Post: #1
Title: الذكاء الاصطناعي في الطب: بين وعود الشفاء وتحديات المستقبل كتبه ا. محمد سنهوري الفكي الامين
Author: محمد سنهوري الفكي الامين
Date: 01-17-2026, 01:24 PM
01:24 PM January, 17 2026 سودانيز اون لاين محمد سنهوري الفكي الامين-UAE مكتبتى رابط مختصر
بقلم/ [email protected]
في أروقة المستشفيات التي كانت تعج يوماً بأصوات الأوراق وخطوط الأطباء المتعرجة، باتت اليوم تسود لغة جديدة؛ لغة الأرقام والبيانات الضخمة التي تعالجها عقول اصطناعية لا تنام ،لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ضرب من الخيال العلمي أو ترفاً تقنياً، بل أصبح واقعاً ملموساً يعيد تشكيل ملامح الرعاية الصحية العالمية، واضعاً البشرية أمام مفترق طرق يجمع بين وعود الشفاء المعجز وتحديات أخلاقية وتقنية غير مسبوقة. إن هذا التحول الجذري، الذي وصفته منظمة الصحة العالمية في تقاريرها الشاملة حول “أخلاقيات وحوكمة الذكاء الاصطناعي للصحة”، يمثل ثورة بنيوية تتجاوز مجرد تحسين الأدوات لتصل إلى جوهر الممارسة الطبية وعلاقة الطبيب بمريضه.
تتجلى إيجابيات هذا الوافد الرقمي في قدرته الفائقة على تحليل الصور الطبية بدقة مذهلة تتفوق أحياناً على أمهر الاستشاريين؛ فوفقاً لبيانات إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، التي رخصت لأكثر من 950 جهازاً طبياً يعتمد على الذكاء الاصطناعي حتى عام 2024، أصبحت الخوارزميات قادرة على رصد الأورام السرطانية في مراحلها المجهرية، والتنبؤ بالأزمات القلبية قبل وقوعها بساعات عبر تحليل أنماط تخطيط القلب المعقدة. لا يقتصر الأمر على التشخيص، بل يمتد إلى ثورة في عالم الصيدلة، حيث قلصت النماذج الحاسوبية سنوات من البحث المخبري المضني إلى أسابيع معدودة، مما يفتح باب الأمل لعلاج أمراض نادرة كانت تُصنف حتى وقت قريب بأنها مستعصية. هذا “المساعد الرقمي” يمنح الأطباء وقتاً أثمن للتركيز على الجانب الإنساني للمريض، من خلال أتمتة المهام الإدارية الروتينية وتحليل السجلات الطبية الضخمة في ثوانٍ، مما يقلل من ظاهرة احتراق الأطباء ويزيد من جودة الرعاية المقدمة.
ومع ذلك، فإن هذا البريق التكنولوجي لا يخلو من ظلال قاتمة تثير القلق في الأوساط العلمية؛ فالتقارير الدولية، ومنها نشرات “ذا لانسيت” الطبية المرموقة، تحذر بشدة من مخاطر “التحيز الخوارزمي” الذي قد ينجم عن تدريب الأنظمة على بيانات غير ممثلة لكافة الأعراق أو الفئات الاجتماعية، مما قد يؤدي إلى توصيات طبية غير دقيقة أو حتى خطيرة لبعض الفئات. كما تبرز معضلة “الصندوق الأسود”، حيث يصعب على العقل البشري أحياناً فهم المنطق الذي توصل به الذكاء الاصطناعي إلى قرار طبي معين، مما يثير تساؤلات قانونية معقدة حول المسؤولية المدنية والجنائية في حال حدوث خطأ طبي ناتج عن الآلة. أضف إلى ذلك المخاوف المتزايدة المتعلقة بخصوصية البيانات الصحية الحساسة، والتي أصبحت هدفاً استراتيجياً للهجمات السيبرانية في عصر باتت فيه المعلومة الطبية أغلى من الذهب، مما يهدد بانتهاك أقدس أسرار المرضى.
وفي سياق متصل، برزت ظاهرة “المريض الرقمي” الذي يستشير نماذج اللغة الكبيرة والدردشة الآلية قبل التوجه إلى العيادة أو حتى كبديل عنها. هذه الممارسة تحمل في طياتها سلاحاً ذا حدين؛ فمن ناحية، تساهم في ديمقراطية المعلومة الصحية ورفع الوعي العام، وتمكين المريض من فهم حالته بشكل أعمق، مما يعزز من كفاءة الحوار مع الطبيب ويجعل المريض شريكاً فاعلاً في خطته العلاجية. ومن ناحية أخرى، تكمن الخطورة الكبرى في ظاهرة “الهلوسة الرقمية” حيث قد يقدم الذكاء الاصطناعي معلومات طبية مغلوطة بثقة تامة، أو يضع تشخيصات مرعبة تفتقر إلى السياق السريري الشامل واللمسة الإنسانية الحانية، مما قد يدفع المرضى إلى حالة من الهلع أو التطبيب الذاتي الخاطئ وإهمال علاجات ضرورية. وقد تجلى هذا الخطر مؤخراً في إزالة “غوغل” لبعض ملخصاتها الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بعد أن كشف تحقيق صحفي عن تقديمها لمعلومات خاطئة ومضللة حول اختبارات وظائف الكبد، مما عرض المستخدمين لخطر الضرر بسبب “التطمين الزائف” الذي قد تدفعهم إليه هذه الملخصات غير الدقيقة إن استشارة الآلة تفتقر إلى “الذكاء العاطفي” والقدرة على استنباط المعاني من نبرة الصوت أو لغة الجسد، وهي عناصر جوهرية في بناء جسر الثقة بين الطبيب ومريضه، وهو ما لا يمكن لأي خوارزمية، مهما بلغت دقتها، أن تحل محله.
ختاماً، إن الذكاء الاصطناعي في الطب ليس بديلاً عن الطبيب، بل هو شريك استراتيجي يتطلب حوكمة عالمية صارمة وإطاراً أخلاقياً متيناً يضع كرامة الإنسان وسلامته فوق كل اعتبار تقني أو ربحي. إن المستقبل يكمن في “الذكاء الهجين” الذي يجمع بين سرعة ودقة الآلة وحكمة وتعاطف البشر، لضمان أن يظل مبضع الخوارزميات أداة للبناء لا للهدم، ومنارة للأمل في عالم يسعى دوماً نحو الكمال الصحي. إننا نعيش فجراً جديداً للطب، يتطلب منا يقظة فكرية وتنظيمية توازي سرعة التطور التقني، لكي لا تتحول هذه النعمة الرقمية إلى نقمة تهدد جوهر مهنة الطب النبيلة التي قامت منذ فجر التاريخ على ركيزتي العلم والرحمة .
|
|