عبد الله الطيب والأحاجي السودانية (1976): حَجّاي حُجا كتبه عبد الله علي إبراهيم

عبد الله الطيب والأحاجي السودانية (1976): حَجّاي حُجا كتبه عبد الله علي إبراهيم


01-12-2026, 10:49 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1768214942&rn=0


Post: #1
Title: عبد الله الطيب والأحاجي السودانية (1976): حَجّاي حُجا كتبه عبد الله علي إبراهيم
Author: عبدالله علي إبراهيم
Date: 01-12-2026, 10:49 AM

10:49 AM January, 12 2026

سودانيز اون لاين
عبدالله علي إبراهيم-Missouri-USA
مكتبتى
رابط مختصر






نشر عبد الله الطيب مجموعات من الأحاجي في الخمسينيات في سلسلة اسمها "الأحاجي السودانية" كانت تصدر عن مكتب النشر التابع لمصلحة المعارف السودانية آنذاك. وقد أنيطت بالمكتب مهمة تزويد الطالب بالكتاب المدرسي وكتاب الاطلاع علاوة على إصدار مجلة للصبيان وأخرى للكبار. وقد شارك في نشاط الكتب مربون كبار. وإلى مطبوعات هذا المكتب الجميلة الممتعة يعود آباء اليوم بذاكرتهم كلما واجهوا إشكالات ثقافة أبنائهم. وتعتبر فترة الكتب هذه هي فترة النوستالجيا التربوية في السودان الآن. وعاد عبد الله الطيب إلى إصدار مجموعات أحاجيه في كتاب واحد بعنوان "الأحاجي السودانية" في 1976 من دار جامعة الخرطوم للنشر. وهو ينشر المزيد من هذه الأحاجي الآن في جريدة (الأيام) السودانية، ويعد بنشر هذه الأحاجي الجديدة في كتاب جديد. وهناك إجماع من الآباء والأمهات بأن كتاب الأحاجي السودانية قد أسعد أبناءهم وبناتهم كثيرًا. ورأيت أكثر الصبيان يستغرقون في قراءته بنهم عجيب. وقد نفدت طبعته الأولى حالاً.
اقترب عبد الله الطيب من الأحاجي بلا مزاعم لغوية أو أيديولوجية أو أخلاقية. صورة عبد الله الطيب العامة أنه لغوي متنطع حوشي العبارة. وقد عاب عليه الدكتور طه حسين استخدام كلمة (الطخا أي السحاب) في شعره. فرد عليه عبد الله الطيب قائلاً إن الطخا كلمة مترددة في العامية السودانية. وهذه الواقعة مع طه حسين مفتاح لمعرفة اليسر الذي يتحرك به عبد الله بين المستوى الدارج والفصيح في اللغة. يرى أكثر الناس أن اللغة العربية إقليمان: عامي وفصيح بينهما أسوار ممتنعة إلا أن معرفة عبد الله الطيب التي لا تجارى بالعربية الكلاسيكية وبالعامية قد كشفت له الأنهار تحت أرضية الواصلة التي تتدفق بين الإقليمين.
الواضح أن عبد الله الطيب قد انتقل من بلاغة العامية إلى بلاغة الفصحى بما يشبه التزحلق لا التسلق. فقد قضى عبد الله شطرًا من عمره في منطقة عرب الرباطاب في شمال السودان التي هي منطقة استخدام متشعب ودقيق وبليغ للغة. ثم قطع مراحله الدراسية حتى تخصص في العربية الفصحى الدقيقة. فعبد الله سبق حتى الواقعيين الاشتراكيين إلى كتابة حوار قصته "نوار القطن" في أوائل الأربعينيات باللغة الدارجة. وأنت لا تكاد تقرأ له بحثاً حتى يرد الكلمات الفصيحة إلى صورتها في الدارجة السودانية مثل كلمات (يتر، عب، مرنق، صؤاب).
ليس لعبد الله مطلب أخلاقي من الأحاجي (الحكاية الشعبية). فهو لم يجعل نفسه وصياً ليزيل من الأحاجي العبارات غير اللائقة (في نظر من؟) قال في كتابه عام 1967 إنه استبدل خاتمة الأحاجي (انحترت وانبترت في إست الصغير فينا) بـ (جاء هادم اللذات وهازم المسرات) ولكنه عاد في مجموعته التي ينشرها حالياً في جريدة الأيام إلى (انحترت وانبترت) كأنه ضاق بالتزييف.
ولم يخفف عبد الله بشاعة فاطمة السمحة حين خلعت جلد العجوز. كما ورد عنده 3 مرات (يلعن أبو "الما يفعل كذا") كما وردت عنده كلمة (القضاف – القيء) بلا مواربة. فقد تحدى العتود في حكاية ظلوت إخوته من البهم أيهم يغشى أجود المراعي. وللبرهنة على ذلك قال لهم العتود: "تعال نتقاضف" كما وردت في (ظلوت) كلمة (أخريه) أي أجعله (يخرى) بلا حياء في القصص.
وعبد الله يلزم الأسلوب التجريدي للحكاية الشعبية ولا يميل إلى الاقتصار بمثل (وهكذا) (وفعل ذلك ثانية وثالثة) و (هلمجرا)، ففي حكاية (جفيل وجفيلة) يهرب جفيل وجفيلة على ظهر حصان من وجه الغول الذي يطاردهما ويجري بينهما هذا الحوار:
جفيل: شايفة الغول.
جفيلة: شايفة مثل الحدية (الحدأة) وكلبو جنبو مثل الزرزور (طائر صغير) (جفيل
يسرع).
جفيل: شايفة الغول.
جفيلة: شايفة مثل الدحيش (تصغير جحش) وكلبو جنبو مثل الفوير (تصغير الفأر).
ويتكرر الهروب وهذا الحوار ثلاث مرات بغير أن يضيق عبد الله بذلك. وفي ولائه للأسلوب التجريدي يلجأ عبد الله الطيب إلى مفردات اللغة لتصوير عِظَم أو قوة أو ضعف الحادثة أو الشيء أو العاطفة أو السلوك. فهو يصور مقدار الأشياء بالتكرار:
1- فهو يقول (انقدت بطن "كلب الغول" طَرَقْ طَرَقْ) وليس انقدت بطن الغول وصدر صوت انفراطها مدوياً.
2-وهو يقول (وقعد يأكل ويأكل) وليس يأكل بإسراف يكاد لا يشبع.
3-وهو يقول (يشخر شَخَر شَخَر) وليس يشخر شخيرًا متصلاً عميقاً.
ويكتب عبد الله أحاجيه بعفوية سائغة لا يجعل الأسئلة من مثل (العامية أم الفصحى) (الأخلاق أم عدمها) تعكر عليه صفو الفن في التبليغ. فهو يكتب حوار شخصياته بالعامية أو الفصحى ببوصلة سرية. فمع أنه يلتزم العامية في الحوار في الغالب إلا أنك تجد مثلاً الولد يقول لأخته (دعنا نهرب من هذا البيت) وتقول الأخت لأخيها "إن أبانا يسمع كلام زوجته"، علماً أنه في نفس الحكاية تجد عنده من يقول "الضيفان أكلوا كل حاجة والكسرة كملنها الخدم دحين القدر داك فيه لحم انتظروه ينجض "ينضج". وحتى في النص تضطره الصيغ الجاهزة إلى التزام الصورة العامية مثل (الغول حَسيسُه دهر، ونومو شهر).
ولكنه يحاول بجد أن يرسم الكلمة بصورة تحتمل القراءة الفصيحة والعامية
ما استطاع: مثلاً "مرحباً بكن" يمكن أن تقرأ عامياً "مرحبابكن". وهذا مبحث يحتاج إلى تطويل. ربما نَرُد نجاح كتاب "الأحاجي السودانية" إلى أنه لم تَسْبِق الاقتراب من الأحاجي التي جاء بها أية مزاعم تربوية (سوى الإمتاع) فالصورة التي استقرت عليها أحاجيه صادرة عن حب استثنائي لهذه الحكاية ممن استمع إليها بشغف طويل حتى تحول إلى راوٍ عادي لها.
فهو لم يهجم على الأحاجي بعدة التربوي (على أن عبد الله الطيب تربوي قديم متمرس) ولا بعدة اللغوي (على أن هذا تخصصه) ولا الوطني (وكانت له خناقات كثيرة حول تعليم اللغة العربية مع المفتشين والمعلمين الإنجليز) ولا العروبي (وهو الذاكرة التي حوت أدب العرب ونظراتهم). إنه لم يهجم على الأحاجي بأيٍّ من هذه الأدوات التي كانت كفيلة بإخضاع الأحاجي إلى مساءلة ومراجعة وتحوير وتطوير. خلافاً لذلك حشد عبد الله الطيب كل هذه الخبرات حشداً شفيفاً لتتآزر لإخراج الحجوة كقطعة غالية من الفن البسيط الخطير.


من فصل "نحو حساسية فولكلور في توظيف الحكاية الشعبية" من كتابي (أصوات أخرى في الحديقة: التعليم والتراث في السودان) (المصورات 2016).