Post: #1
Title: شيطنة الفقراء والمهمشين: قراءة في سرديات النخب السودانية كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 01-18-2026, 00:20 AM
00:20 AM January, 17 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
حين يتحوّل الوعظ إلى عنصرية في نقد خطاب "انهيار الأخلاق" بوصفه تبريراً لانهيار الدولة
16/1/2026 خالد كودي، بوسطن
الخطاب الأخلاقي بوصفه أداة لإعادة إنتاج فشل الدولة: قراءة في سرديات النخب السودانية اطلعتُ على مقالٍ لمحمد الفاتح حضرة بعنوان: (حين ينهار الوطن من الداخل: السودان نموذجاً لانهيار الأخلاق أثناء الحرب). وهو مقال لا يمكن التعامل معه بوصفه اجتهاداً أخلاقياً بريئاً أو قراءة تحليلية جادّة، بل ينبغي فهمه كنصٍّ أيديولوجي يُعيد إنتاج واحدة من أقدم حيل النخب المشوشة والمهزومة: حين تعجز عن تفسير الخراب الذي صنعته أو تواطأت معه، تلجأ إلى إدانة الشعب الذي دفع ثمنه! هذا النوع من الخطاب لم يعد معزولاً، بل أصبح يتردّد بانتظام وبإصرار داخل قطاعات من النخب التي اختبرت الحرب، والخراب، والتشريد، وفقدان الممتلكات في مرحلة متأخرة مقارنة ببقية السودان. وهي نخب، في معظمها، لم تعش التهميش بوصفه بنية دائمة، بل كصدمة طارئة، فجاء ردّ فعلها في صورة خطاب أخلاقي انفعالي، سطحي وعنصري، يُجرّم فقراء المدن وسكان الهوامش، ويبرّر – صراحةً أو ضمناً – ممارسات القتل، وهدم المنازل، والتشريد، تحت مظلّة الانتقام او ما سُمّي بـ"قوانين الوجوه الغريبة". وليس كل حديث عن الأخلاق أخلاقياً،
وليس كل من يرفع راية القيم بريئاً من العنف.
فالتاريخ، من محاكم التفتيش إلى خطاب "تمدين المتوحشين"، يقدّم أمثلة لا تُحصى على نصوصٍ أخلاقية استُخدمت بوصفها غطاءً أيديولوجياً للعنصرية، والطبقية، وتبرير الإبادة والتشريد. النص موضوع هذا النقد لا يقدّم تحليلاً للحرب واسبابها، ولا يسعى لفهم شروطها السياسية والاقتصادية والتاريخية، بل يقدّم محاكمةً أخلاقيةً للمهمّشين والفقراء. وهو لا يقرأ انهيار الدولة بوصفه سبباً للفوضى والعنف، بل يعكس العلاقة رأساً على عقب، فيُحمّل ضحايا الانهيار مسؤولية سقوط الدولة نفسها. وبهذا المعنى، فإن مقال محمد الفاتح حضرة ليس سوى امتدادٍ كلاسيكي لخطابٍ قديم: (خطاب النخب حين تعجز عن مواجهة التاريخ، فتُدين المجتمع). في هذا المقال، نتناول نص محمد الفاتح حضرة هذا بوصفه نموذجاً دالاً على هذا النوع من الخطاب الذي يفشل في تفسير الخراب، ويتهرّب من إرجاعه إلى من صنعوه، أو تواطؤوا معه، أو صمتوا عليه، فيلجأ – بكسلٍ معرفي وانحيازٍ أخلاقي – إلى إدانة الشعب الذي تحمّل كلفته كاملة.
منطق المقال: إدانة المجتمع لإخفاء فشل الدولة يمكن اختصار خطاب مقال محمد الفاتح حضرة في فكرة واحدة واضحة: تحميل المجتمع، ولا سيما عماله، فقراءه ومهمّشيه، مسؤولية الخراب، بدل مساءلة الدولة التي انهارت. فالمقال لا ينطلق من تحليل اجتماعي أو تاريخي مادي لأسباب الحرب وتفكك مؤسسات الحكم، بل من افتراضٍ أخلاقي مسبق يرى أن ما جرى في السودان هو نتيجة "فساد قيمي" داخل المجتمع المدني، لا نتيجة مباشرة لانهيار الدولة، وفشل النخب، وتحويل الحرب إلى نمط سلطة. وبناءً على هذا الافتراض، يتعامل المقال مع ظاهرة النهب التي تفجّرت خلال الحرب التي اندلعت عقب انقلاب 15 أبريل لا بوصفها سلوكاً اضطرارياً نشأ في سياق الانهيار الكامل لمنظومة الدولة، وغياب القانون، وتفكك أجهزة الحماية، وانهيار الاقتصاد، بل بوصفها دليلاً على خللٍ أخلاقيٍّ متجذّر لدى "العامة". ووفق هذا المنطق، تُحمَّل مسؤولية تدمير المصانع والأسواق ومصادر الرزق على عاتق العمال، والحِرَفيين، وسكان الأحياء الطرفية، وكأن هؤلاء هم من قرّروا الحرب، أو هندسوا الانقلاب، أو فككوا مؤسسات الدولة، أو حوّلوا الاقتصاد—قبل الحرب وبعدها—إلى اقتصاد ريعي ثم اقتصاد حرب!
ويمضي المقال خطوة أبعد حين يربط، بصورة ضمنية ولكن واضحة، بين الهامش الاجتماعي والجغرافي وقوات الدعم السريع، رابطاً الانتماء المكاني بسلوك أخلاقي منحرف، في إعادة إنتاج لمنطق وصمٍ جماعي يرى في الهامش قابلية فطرية للعنف والجريمة، لا نتيجة تاريخية للتهميش. كما ينزلق إلى تفسير غيبي يُصوِّر ما لحق بدارفور وكردفان والنيل الأزرق بوصفه "عقاباً إلهياً"، هروباً من مساءلة الدولة والسلطة عبر إحالة العنف إلى السماء! يتّسق هذا المنطق في المقال مع تطبيعٍ واضح، وإن لم يكن دائماً مباشراً، مع سياسات وإجراءات تمييزية مثل ما عُرف بـ"قانون الوجوه الغريبة"، حيث تُقدَّم هذه الممارسات بوصفها ردود فعل "مفهومة" على انهيار الثقة المجتمعية في سياق الحرب، لا باعتبارها انتهاكات صريحة لجوهر المواطنة ولمبدأ المساواة في الحقوق. وبهذا الطرح، لا تُناقَش هذه السياسات ضمن إطارها البنيوي بوصفها جزءاً من منظومة العنف والانقسام، بل يُتغاضى عنها ويُعاد تأطيرها كضرورات أمنية فرضتها الظروف الاستثنائية. وفي المقابل، يَخلو المقال تماماً من أي تصور بديل للعدالة، أو تحديد لآليات المحاسبة، أو تسمية واضحة للفاعلين السياسيين والعسكريين المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات. ونتيجة لذلك، يُنقل عبء الأزمة من موقعه الطبيعي—أي الدولة وأجهزتها—إلى الضحايا أنفسهم، فيُطالَبون بالانضباط الأخلاقي وكبح الغضب، بينما تُعفى السلطة من التزاماتها القانونية. وهكذا يُفرَّغ مطلب الحرب، بوصفه مطلباً سياسياً موجّهاً إلى الدولة لتحمّل مسؤولياتها، من مضمونه، ليُعاد توصيفه أخلاقياً كخللٍ في الضحايا، لا كتعبير عن غياب العدالة وانسداد الأفق السياسي. ويبلغ الخطاب ذروته حين يقارن السودان بدول شهدت حروباً مدمّرة ليخلص، بلا سند علمي، إلى أن السودانيين عرفوا "انهياراً أخلاقياً استثنائياً"، متجاهلاً اختلاف السياقات، ومُغيباً تماماً دور الدولة، والجيش، والنخب الحاكمة، والسياسات الاقتصادية. وبهذا يُختزل الخراب السوداني في "أزمة أخلاق"، ويُقدَّم إصلاح القيم بديلاً عن إعادة بناء الدولة وتحقيق العدالة. خلاصة هذا المنطق بسيطة: حين تفشل الدولة، يُدان المجتمع؛ وحين تعجز النخب عن مواجهة التاريخ، تُحاكَم الأخلاق.
أولاً: مغالطة "الأخلاق" حين تُنتزع من التاريخ منذ متى تُناقَش الأخلاق خارج شروطها المادية؟ هذا السؤال لا يعود فقط إلى كارل ماركس، بل يشكّل أساساً مشتركاً في الفكر الاجتماعي الحديث. فقد بيّن إميل دوركايم أن التفكك القيمي ليس سبب الانهيار، بل نتيجته، وأن ما يبدو "انحلالاً أخلاقياً" هو انعكاس لانهيار التضامن الاجتماعي. وربط ماكس فيبر الأخلاق بأنماط السلطة والشرعية، لا بضميرٍ معزول عن البنية. فيما كشف بورديو كيف تُستخدم الأخلاق كأداة لإعادة إنتاج السيطرة الطبقية. ما يفعله كاتب المقال، إذن، ليس قراءة أخلاقية عميقة ولا علمية ولاموضوعية، بل إسقاط نخبوي: يقف فوق ركام دولة منهارة، وجيش مفكك، وسلطة غائبة، ثم يسأل الفقير: لماذا لم تكن أخلاقك سامية؟
هذا ليس تحليلاً أخلاقياً، بل حُكماً طبقياً ساذجا. فالأخلاق لا تُمارَس في الفراغ، بل داخل: - دولة - قانون - حماية - اقتصاد - حدٍّ أدنى من الأمان وحين تنهار هذه الشروط، لا ينهار “الضمير”، بل ينهار النظام الذي كان يُفترض به أن يحمي الإنسان من الانحدار إلى منطق البقاء العاري... ولا شنو؟
ثانياً: شيطنة الفقراء والمهمَّشين… أو حين يكتب الوعي البرجوازي سيرته الذاتية دون أن يدري يقع المقال محلّ النقد في واحدة من أقدم مغالطات الوعي البرجوازي في التاريخ الحديث: تجريم الفقر بدل تحليل شروط إنتاجه. فالعمال، والميكانيكيون، والحراس، وسكان الأطراف، والنازحون، يُقدَّمون في النص بوصفهم كتلة أخلاقية متجانسة، متَّهمة جماعياً، منزوع عنها التاريخ، والسياق، والشرط المادي. في المقابل، تغيب الدولة بوصفها فاعلاً مركزياً، ويُؤجَّل ذكر الجيش، وتُمحى النخب التي أدارت البلاد، وراكمت الثروة، وصاغت السياسات العامة، طوال ما يقارب سبعين عاماً من المركزية، والخصخصة، والعسكرة...ده كلام ده؟ هذا الإغفال ليس خطأً عارضاً في التحليل، بل انحياز معرفي بنيوي نابع من تربية نخبويّة ترى المجتمع من علٍ، لا من داخله. وهي تربية تشكّلت داخل مؤسسات تعليم وإعلام أعادت، عبر عقود، إنتاج تصورٍ أخلاقي عن الفقر بوصفه انحرافاً فردياً، لا نتيجة تاريخية لبنية اقتصادية–سياسية غير عادلة. وقد فكّك علماء الاجتماع هذا المنطق منذ القرن التاسع عشر؛ إذ بيّن إميل دوركايم أن ما يُوصَف عادةً بـ"الانحلال الأخلاقي" ليس سبب التفكك الاجتماعي، بل أحد أعراضه، وأن الجريمة لا يمكن فهمها بمعزل عن بنية التضامن، والقانون، والعمل. ضمن هذا الإطار، لا يرى كاتب المقال في الفقير إنساناً محاصَراً داخل اقتصاد حرب، ولا مواطناً تُرك بلا حماية، ولا فرداً دُفع إلى هامش المدينة بفعل سياسات إسكان وتخطيط وأمن قسرية. بل يختزله في صورة نمطية واحدة: لصّ بالفطرة، خائن للقيم، سبب للخراب. وهنا نصل إلى جوهر العنصرية الاجتماعية: حين تُنسب الجريمة إلى الهوية الاجتماعية ذاتها، لا إلى البنية السياسية التي تنتج العنف وتعيد توزيعه. هذا المنطق ليس جديداً؛ فقد حكم قوانين "التشرّد" في أوروبا الصناعية، وسياسات الفصل العنصري، وممارسات "النظافة الحضرية" التي هُدمت باسمها أحياء الفقراء في باريس ولندن والقاهرة واحرمة السودان السوداء! قفي السودان، يتجلّى هذا المنطق بوضوح في سياسات بعينها: قوانين الوجوه الغريبة التي حوّلت الانتماء المكاني إلى شبهة، وقوانين الكَشّة التي جرّمت الوجود في الفضاء العام لمن لا يملك "صفة"، وهدم منازل الفقراء وسكان أطراف المدن باسم التخطيط والأمن والجمال الحضري، دون بدائل، ودون اعتراف بحق السكن بوصفه حقاً أصيلاً لا منّة إدارية. هذه السياسات ليست انحرافات مؤقتة، بل تعبيرات مؤسسية عن نفس الوعي الذي يكتب به صاحب المقال: وعي يرى في الفقير مشكلة يجب ضبطها، لا إنساناً يجب حمايته. وقد التقط الأدب العالمي هذه المفارقة بحدة أخلاقية أعمق مما فعل كثير من الخطابات الوعظية؛ فـ"تشارلز ديكنز، وإميل زولا، وفيودور دوستويفسكي، وفرانز كافكا"، لم يكتبوا عن "فساد أخلاق الفقراء"، بل عن عنف البنى التي تُنتج الفقر ثم تُدين ضحاياه. في الجريمة والعقاب، لا تكون الجريمة خللاً أخلاقياً فردياً بقدر ما هي صرخة داخل بنية خانقة، وفي المحاكمة يتحوّل القانون ذاته إلى أداة اتهام لا تحتاج إلى ذنب.
قصور كاتب المقال، وسذاجته المعرفية، تتجلّيان في تعامله مع المجتمع بوصفه كتلة ساكنة أخلاقياً، بينما تُظهر نظريات التطور الاجتماعي أن المجتمعات تتغيّر قسراً تحت ضغط الحرب، والنزوح، وانهيار الاقتصاد، وتفكك الدولة. وحين تفشل النخب في مرافقة هذا التحوّل بسياسات عدالة، وحماية، وإعادة توزيع، فإنها لا تجد أمامها سوى خيار واحد: إدانة الضحية أخلاقياً... وياللعار! بهذا المعنى، لا يكشف المقال عن "أزمة أخلاق" في المجتمع السوداني، بل عن أزمة وعي نخبوي عاجز عن قراءة التحولات الاجتماعية الحديثة، ومتشبّث بمنطق ما قبل الدولة الحديثة، حيث يُطلب من الفقير أن يكون فاضلاً في غياب القانون، ومن المهمَّش أن يكون مثالياً تحت القصف، ومن الضحية أن تكون أخلاقية قبل أن تكون حيّة. وهنا تتحوّل الأخلاق من قيمة إنسانية جامعة إلى أداة ضبط اجتماعي، ويتحوّل الوعظ إلى شكلٍ ناعم من العنف الرمزي، يعيد إنتاج السياسات نفسها التي صنعت الكارثة، ثم يتساءل – ببراءة مصطنعة –: لماذا انهار المجتمع؟
ثالثاً: المفارقة البنيوية — من ينهب من؟ ليست المسألة هنا تهكّماً لغوياً، بل مفارقة بنيوية واضحة في خطاب يُدين الفقراء بنهب ما تبقّى، بينما يتجاهل نهباً منظّماً وطويل الأمد مارسته النخب من داخل الدولة وباسم السياسات العامة. فمشروع الجزيرة لم يُدمَّر بنهبٍ فوضوي، بل بقرارات سياسية متراكمة: تفكيك الإدارة، تجفيف التمويل، خصخصة مقنّعة، وبيع منظّم للأصول. والسكة الحديد لم تنهَر بالسرقة، بل بالإهمال والتجفيف المتعمّد وتبرير التفكيك بمنطق "عدم الجدوى". والمصانع لم تُنهَب فجأة، بل خُصخصت، ثم جُرّدت من أصولها وبِيعَت لمنسوبي السلطة. أما عائدات البترول، فقد تدفّقت دون أن تُترجَم إلى بنى تحتية، أو صندوق سيادي شفاف، أو حسابات عامة خاضعة للمساءلة. هذه الوقائع لا تشير إلى "نهب وقت فوضى"، بل إلى اقتصاد ريعي–سياسي تشكّل منذ الاستقلال وبلغ ذروته مع النفط، حيث أُديرت الموارد خارج الموازنة، وبلا رقابة، وبعقود غير شفافة، وانتهت إلى شبكات محسوبية واستثمارات خارجية. والمفارقة القاسية أن الخطاب الذي يُدين فقيراً لأنه استولى على معدّة مهجورة زمن الحرب، يصمت عن تهريب رؤوس الأموال، والشركات الوهمية، وتحويل المال العام إلى أصول خاصة في الخارج. الخلاصة هنا ليست سؤالاً أخلاقياً عن سلوك الأفراد، بل سؤالاً سياسياً عن المسؤولية: من نهب الدولة أولاً، وبأي شرعية، وبأي كلفة اجتماعية؟ وحين يُعاد ترتيب السؤال على هذا النحو، يتضح أن إدانة الفقراء ليست تفسيراً للخراب، بل ستاراً يحجب فشل الدولة ويُبدّل موقع الاتهام من قمة الهرم إلى قاعدته.
رابعاً: المقارنة الفاسدة مع سوريا وأوكرانيا وغزة المقارنة التي يعقدها المقال مع حالات مثل سوريا وأوكرانيا وغزة ليست خاطئة تحليلياً فحسب، بل غير أخلاقية علمياً. فهي تفترض، ضمناً، أن السودان شهد "انهياراً أخلاقياً" استثنائياً، متجاهلة حقائق موثّقة عن كل الحروب الحديثة:
سوريا لم تُدمَّر أخلاقياً، لكنها شهدت اقتصاد بقاء واسعاً.
البوسنة لم تخلُ من النهب، بل عرفته في سياق انهيار الدولة.
وغزة، تحت الحصار، طوّرت أشكالاً قصوى من اقتصاد الضرورة... والتقارير "علي قفا من يشيل" كما يقال! تؤكد الدراسات الأنثروبولوجية للحروب—من يوغسلافيا إلى الكونغو—أن غياب الدولة لا يُنتج انهيار الأخلاق، بل يُنتج اقتصاد البقاء. الفارق، إذن، ليس في "السودانيين"، بل في طبيعة الدولة التي سبقت الحرب وكيفية انهيارها. وكما قال فرانز فانون، فإن لحظة الانهيار لا تُنتج إنساناً جديداً، بل إنساناً مجروحاً.
خامساً: ذروة الانحطاط — حين يُحوَّل الضحية إلى جلادٍ أخلاقياً يقدّم المقال تصوراً للسلام مشروطاً بإدانة الفقراء والمهمَّشين، مع الإبقاء على التراتبية الاقتصادية والاجتماعية وبنية دولة التمييز. إنه سلام بلا عدالة، وأخلاق بلا دولة، وتسـامح بلا اعتراف. وبهذا المنطق المقلوب، تتحوّل الأخلاق من أداة تحرّر إلى وسيلة لنزع السياسة، فيُطالَب الضحية وحدها بالامتثال، بينما يُعفى الفاعل الحقيقي من أي مساءلة. هذا التصوّر معروف وخطير في الفكر السياسي؛ فالعنف الأخطر ليس ما يُمارَس باسم الكراهية، بل ما يُمارَس باسم النظام والواجب والأخلاق، حين يُطلَب من الضحية الصمت حفاظاً على "السلم العام". كما أن الغضب في سياقات العنف البنيوي ليس خللاً أخلاقياً، بل تعبير سياسي عن انسداد الأفق، ومطالبة المقهور بالتخلّي عنه قبل تفكيك أدوات القهر ليست سلاماً، بل تكريساً للهيمنة. يتجاهل المقال هذه الحقيقة في قراءته للسودان المعاصر؛ فبلد شهد حرباً ممتدة، وانهياراً مؤسسياً، وتعدّداً في الفاعلين المسلحين، لا يمكن أن يُطالَب ضحاياه بالمصالحة الأخلاقية قبل الإجابة عن أسئلة واضحة: ماهي طبيعة الدولة، أين العدالة؟ من يُحاسَب؟ كيف تُفكَّك البنية المسلحة؟ وأي دولة ستمنع تكرار الجريمة؟ إن تجاهل هذه الأسئلة ليس قصوراً تحليلياً فحسب، بل انحياز سياسي ينقل عبء الأخلاق إلى الضحية ويخفّف العبء عن بنية العنف. فحين يُدان الغضب وتُترك الجريمة بلا اسم، ويُطالَب الضحية بالأخلاق وتُعفى السلطة من القانون، ويُختزل السلام في سلوك فردي بينما تبقى بنية الحروب قائمة فهذا ليس سلاماً، بل إدارة للكارثة بلغة ناعمة، وتمهيد لعنفٍ جديد بدل إنهاء القديم.
اخيرا: حين تختار النخب الجهل وتُسميه أخلاقاً لا يُمثّل مقال محمد الفاتح حضرة حالة معزولة، بل يندرج ضمن خطابٍ نخبويٍّ متكرّر يروّج للأفكار والمواقف ذاتها: إدانة المجتمع بدل مساءلة الدولة، وتوبيخ الضحايا بدل تفكيك البنية التي أنتجت العنف. هذا الخطاب لا يخطئ في التشخيص فحسب، بل يختار الخطأ اختياراً؛ يختار السطحية حين يكون التحليل ممكناً، والوعظ حين تكون السياسة واجبة، وإدانة الضحية حين تكون مساءلة السلطة هي المدخل الوحيد للفهم. وبهذا، لا يواجه ما يسمّيه "انهيار الأخلاق"، بل يساهم في تعميقه عبر منطق أخلاقي كسول يُعفي الفاعلين الحقيقيين ويُلقي بثقل الخراب على الأكثر هشاشة. إن ما يميّز هذا التيار النخبوي ليس القسوة وحدها، بل ادعاء البراءة. يتحدّث من موقع آمن، ثم يطالب الآخرين بفضائل لا تُمارَس إلا بوجود دولة وقانون وعدالة. يطالب الفقير بالأخلاق في غياب الخبز، والمهمّش بالحِلم في غياب المواطنة، والضحية بالتسامح في غياب الاعتراف. هذا ليس موقفاً أخلاقياً، بل تعالٍ معرفي يتحوّل—حين يُغلَّف بلغة القيم—إلى عنصرية قديمة وبائسة. الخطورة هنا مضاعفة: لأن الخطاب الذي يبرّئ البنية ويدين الضحية ويختزل التاريخ في سلوكيات فردية، يمهّد لنهبٍ جديد باسم النظام، وقمعٍ جديد باسم الأخلاق والضرورة، وعنفٍ جديد باسم الاستقرار. المفارقة أن المجتمع يُتَّهَم بانهيار الأخلاق، بينما تُرتكب أعلى درجات الانحطاط حين تُستَخدم الأخلاق لإدامة الظلم. السودان لا يحتاج وعّاظاً جدد، ولا خطاباً يُجمّل فشل الدولة بقيمٍ فارغة. يحتاج دولةً تُعيد احتكار العنف بالقانون، وعدالةً تُسمّي الجرائم بأسمائها، واعترافاً يعيد للضحايا إنسانيتهم، ومساءلةً تاريخية لا تهرب إلى السماء حين تعجز عن مواجهة الأرض. أما المواعظ، فقد قال التاريخ كلمته فيها: لم تُنقذ شعباً ولم تُوقف حرباً، لكنها—مرّة بعد مرّة—كانت شاهداً متأخّراً على المقابر التي حفرتها السذاجة حين تواطأت مع السلطة وسمّت نفسها أخلاقاً.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|