الدين، الدولة، ومأزق العبور إلى الحداثة: إيران نموذجًا كتبه دكتور الوليد آدم مادبو

الدين، الدولة، ومأزق العبور إلى الحداثة: إيران نموذجًا كتبه دكتور الوليد آدم مادبو


01-17-2026, 03:19 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1768619992&rn=0


Post: #1
Title: الدين، الدولة، ومأزق العبور إلى الحداثة: إيران نموذجًا كتبه دكتور الوليد آدم مادبو
Author: الوليد ادم مادبو
Date: 01-17-2026, 03:19 AM

03:19 AM January, 16 2026

سودانيز اون لاين
الوليد ادم مادبو-السودان
مكتبتى
رابط مختصر





لا يطرح هذا المقال سؤال الدين بوصفه مشكلة لاهوتية، ولا يناقش الدولة باعتبارها جهازًا إداريًا محايدًا، بل يتناول العلاقة الملتبسة بين المقدّس والسلطة بوصفها إحدى أعقد معضلات المجتمعات العربية والإسلامية في طورها الانتقالي. فالإشكال، في جوهره، لا يكمن في حضور الدين داخل الوجدان الجمعي، بل في *عجز الدولة الحديثة — أو المتخيَّلة — عن إنتاج شرعيتها من العدالة والمؤسسات*، فلجأت، مرارًا، إلى الاحتماء بالمقدّس حينًا، وبالحداثة الشكلية حينًا آخر.

ينطلق هذا العمل من فرضية مركزية مفادها أن مجتمعاتنا لم تفشل لأنها متديّنة، ولا لأنها لم تُعلمن بما يكفي، بل لأنها لم تُنجز بعد *شروط الدولة العقلانية الحديثة*: دولة القانون، والمواطنة المتساوية، والعقلانية المؤسسية، وتداول السلطة. وفي غياب هذه الشروط، يتحوّل الدين — مهما سمت مقاصده — إلى أداة طاعة، وتتحوّل العلمانية — مهما رفعت من شعارات — إلى تقنية ضبط سلطوي، ويُختزل الإنسان بين مطرقة الهوية وسندان الأمن.

لقد سعت الفقرات الأولى من هذا المقال إلى *تفكيك الثنائية الكسولة بين «الإصلاح الديني» و«تحييد الدين»*، بوصفها ثنائية مضلِّلة تُبسّط سؤالًا مركّبًا. فالدين، في السياق الإسلامي خصوصًا، لم يكن يومًا مجرد اعتقاد فردي، بل إطارًا ناظمًا للمعنى، ومخزونًا أخلاقيًا، ورافدًا للتماسك الاجتماعي، قبل أن يُختطف من قبل السلطان أو يُؤدلج داخل مشاريع الهيمنة. ومن ثمّ، فإن الدعوة إلى تحييده قسرًا، دون بناء بدائل قيمية ومؤسسية، لا تُنتج دولة حديثة، بل فراغًا أخلاقيًا تملؤه أشكال أكثر راديكالية من التديين السياسي.

في المقابل، يكشف هذا المقال محدودية أطروحات «الإصلاح الديني» حين تنفصل عن سؤال البنية السياسية والاجتماعية. فإصلاح الوعي، مهما بلغ من العمق، لا يستطيع وحده أن يُنتج دولة حديثة، ما لم يُرافقه *إصلاحٌ مؤسسي يضع حدًا لتقديس السلطة، ويُخضعها للمساءلة، ويفصل بين الإيمان بوصفه تجربة روحية، والطاعة بوصفها مطلبًا سياسيًا*. ذلك أن الدولة التي تُدار بالقيم وحدها، دون مؤسسات، تنتهي غالبًا إلى الاستبداد الأخلاقي.

وتأتي التجربة الإيرانية في هذا المقال بوصفها حالة دراسية كاشفة، لا نموذجًا يُحتذى ولا استثناءً يُدان. فهي تجربة دولة انتقلت من *استلاب علماني مفروض من فوق في عهد بهلوي، إلى قهر ديني مؤدلج في زمن الملالي*، دون أن تعبر جسر الحداثة السياسية، ودون أن تُنجز مصالحة بين الهوية الوطنية والعقلانية المؤسسية. وبين النموذجين، تآكلت الإرادة الوطنية، وتعطلت التنمية، وتحوّلت السياسة إلى معركة خلاص رمزي، لا إلى إدارة عقلانية للمصلحة العامة.

ولا تُقرأ *إيران* هنا بوصفها شأنًا فارسيًا خاصًا، بل *بوصفها مرآة مكبّرة لمأزقٍ إقليمي أوسع*. فالعالم العربي، بدوره، يتأرجح بين تحديث سلطوي يستعير أدوات الحداثة دون روحها، وتديين سياسي يستحضر المقدّس بوصفه مصدرًا للشرعية لا للأخلاق. وفي الحالتين، تغيب الدولة بوصفها عقدًا اجتماعيًا، وتحضر بوصفها جهاز ضبط، وتُختزل السياسة في صراع هويات بدل أن تكون فضاءً للتوافق والمساءلة.

من هنا، لا يدعو هذا المقال إلى قطيعة فجّة مع الدين، ولا إلى مصالحة ساذجة معه، بل إلى *إعادة ترتيب العلاقة بين الدين والدولة على أساس عقلاني تاريخي*، يُحرّر الإيمان من سطوة السلطة، ويُحرّر السياسة من الادّعاءات الأخروية. دولة لا تُعادي الدين، لكنها ترفض أن تُدار باسمه؛ ولا تُقصي الأخلاق، لكنها ترفض تحويلها إلى أداة هيمنة.

إن السؤال الذي يحكم هذا العمل، في فصوله كافة، ليس: هل نحتاج إلى دين أم إلى علمانية؟ بل: *كيف نبني دولة حديثة في مجتمعات ما بعد التقليد، وما قبل العقلانية؟* وكيف نُنجز العبور من منطق الرعية إلى منطق المواطنة، ومن شرعية الرموز إلى شرعية المؤسسات، دون أن نُدمّر النسيج الاجتماعي أو نُقدّس الاستبداد باسم أيٍّ كان؟

بهذا المعنى، لا يُغلق هذا المقال نقاش الدين والدولة، بل يعيد فتحه على أساس مختلف: *أساس يضع الإنسان في مركز السياسة*، لا بوصفه حامل هوية أو مادة تعبئة، بل مواطنًا كامل الأهلية. فالدولة التي نبحث عنها ليست دولة المعنى المطلق ولا دولة العقل المتغطرس، بل الدولة الممكنة: دولة تُوازن بين الروح والمؤسسة، بين القيم والقانون، دون أن تُضحّي بأحدهما لصالح الآخر.

وإذا كان لهذا العمل أن يقدّم إسهامًا، فهو التنبيه إلى أن *تأجيل سؤال الدولة ليس حيادًا، بل انحيازٌ ضمني للفوضى أو الاستبداد*. وأن المجتمعات التي لا تُنجز عقلانيتها السياسية، ستظل تدور في حلقة مفرغة من الانقلابات الرمزية، حيث يتبدّل الخطاب، وتبقى البنية على حالها.

في نهاية المطاف، لا خلاص في استدعاء الماضي، ولا في استنساخ المستقبل، بل في *شجاعة الحاضر: شجاعة التفكير في الدولة كما هي، لا كما نرغب أن تكون*؛ وفي الدين كما يُمارَس، لا كما نتخيّله؛ وفي الإنسان كما يعيش، لا كما يُستدعى في الخطب. تلك الشجاعة وحدها هي الخطوة الأولى نحو حداثة لا تُقصي، ودولة لا تقهر، ومعنى لا يُستعمل ذريعة للهيمنة.

‏January 17, 2026