ما بعد الانتصار في ميدان القتال: أسئلة الدولة والشرعية حين يحسم ميدان القتال السياسة: انتصار الدعم

ما بعد الانتصار في ميدان القتال: أسئلة الدولة والشرعية حين يحسم ميدان القتال السياسة: انتصار الدعم


01-12-2026, 10:27 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1768256825&rn=0


Post: #1
Title: ما بعد الانتصار في ميدان القتال: أسئلة الدولة والشرعية حين يحسم ميدان القتال السياسة: انتصار الدعم
Author: احمد التيجاني سيد احمد
Date: 01-12-2026, 10:27 PM

10:27 PM January, 12 2026

سودانيز اون لاين
احمد التيجاني سيد احمد-ايطاليا
مكتبتى
رابط مختصر





ما بعد الانتصار في ميدان القتال: أسئلة الدولة والشرعية
حين يحسم ميدان القتال السياسة: انتصار الدعم السريع وصعود حميدتي غير المتنازع عليه



د. أحمد التيجاني سيد أحمد روما – ١١ يناير ٢٠٢٦



لم يعد ما يجري في السودان مجرّد تغيّر في خطوط السيطرة أو تحوّل في خرائط الاشتباك، بل انتقالًا فعليًا في طبيعة السلطة ذاتها. فالتقدّم المتسارع في ميدان القتال، وما صاحبه من اندحار مليشيات الكيزان وتراجع نموذج الجيش المُؤدلَج، أفرز واقعًا سياسيًا جديدًا يفرض أسئلة الدولة والشرعية والاعتراف بوصفها وقائع تُدار على الأرض، لا شعارات تُستعاد في الخطاب.

هذا التحوّل لا يمكن قراءته خارج سياقه التاريخي. فالدولة السودانية، منذ الاستقلال، ظلّت رهينة معادلة مختلّة: قوة بلا مؤسسات، وسلطة بلا شرعية اجتماعية، وجيش جرى توظيفه سياسيًا بدل أن يُبنى وطنيًا. ومع كل دورة عنف، كانت الدولة تُعاد إنتاجها بصورة أكثر هشاشة. ما يحدث اليوم يخرج عن هذا النسق المألوف، لا لأنه خالٍ من المخاطر، بل لأنه يكشف عجز النموذج القديم عن الاستمرار.

◼︎ مربع إحالة (١): القوة والشرعية
يشير ميثاق التأسيس إلى أن احتكار القوة المشروعة شرطٌ لازم لقيام الدولة، وأن وظيفة القوة حماية المدنيين وبسط الأمن، لا خدمة عقيدة أو حزب. ويربط دستور التأسيس الشرعية بالقدرة على الحكم الفعلي: إدارة الأرض، وتسيير الخدمات، وصون السلم الأهلي.



**التفوّق العسكري: من الحدث إلى البنية**

لا يمكن التعامل مع التفوّق العسكري القائم بوصفه حدثًا تكتيكيًا عابرًا، بل باعتباره تحوّلًا بنيويًا في ميزان القوة. فقد أثبت الواقع أن المليشيات المؤدلَجة، مهما ادّعت تمثيل الدولة أو احتكار الوطنية، تعجز عن الصمود حين تُواجَه بقوة تستند إلى السيطرة الفعلية وإدارة المجال العام. في هذه اللحظة، يتحوّل الانتصار العسكري من مجرد نتيجة اشتباك إلى شرطٍ واقعي لإعادة تشكيل السلطة.

هذا التفوّق لا يمنح شرعية تلقائية، لكنه يفرض سؤال الشرعية على الجميع. فالدولة لا تقوم على الخطاب وحده، بل على القدرة على فرض النظام، وحماية الناس، وضمان حدٍّ أدنى من الحياة اليومية. حين يغيب هذا الشرط، تتآكل الدولة حتى لو امتلكت الاعتراف الشكلي. وحين يتوفّر، تبدأ السياسة في إعادة ترتيب نفسها حوله.

◼︎ مربع إحالة (٢): تفكيك الأدلجة
يؤكد ميثاق التأسيس ضرورة تفكيك التمكين ومنع أدلجة المؤسسات النظامية، وإعادة بناء مؤسسة أمنية وطنية خاضعة للمدنيين، لا للأحزاب أو العقائد.



**اندحار مليشيات الكيزان وتراجع الجيش المُؤدلَج**

ما ينهار اليوم ليس تشكيلات مسلّحة فحسب، بل نموذج دولة كامل. فقد تحوّل الجيش، خلال عقود، إلى أداة أيديولوجية بيد الحركة الإسلامية، جرى عبرها تسييس السلاح، وتفريغ المؤسسة من معناها الوطني. هذا النموذج لم يسقط فجأة، بل استُنزف طويلًا حتى بلغ لحظة العجز الكامل.

اندحار مليشيات الكيزان وتراجع الجيش المُؤدلَج يمثّلان نهاية عملية لهذا المسار، حتى إن استمرّت محاولات إنعاشه إعلاميًا أو سياسيًا. فالمجتمع الذي خاض تجربة الدولة الحزبية بالقوة، لم يعد مستعدًا لإعادة إنتاجها باسم “الاستقرار” أو “السيادة”.

◼︎ مربع إحالة (٣): القطيعة مع الإسلام السياسي
يرسّخ دستور التأسيس مبدأ المواطنة المتساوية، ويحمي الدين من التوظيف السياسي، ويؤسّس لحياد الدولة تجاه المعتقد، بما يضمن الحقوق دون وصاية.



**نهاية الحركة الإسلامية: سقوط الفكرة قبل التنظيم**

الهزيمة التي تعرّضت لها الحركة الإسلامية ليست عسكرية فقط، بل فكرية ودستورية. فقد سقط ادّعاء احتكار الحقيقة، وتبيّن أن المشروع لم يكن أخلاقيًا ولا إصلاحيًا، بل آلية للهيمنة والسيطرة باسم الدين. هذا السقوط لا يعني نهاية التدين في المجتمع، بل تحريره من الاستخدام السلطوي.

إن القطيعة مع الإسلام السياسي، كما يفرضها الواقع اليوم، ليست فعل إقصاء، بل شرط لبناء مجال عام يتّسع للجميع. دولة ما بعد هذه المرحلة لا يمكن أن تُدار بعقيدة واحدة، ولا أن تُحكم بمنطق الوصاية، بل بمنطق الحقوق المتساوية.

**قوة الأمر الواقع: من يملك الأرض يملك سؤال الدولة**

في السياسة الدولية، كثيرًا ما تُقاس الشرعية بالقدرة على فرض الاستقرار وإدارة الحياة اليومية. ومع التقدّم الميداني لقوات الدعم السريع وبسطها السيطرة الأمنية في مساحات واسعة، تشكّلت سلطة أمر واقع تُدار فعليًا، لا افتراضيًا. هذا الواقع يفرض نفسه، سواء قوبل بالاعتراف المبكر أو بالممانعة المؤقتة.

◼︎ مربع إحالة (٤): التجارب المقارنة والاعتراف
تُظهر تجارب معاصرة أن الاعتراف غالبًا ما يتبع الوقائع: من يفرض الأمن ويدير الأرض ويقدّم حدًّا أدنى من الاستقرار يصبح طرفًا مُعترفًا به في المعادلة الإقليمية والدولية.



**جسر تحليلي: من واقع السيطرة إلى سؤال القيادة**

ما بين تثبّت قوة الأمر الواقع على الأرض وبين بدء تشكّل معادلة الاعتراف، تتقدّم السياسة بخطوات أقل ضجيجًا وأكثر حساسية. فالانتقال من السيطرة إلى الشرعية لا يتم تلقائيًا، بل عبر قدرة القيادة على تحويل الواقع الأمني إلى إدارة عامة: ضبط السلاح، حماية المدنيين، واستمرار الحدّ الأدنى من الخدمات. في هذه المنطقة الرمادية تحديدًا، تتراجع قيمة الشعارات لصالح الأداء، ويصبح السؤال المركزي: من يمتلك أهلية القيادة لإدارة هذا الواقع، لا لادّعائه. هنا تبدأ ملامح الاعتراف—الإقليمي والدولي—في التشكل بوصفه استجابة لميزان الاستقرار، لا مكافأة سياسية.

**انتصار الدعم السريع وصعود حميدتي غير المتنازع عليه**

في هذا السياق، يبرز انتصار الدعم السريع في ميدان القتال بوصفه عنصرًا محدِّدًا في معادلة السلطة الجديدة. كما أن صعود حميدتي غير المتنازع عليه، حين يُقرأ داخل معادلة السيطرة الفعلية وبناء الإدارة، يمثّل أحد مفاتيح الواقع السياسي الراهن.

الاعتراف الإقليمي والدولي، كما تُظهر تجارب قريبة، لا يُبنى على الرغبات الأخلاقية وحدها، بل على معادلات الاستقرار والمصالح. تجاهل هذا الواقع لا يخلق بديلًا، بل يطيل أمد السيولة السياسية، ويفتح المجال أمام بقايا النظام المهزوم لإعادة التموضع.

◼︎ مربع إحالة (٥): تحالف التأسيس (٢٠٢٤)
يُنظر إلى تحالف التأسيس (٢٠٢٤) بوصفه إطارًا مدنيًا–سياسيًا واسعًا يضم هيئات وأحزابًا مدنية، إلى جانب عدد من الحركات المسلحة، يجمعها رفض الدولة العسكرية الباطشة، والسعي إلى دولة حديثة تُدار بالمؤسسات.



**تحالف التأسيس والفضاء المدني البديل**

في مقابل نموذج الدولة العسكرية، يبرز تحالف التأسيس كفضاء مدني يسعى إلى تحويل القوة إلى مؤسسات، لا إلى أدوات قهر. هذا المسار لا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يطرح نفسه كأحد تعبيرات المجتمع عن رغبته في دولة مواطنة، فيدرالية، قابلة للحياة.

◼︎ مربع إحالة (٦): أركان الدولة الحديثة
تتلاقى وثائق التأسيس حول ركائز السودان الحديث: المواطنة بلا تمييز، الفيدرالية الحقيقية، مؤسسة أمنية وطنية واحدة، اقتصاد إنتاجي بعد الحرب، وعدالة انتقالية تُنهي الإفلات من العقاب.



**الخلاصة: تقديرات شخصية لواقعٍ سيتملكه الجميع**

ما سبق ليس بيانًا سياسيًا ولا محاولة لفرض استنتاج، بل قراءة لواقعٍ يتشكّل أمام الجميع، وسيمتلكه الجميع، مهما اختلفت المواقف منه. ومن هذا المنظور، يمكن تسجيل بعض التقديرات الشخصية:

التفوّق في ميدان القتال لم يعد عاملًا عسكريًا فقط، بل أصبح عنصرًا محدِّدًا لطبيعة السلطة المقبلة. اندحار الدولة المؤدلَجة يبدو نهاية عملية لنموذج استُنفد تاريخيًا. وسلطة الأمر الواقع، متى ما نجحت في إدارة حياة الناس، ستفرض ًنفسها، ومتى ما فشلت، ستتآكل دون حاجة إلى إسقاطها خطابيًا.

السودان اليوم أمام مفترق لا يُدار بالشعارات: إمّا تحويل هذا الواقع إلى دولة تُدار بالمؤسسات، أو ترك الفراغ ليعيد إنتاج العنف بأسماء جديدة. ليست هذه نبوءة، بل ملاحظة يفرضها تاريخ البلد القريب والبعيد.