قراءة تفنيدية لبيان الحزب الشيوعي حول مواثيق القاهرة ونيروبي 2/3 كتبه عاطِف عبدالله قسم السيد

قراءة تفنيدية لبيان الحزب الشيوعي حول مواثيق القاهرة ونيروبي 2/3 كتبه عاطِف عبدالله قسم السيد


01-12-2026, 10:47 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1768214837&rn=0


Post: #1
Title: قراءة تفنيدية لبيان الحزب الشيوعي حول مواثيق القاهرة ونيروبي 2/3 كتبه عاطِف عبدالله قسم السيد
Author: عاطِف عبدالله قسم السيد
Date: 01-12-2026, 10:47 AM

10:47 AM January, 12 2026

سودانيز اون لاين
عاطِف عبدالله قسم السيد-UAE
مكتبتى
رابط مختصر





بقلم: عاطف عبدالله



الجزء الثاني: وحدة الصوت المدني بين الواقع والشعار

"وحدة الصوت المدني"… شعار بلا سياق

يركّز بيان الحزب الشيوعي، خاصة في نقده لميثاق القاهرة، على مسألة "وحدة الصوت المدني"، ويعتبر أن الدعوة إليها جاءت متجاوزة للخلافات التي نشأت بين القوى المدنية بعد الثورة. غير أن هذا النقد، في جوهره، يتجاهل حقيقة أساسية: أن وحدة الصوت لا تُستعاد بالإنكار، ولا تُبنى بإعادة اجترار الماضي، بل بإدارة الخلاف كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.

القوى المدنية لم تنقسم بعد الثورة بسبب غياب المبادئ أو البرامج، بل بسبب تعقيدات الانتقال نفسه، وتدخل العسكر، واختلال ميزان القوى، وأخطاء ذاتية جسيمة ارتكبتها جميع الأطراف بلا استثناء، بما فيها الحزب الشيوعي. وعليه، فإن الدعوة إلى وحدة الصوت في ميثاق القاهرة لا تعني القفز فوق الخلافات، بل تعني وضع حد أدنى مشترك يسمح بوقف الحرب، ثم فتح حوار مدني–مدني شفاف حول جذور الأزمة وأسباب الإخفاق.

المفارقة أن الحزب، وهو ينتقد "اللغة المرسلة" في المواثيق، يقدّم بنفسه شعار وحدة القوى الثورية، دون أن يطرح آليات عملية لتحقيقها في ظرف الحرب والانقسام. فالوحدة، إذا لم تُربط بهدف محدد (وقف الحرب) وبسياق مرحلي واضح، تتحول من أداة سياسية إلى تعويذة خطابية.


النقد من موقع المقاطعة – إشكالية المنهج

الإشكال الأعمق في بيان الحزب الشيوعي لا يكمن فقط في مضمونه، بل في موقعه. فالحزب رفض المشاركة في اجتماعات القاهرة ونيروبي، واعتذر عن تلبية الدعوات الموجهة له، ثم عاد ليصدر بياناً يُملي فيه على القوى المشاركة ما كان ينبغي أن تفعله، وما كان يجب أن تتجنبه.

سياسياً وأخلاقياً، لا يستقيم أن تجمع بين المقاطعة والتوجيه. من يختار الجلوس خارج القاعة، بإرادته الحرة، يملك كامل الحق في النقد، لكنه يفقد – بالضرورة – حق الوصاية. فالسياسة ليست امتحاناً في النقاء الثوري، بل ممارسة جماعية تقوم على الحضور، والجدل، والتأثير من الداخل.

ولو شارك الحزب، أو حتى حضر بصفة مراقب، لكان بإمكانه:

الدفع بلغة أكثر صرامة في تفكيك التمكين.
توسيع تعريف العدالة الانتقالية.
إدخال بعد الصراع الاجتماعي والطبقي في صلب الوثائق.
أما الانسحاب المسبق، ثم محاسبة الآخرين على مخرجات لم يُسهم في صياغتها، فهو موقف مريح أخلاقياً، لكنه فقير سياسياً.

غياب كوادر الحزب في الخارج… خسارة مزدوجة

من أخطر ما يغفله بيان الحزب – أو يتغافل عنه – أن موقفه التنظيمي الصارم بمنع كوادره في الخارج من المشاركة في مثل هذه الاجتماعات، حتى بصفات شخصية، أضعف ليس فقط فرص التأثير في المواثيق، بل أضعف الحزب نفسه.

تخيل – كما يتخيل كثيرون – لو شارك في اجتماعات القاهرة شخوص بقامة:

المهندس صديق يوسف
الأستاذ بشرى عبد الكريم
الأستاذ مسعود الحسن
حتى لو كان حضورهم بصفة شخصية، أو فكرية، لا تنظيمية، لكان لذلك أثرٌ نوعي على النقاشات، وعلى الصياغات، وعلى توازن الأفكار داخل القاعة. فهؤلاء ليسوا مجرد كوادر حزبية، بل خبرات وطنية راكمت عقوداً من العمل النقابي والسياسي والفكري.

حرمان القوى المدنية من هذه الخبرات أضرّ بها بلا شك، لكنه أضرّ بالحزب أكثر، إذ عزل فروعه الخارجية، وجرّدها من أي دور سياسي فعلي في واحدة من أكثر اللحظات حاجةً إلى العقول والخبرات.


الصراع الطبقي… بين التحليل والبرنامج

يؤكد الحزب، في خاتمة بيانه، ضرورة أن يتخذ الصراع أبعاده الطبقية محلياً ودولياً، وأن يتحول الانتصار الرمزي في ديسمبر إلى قوة اجتماعية منظمة. هذا الطرح، من حيث التحليل، لا خلاف حول وجاهته. لكن السؤال السياسي هو: كيف؟ ومتى؟ وبأي أدوات؟

مواثيق القاهرة ونيروبي لا تدّعي أنها برامج تحول اجتماعي شامل، ولا تزعم أنها تؤسس فوراً لدولة العدالة الاجتماعية. إنها مواثيق حدٍّ أدنى، موجهة لإنهاء الحرب، ومنع الانهيار الكامل، وفتح الطريق أمام صراع سياسي - اجتماعي سلمي داخل دولة قائمة، لا داخل أنقاض دولة.

القفز مباشرة إلى مشروع التحول الشامل دون معالجة شرطه الأول - أي وقف الحرب - يشبه بناء طابق ثانٍ بلا أساس. الصراع الطبقي نفسه لا يمكن أن يتطور في ظل اقتصاد حرب، وسلاح منفلت، ومجتمع ممزق.


من الخاسر الحقيقي؟

يخلص بيان الحزب إلى التحذير من "تسوية تعيد إنتاج الأزمة والحرب". هذا التحذير مشروع، لكن الممارسة الحالية للحزب تُنتج خطراً موازياً: خطر العزلة السياسية، والتقوقع داخل خطاب مثالي، وترك الساحة لقوى أقل التزاماً بالثورة لتقود عملية البحث عن السلام.

إن موقف الحزب الشيوعي، كما تجلى في هذا الملف، خلق شروخاً لا في جسد القوى المدنية وحدها، بل في جسد الحزب نفسه. شروخ بين:

الداخل والخارج
القيادة والكوادر
التحليل العميق والفعل السياسي المحدود
وفي نهاية المطاف، قد يخرج الآخرون بخسائر تكتيكية، لكن الحزب يخاطر بأن يكون الخاسر الاستراتيجي الأكبر، إذا استمر في تحويل المبدئية إلى قطيعة، والنقد إلى بديل عن المشاركة.


خاتمة

مواثيق القاهرة ونيروبي ليست نصوصاً مقدسة، ولا حلولاً نهائية. هي محاولات بشرية، ناقصة بالضرورة، لكنها تظل أفضل من الفراغ، وأجدى من الانتظار، وأقرب إلى روح ديسمبر من خطاب يكتفي بإعلان النقاء من خارج معركة وقف الحرب.

الطريق إلى الدولة المدنية الديمقراطية لا يُعبَّد بالمقاطعة وحدها، ولا بالتسويات وحدها، بل بالصراع السياسي المفتوح، والحضور الفاعل، والقدرة على التأثير من داخل اللحظة، لا الهروب منها.

نواصل....

_______________________________________________
عاطِف عبدالله قسم السيد Atif Abdalla Gassime El-Siyd