Post: #1
Title: العدل المؤجَّل: فشل المنظومات السياسية وحلم الدولة المنصفة كتبه د. الهادي عبدالله أبوضفائر
Author: د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر
Date: 01-18-2026, 00:19 AM
00:19 AM January, 17 2026 سودانيز اون لاين د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر-UK مكتبتى رابط مختصر
١٣ يناير ٢٠٢٦
ليست الدولة كائناً وافداً من فراغ، ولا وحشاً معزولاً عن نسيج المجتمع، بل هي مرآته المكبَّرة، تعكس ما نمارسه في دوائرنا الصغيرة. في المدرسة، والحزب، والحركة، والنقابة، والحي، وحتى في أبسط طرق تعاملنا مع اختلافاتنا اليومية. نحن لا نصنع الدولة بقدر ما نعيد إنتاج أنفسنا فيها، ممارساتٍ وعلاقاتٍ وقوانينَ تتسع رقعتها فحسب. ومن هذا الإدراك ينهض السؤال المؤلم الذي طالما تحاشيناه. بأي حقٍّ يدّعي من عجز عن انتزاع العدل في محيطه القريب، أو فرض الحق داخل منظومته الضيقة، أنه قادر على منازلة دولة بأكملها أو إعادة تشكيلها.؟
يبلغ الظلم مداه حين نقول ما لا نفعل، وحين تنقلب الكلمات إلى شعارات جوفاء، وتغدو الوعود فراغاً يملؤه الصمت. ابتُلينا بأحزابٍ وحركاتٍ ترفع رايات الديمقراطية في العلن، لكنها تُدار في الخفاء بعقلية الفرد أو الطائفة أو القائد الملهم، أو بلجانٍ مغلقة لا تُسأل عمّا تفعل. نطالب الدولة بالشفافية، فيما نحرّم السؤال داخل بيوتنا التنظيمية، ونُدين القمع بينما نمارس إقصاءً ناعماً لا يقل قسوة. إقصاءً للرأي، وتهميش للاختلاف، وتجفيف لمجالات النقد.
وهنا تتجلّى الخديعة الكبرى. أن نتصوّر معركتنا مع الدولة وحدها، بينما هي في حقيقتها صدى لمعركة لم نجرؤ على خوضها داخل ذواتنا التنظيمية. فالدولة القامعة ليست سوى حصيلة تراكم طويل لثقافة الخضوع، وقبولٍ صامت بحدود رسمناها لأنفسنا وسمّيناها وهماً المدى الممكن. هو الوهم ذاته الذي يظن أن التغيير يُصنع من الأعلى قبل أن يتجذّر في الأسفل. فكل صمتٍ داخلي يشرعن لقمع خارجي، وكل تقاعسٍ تنظيمي يمهّد لسطوة الدولة التي نلعنها.
أخطر ما في هذا الواقع ليس فشل الأحزاب وحده، بل قدرتها على تطبيع الفشل وتحويل العجز إلى بطولةٍ لفظية. يحلّ الصراخ محلّ التنظيم، والهتاف محلّ المحاسبة، وتغدو شيطنة الدولة ستاراً كثيفاً نُخفي خلفه عجزنا عن ابتكار نموذج مختلف، ولو في أضيق الحدود. وهكذا نصير أبطال الكلام، فيما يظلّ الفعل غائباً والوعي الداخلي مقهوراً، فلا يتغيّر شيء سوى نبرة الخطاب، وتبقى الدولة كما هي: مرآةً لصمتنا وعجزنا التنظيمي.
لكن التاريخ يشهد بعكس ذلك. ما سقطت دولة لأن معارضتها كانت صورةً أخرى من استبدادها، بل لأنها واجهت نماذج بديلة نضجت في الهامش، وقدّمت برهاناً أخلاقياً قبل أن تطرح برنامجاً سياسياً. فالثورات لا تبدأ بإسقاط القصر، بل بإسقاط الزيف داخل التنظيم
المخرج لا يصنعه ابتكار شعارات جديدة، بل انقلابٌ هادئ على طريقة التفكير ذاتها. أن يبدأ النضال من حيث نقف. أن نطالب بحقوقنا داخل أحزابنا قبل أن نطالب بحقوق الشعب، وأن نمارس الديمقراطية كقيمةً يومية لا أداة تفاوض مع السلطة. أن يكون صوت القاعدة مسموعاً، وأن تخضع القيادة للمساءلة، لا أن تتحصّن بالرمزية أو ثقل التاريخ.
لا بدّ من تفكيك قداسة التنظيمات، وكسر الطلاسم التي نسجها حولها زمنٌ طويل من التقديس الزائف. فالحزب ليس معبداً، ولا الحركة عقيدةً مطلقة، بل أدوات بشرية تُخطئ وتُصيب، وتفقد مشروعيتها متى عجزت عن تجديد ذاتها ومساءلتها. ومن دون هذا الوعي الجذري سنواصل إعادة إنتاج البنية نفسها التي نلعنها حين تتجسّد دولةً، ونبقى أسرى دورة فشلٍ لا تنتهي، تتبدّل وجوهها في الخارج، بينما يولد عطبها دائماً من الداخل.
علينا أن نغادر وهم إسقاط الدولة إلى أفق بناء البديل. فالبديل لا يُعلن في البيانات، ولا يُختزل في الشعارات الرنانة، بل يُختبر في السلوك اليومي. كيف تُدار الخلافات؟ كيف تُتخذ القرارات؟ وكيف يُصان الضعفاء داخل التنظيم؟ هذه الأسئلة، بلا رتوش ولا مراوغة، هي وحدها معيار أهلية أي قوة للحديث باسم التغيير، ومقياس صدقها في مواجهة الواقع، واستعدادها لتحمّل مسؤولية بناء مجتمع جديد، لا الاكتفاء بالشكوى من القديم.
ختاماً، الدولة التي نخشاها اليوم ليست أقوى منا، لكنها أكثر صدقاً معنا، فهي تفعل ما تقول، بينما نحن نقول ما لا نفعل. ولن يتغيّر الواقع ما لم نجرؤ على مواجهة الحقيقة القاسية. لا ديمقراطية في وطن، دون ديمقراطيين في أحزابهم، ولا عدالة في دولة، دون عدالة في دوائرنا الصغيرة ومؤسساتنا التنظيمية. ومن لم ينتصر لحقه داخل ذاته ومحيطه، لن يكون قادراً على انتصار لشعبٍ كامل، ولن يحوّل الشعارات إلى واقع ملموس، ولا الكلام إلى فعل. [email protected]
|
|