Post: #1
Title: عمر الدوش شاعر الحس الإنساني والوجدان السوداني كتبه عبد المنعم هلال
Author: عبد المنعم هلال
Date: 01-17-2026, 01:20 PM
01:20 PM January, 17 2026 سودانيز اون لاين عبد المنعم هلال-الخرطوم-السودان مكتبتى رابط مختصر
حين تُكتب الكلمة بروح الوطن وصوت البسطاء عمر الدوش: شاعر الحس الإنساني والوجدان السوداني كبرت كراعي من الفرح .. نص في الأرض ونص في النعال سعاد .. قصيدة الفرح الخائف ووجع الإنسان السوداني وردي قدّم «بناديها» و«الود»… ومصطفى غنّى «سحابات الهموم»
كتب: عبدالمنعم هلال
في زمن الكلمة كان عندها طعم، وكان الشعر بيمشي في الشوارع زي النسمة، ظهر الشاعر عمر الطيب الدوش، شاعر ما عادي، بيكتب بالحس قبل القلم، وبيغنّي بالوجدان قبل اللحن. وُلد الدوش عام 1948 في ولاية نهر النيل، مدينة المتمة، ودرس في المعهد العالي للموسيقى والمسرح، وكان من ضمن أول دفعة للمعهد. كان أستاذًا ومبدعًا ومسرحيًا، لكنه قبل كل شيء كان شاعرًا صادقًا، بيحسّ بالناس، وبيكتب ليهم… ومنهم. عمر الطيب الدوش كان شاعر الناس البسطاء، شاعر الحواري والمصانع والميادين. كلماته كانت طالعة من قلب الطبقة الكادحة، من هموم الناس التعبانة، ومن عرق اليوم البعيشوا بيهو. الدوش ما كان شاعر برج عاجي، كان واحد مننا، يحسّ بينا ويكتب لينا. غنّى ليه كبار الفنانين زي مصطفى سيد أحمد في (سحابات الهموم)، ومحمد وردي في (بناديها) و*(الحزن القديم)* و*(الود)*، وحمد الريح في (الساقية)، والكابلي في (سعاد)، القصة الفي ناس بقولوا كتبها في زوجتو سعاد، وناس تانية بقولوا كتبها قبل يعرفها بزمان. وأغنية (بناديها) دي بالذات كانت من الأغاني الرمزية في زمن نميري، والناس كانت بتلقى فيها صوت الحرية والتمرد الملفوف في شعر جميل وكلمات حالمة. الدوش ما كان بيكتب ساكت، كان بيزرع وعي وسط الناس، ويخلّي الكلمة تبقى موقف. الدوش كان من الجيل البفتح عيونو على الوطن والهم الإنساني، الجيل الوعى إنو الغنا ما ترف، لكن رسالة… ووجع جميل. الدوش كتب أغاني بقت علامات في وجدان السودانيين، لكن سعاد كانت مختلفة؛ قصيدة فيها الوجع والفرح، وفيها الشوق والدهشة، وفيها إنسان السودان بكل تناقضاتو. سعاد .. قصيدة فرح وخوف قصيدة سعاد ما مجرد حكاية حب، دي حالة وجدانية كاملة، فيها الزول السوداني وقت يلقى الفرح ويخاف منو في نفس اللحظة. الدوش كتبها بلغة بسيطة، لكن ورا كل كلمة بحر من المعاني.
كبرت كراعي من الفرح نص في الأرض نص في النعال اتلخبط الشوق بالزعل واتحاوروا الخوف والكلام هيي يا سعاد وأنا يا سعاد وكتين أشوفك ببقى زول فرشولوا فرش الموت وعاش قالت سعاد: بطّل كلام الجرسة، انجض يا ولد
كبرت كراعي من الفرح البيت دا براهو لوحة. الفرح عند الدوش ما بيخلّي الزول يرقص ساكت، بيخلّيه يفقد التوازن، كأنو جسمو ذاته ما قادر يتحمّل كمية النشوة. نص في الأرض ونص في النعال دي عبقرية، كأنو الفرح شالو فوق وما خلّوه يثبت في الأرض. الفرح هنا ما عادي؛ فرح فيه رهبة، وفيه خوف من المجهول، لأنو الشاعر ذاته ما مصدّق إنو الحلم بقى حقيقة. اتلخبط الشوق بالزعل واتحاوروا الخوف والكلام يا سلام على التعبير. الدوش بيجسّد المشاعر كأنها ناس قاعدين في ندوة؛ الشوق والزعل اتلخبطوا، والخوف قاعد يحاور الكلام. في اللحظة دي الزول بين الصدق والخيال، بين البسمة والدمعة، بين إنو يفرح أو ينهار من شدّة الإحساس. ودي حالة السوداني البعيشها كتير؛ ما بيفرح ساكت، لازم يكون الفرح ممزوج بالحذر، وبالزعل القديم، وبالذكريات الموجعة. هيي يا سعاد… وأنا يا سعاد وكتين أشوفك ببقى زول، فرشولوا فرش الموت وعاش البيت دا من أجمل ما كتب شاعر سوداني. تعبير (فرشولوا فرش الموت وعاش) متناقض، لكنه حقيقي جدًا. الزول لما يشوف الحبيب بعد طول غياب، بيحس إنو مات من شدّة الوجدان، لكن في نفس اللحظة بيحس إنو اتولد من جديد. موت رمزي وحياة وجدانية. وهنا الدوش بيورينا كيف الحب ممكن يكون بين النار والمطر، بين الهلاك والانبعاث، بين الرهبة والعشق. قالت سعاد: بطّل كلام الجرسة، انجض يا ولد هنا الانعطافة الجميلة في القصيدة. بعد كل الهياج الوجداني والدهشة، تجي سعاد بكلمة بسيطة ترجع الشاعر للأرض. في العبارة دفء الأم، وسخرية الحبيبة، وجدّية المرأة السودانية البتعرف متين توقف العواطف وتبدأ الكلام العملي. كأنها بتقول ليهو : ياخي خليك راجل، الفرح جميل، لكن ما تبالغ، خليك صاحي للدنيا. ودي اللمسة العبقرية في القصيدة؛ النهاية ما بالبكاء ولا بالحب المجنون، النهاية بضحكة خفيفة فيها حنية وذكاء سوداني معروف. سعاد ما بس عن بنت أو حبيبة؛ سعاد رمز. ممكن تكون الوطن، وممكن تكون الحلم، وممكن تكون أي شيء الزول بحبو وبيخاف عليهو في نفس الوقت. الدوش بيحكي عن الإنسان السوداني المتناقض، الحسّاس جدًا، لكن الكتوم؛ البفرح بخوف، والبيحب بحذر. القصيدة دي بتمسك قلب القارئ من أول بيت، لأنها ببساطة (صادقة). فيها لغة الناس البسطاء، لكن فيها عمق الفلاسفة. فيها بهجة الحياة، لكن فيها كمان خوف الفقد. قصيدة سعاد ما بقت بس شعر مكتوب؛ اتغنّت في أكتر من أمسية شعرية، واتلاقَت معاها أصوات فنانين ومسرحيين كبار بيقدّموها كقطعة وجدانية كاملة. اتغنّت بصوت المبدع عبد الكريم، واتلاها شعراء ومغنّين في مهرجانات الخرطوم الثقافية، لأن فيها نفس غنائي فطري. كلماتها البسيطة العميقة خلّتها قريبة من المغنّين، لأنها فيها (المزيكا البتجي من الكلام ذاته). والجمهور كل مرة يسمعها بيحس إنو سعاد دي ما بس حبيبة شاعر، دي رمز للبلد ذاتها، وللوطن البتغيب عنه وتجي، وللفرح البخوف، وللأمل البينولد من رماد. عمر الطيب الدوش في سعاد ما كتب قصيدة… كتب روح. كتب عن الإنسان البينكسر ويقوم، البيندهش من فرحو، والبيضحك وهو جواهو حزن. وسعاد بقت من أجمل ما أنجبت القصيدة السودانية، لأنها بكل بساطة (صادقة)، والصدق في الشعر عمره أطول من الزمان.
|
|