للقراءة.
[1] الريامي، 504. [2] Okello, 102. [3] Okello, 62. [4] Okello, 66.
|
|