طوامُّ الترجمة: جرائم في حقّ اللغة العربية والمجتمع كتبه الريح عبد القادر محمد عثمان

طوامُّ الترجمة: جرائم في حقّ اللغة العربية والمجتمع كتبه الريح عبد القادر محمد عثمان


01-14-2026, 03:32 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1768361547&rn=0


Post: #1
Title: طوامُّ الترجمة: جرائم في حقّ اللغة العربية والمجتمع كتبه الريح عبد القادر محمد عثمان
Author: الريح عبد القادر محمد عثمان
Date: 01-14-2026, 03:32 AM

03:32 AM January, 13 2026

سودانيز اون لاين
الريح عبد القادر محمد عثمان-لاهاي
مكتبتى
رابط مختصر




- بقلم: -

ليست الترجمة عملاً بريئاً، ولا هي مجرد مهارة لغوية محايدة، بل هي فعلٌ له سلطةٌ معرفية: ما يختاره المترجم من ألفاظ، وما يسقِطه من دلالات، وما يمرّره من مفاهيم، ثُمّ ما يتركه من آثار وندوب على اللغة، كلّ ذلك يشارك إما في تشكيل وعي القارئ بشكل إيجابي، وإما في تضليله. ومن هنا، فإن الترجمة الحرفية ليست خطأً تقنياً يُغتفر، بل قد تكون جريمة هادئة تُرتكب في حقّ المعنى، وحق اللغة، وحق الناطق بها، ثم تُبرَّر بشيوع الاستعمال وكسل النقد.

في بعض الأحيان نترجم الكلمة ونعدم الفكرة!

ومن أكثر الأمثلة فجاجة في تاريخ الترجمة الحديثة ترجمة المصطلح الإنجليزي Brainstorming إلى "عصف ذهني".
فالمفهوم في لغته الأمم يشير إلى إبداع جماعي، يقوم على توليد الأفكار، وإطلاق العنان للخيال، وتوسيع أفق التفكير.
لكن ما الذي فعلته الترجمة الحرفية؟
لقد أخذت كلمة storm وأسقطتها على لفظ «عصف»، بتعسف لا حدود له، وبدون أدنى اكتراث لما تحمله هذه الكلمة في اللغة العربية من شحنة دلالية سلبية صريحة: الريح المدمّرة، التذرية، التحطيم، والانتهاء والفناء. وهكذا صار مفهوم brainstorming الذي يُراد به في اللغة الإنجليزية الإخصاب الفكري، يشار إليه عندنا، في لغة الضاد، لغة الخمسمائة اسم وصفة للأسد، باسمٍ يُحيل إلى الهلاك والفناء، كما في قصة أصحاب الفيل { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل: 5]، وفي وصف الرياح الشديدة الهبوب في قوله تعالى {فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا} [المرسلات: 2]، وفي تسمية الزرع الذي يُستخدم علفاً للحيوان في سورة الرحمن {وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ} [الرحمن: 12].

بأيُّ منطق لغوي نسمح لأنفسنا بأن نسمى البناءَ هدماً، والإنتاج تحطيماً، والحياة موتاً، والجنة والنعيم عقاباً؟
إنه ليس فقط مجرد استخفاف بالعربية وبالعقل العربي، بل إلحاق للأذى بكليهما!

لعلّ أهل الإنجليزية يفهمون أن الجلوس لتبادل الأفكار في ما يسمونه brainstorming، والسماح للجميع بتقديم ما يعّن لهم في أذهانهم من أفكار، هو عمل شبيه بعاصفةٍ تهب في البر فتتساقط الثمار من الأشجار، أو تهب في البحر فتنطلق السفن والمراكب الشراعية تسابق الرياح!
لكن العصف، في العربية، هو ما تعصف به الريح وتذروه، فيتبدد ويتلاشى. فما الذي يبقى في الذهن إنْ عرضناه للعصف؟
.
تنمُّ هذه الترجمة الجهولة عن فهم ساذج لطبيعة اللغة. فالمجاز الذي يجوز في الإنجليزية لا يجوز بالضرورة في العربية. فهو ليس مسافراً دولياً بدون جواز سفر، وليس حقيبة تتنقل بحرية بين المطارات الدولية، بل هو ابنُ ثقافته وسياقه. وما تحمله كلمة storm من دلالة إيجابية أو محايدة في الإنجليزية لا يُلزم العربية بشيء.
فإذا كان الـ brainstorming هو الجلوس لتوليد الأفكار، فلماذا لم نسأل العربية إنْ كان لديها لفظ يؤدي هذا المعنى؟ ولا شك أننا واجدوه، مثلاً، في لفظ "تفاكر" - على وزن تفاعل - الذي يدل على العمل الجماعي أو التشاركي.
ثم إنّ الناس في بلداننا العربية لم يتورعوا عن اشتقاق لفظ "استحمار"، فما الذي يمنعهم من اشتقاق لفظ "استفكار"، مثلاً، للدلالة على الجلوس "لاستدرار الأفكار"ّ؟


وللأسف، ليس «العصف الذهني» - حمانا الله وإياكم - حالة معزولة، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من المصطلحات المُفرَّغة من محتواها، وجزء من وباء لغوي واسع الانتشار.
ويهون "العصف الذهني" أمام "الإرهاب"!
وهنا أجدني أمضي إلى القول غير هيّاب إنَّ أكبر طامّة في الترجمة الحرفية، في عصرنا هذا، هي ترجمة terrorism بـ "إرهاب!
يجب أن نتذكر أن "الرهبة" في اللغة العربية شعور بالإعجاب والإجلال والخشوع تجاه شيء عظيم أو مهيب، وتُستخدم في سياقات دينية كالتقوى والتعبّد، ثم تصل إلى الانقطاع للعبادة، كما نجد ذلك في كلمات "راهب"، و"رهبانية". ففي القرآن الكريم يخاطب المولى عز وجل عباده بقوله: "وإياي فارهبون"، ويدعوهم للتصدي للأعداء بقوله "ترهبون به عدو الله وعدوكم".
لقد اختار القرآن بحصافة شديدة كلمةً تستخدم للدلالة على الخوف النبيل والجميل من الله سبحانه وتعالى، وهي "ترهبون"، ولم يقل "تخيفون"، ولا "تهددون"، ولا "ترعبون"، ولا "تفزعون" ولا "تدمرون" فلماذا يأتي أحدهم ليستخدم "إرهاب" النبيلة والجليلة لوصف أقبح ما يرتكبه الإنسان ضد بني جلدته: الرعب، والإرعاب، والحرابة؟!
وللأسف جاء مترجمو القرآن، متأثرين بهذه الاتجاه المُخل، فترجموا الآية الكريمة من سورة الأنفال "ترهبون به عدو الله وعدوكم" ترجمة خطأ، مستخدمين تعابير مثل to strike terror in the hearts، ومعناه إلقاء الرعب في القلوب وto threaten، وتعنى التهديد. والأمثل، والأوفق، والأكثر أمانة أن يستخدموا كلمات من قبيل to deter أو بالكثير scare away to.
وإذا كان بعض ترجمات المصطلحات والمفاهيم الجديدة قد حقق بعض النجاح، في نظرنا، فذلك لأن اللفظ المستخدم لم يثر من أسباب الاعتراض ما أثارته عبارة "عصف ذهني" السخيفة أو كلمة "إرهاب" الخاطئة. ومن الأمثلة على ذلك لفظ "حوكمة" المستخدم لترجمة مفهوم Governance، ولفظ "استدامة" المستخدم لأداء معنىSustainability . وهنا لا بد من التنبيه إلى أنه لا يصح الرجوع إلى قواميس اللغة العربية القديمة لمعرفة معنى "حوكمة" و"استدامة"، فالمعنى هنا مستلف من اللغة الأجنبية، وبالتالي فإن "حوكمة" و"استدامة" وغيرهما تعني ما تعنيه نظيراتها في لغة الاستلاف.
وإذا كانت الأمثلة السابقة لا تثير إشكالات من حيث الدلالة والاشتقاق، فإن هذا الأمر لا ينطبق على "أصحاب المصلحة" في ترجمة Stakeholders . ومع كونها ترجمة صحيحة شكلاً، فإنها لا تعبر بأمانة عن شبكة العلاقات والمسؤوليات المتبادلة، فتختزل الأمر كله في “المصلحة"، وهو ليس كذلك، فبعض الأطراف ليست لها مصلحة بل لديها مخاوف وشواغل. والمعنى المقصود هو مجموعة المؤثرين والمتأثرين بمشروع ما إيجاباً أو سلباً. والخيار الآخر المستخدم "الجهات المعنية" ليس موفقاً أيضاً لأن الجهات المعنية في معظم الأحيان هي سلطات حكومية ورسمية. ولما كانت الترجمة الحقيقية لا تبحث عن أقرب لفظ، بل عن أصدق تمثيل للفكرة، فإن الأوفق في هذه الحالات أن نعرف ما المقصود ثم نصفه، وهنا نجد أن Stakeholders تعني الأطراف المؤثرة والمتأثرة، فلتكن، إذن، هذه هي الترجمة المختارة حتى إشعار آخر.

ونختم قولنا بالتشديد على ضرورة ألا نغتال المفهوم الذي نريد ترجمته، وألا نشوه لغتنا ولا نحشوها بكلمات لا تنهضم.
ثم علينا ألا ندع الشائع يتحوّل إلى مقدّس!
فالأخطر من الخطأ هو عدم إصلاحه.
ومن واجبنا ألا تُربّى أجيالنا القادمة على مصطلحات مختلّة، ومفاهيم معتلّة، فاختلال المصطلحات والمفاهيم يؤدي إلى اختلال التفكير نفسه.
ولذلك ندعو بشدة إلى التوقف عن استخدام الترجمة السخيفة "عصف ذهني"، والترجمة-الخطيئة "إرهاب"!
بدل "العصف الذهني" دعونا نستخدم توليد/استدرار أفكار، وتفاكر، ومفاكرة، واستفكار، أو حتى "تفكير تلاقحي"، وليتهمنا من يشاء بالحذلقة!
وبدل "إرهاب وإرهابيون" دعونا نستخدم "حرابة وحرابيون" أو "إرعاب وإرعابيون".
أما الإصرار على الخطأ فخطأ أكبر.
فالعقل لا يفسد وحده، بل يفسد حين نضع في داخله كلمات فاسدة. أجل، إنه جَوَال!
وحين نتهاون في الكلمة، نكون قد بدأنا في التفريط في وعينا.