قراءة تفنيدية لبيان الحزب الشيوعي حول مواثيق القاهرة ونيروبي 3/1 كتبه عاطِف عبدالله قسم السيد

قراءة تفنيدية لبيان الحزب الشيوعي حول مواثيق القاهرة ونيروبي 3/1 كتبه عاطِف عبدالله قسم السيد


01-12-2026, 10:46 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1768214793&rn=0


Post: #1
Title: قراءة تفنيدية لبيان الحزب الشيوعي حول مواثيق القاهرة ونيروبي 3/1 كتبه عاطِف عبدالله قسم السيد
Author: عاطِف عبدالله قسم السيد
Date: 01-12-2026, 10:46 AM

10:46 AM January, 12 2026

سودانيز اون لاين
عاطِف عبدالله قسم السيد-UAE
مكتبتى
رابط مختصر




بقلم: عاطف عبدالله

الجزء الأول: بين النقد والمقاطعة:

تمهيد

أصدر الحزب الشيوعي السوداني بياناً جماهيرياً انتقد فيه مواثيق القاهرة وإعلان مبادئ نيروبي، وخلص إلى اعتبارهما تراجعاً عن أهداف ثورة ديسمبر المجيدة، وامتداداً لنهج التسويات التي تعيد إنتاج الأزمة والحرب. ولأن هذه المواثيق جاءت في لحظة وطنية حرجة، وفي سياق بحثٍ مضنٍ عن مخرج تاريخي من حرب مدمرة وانسداد سياسي شامل، فإن نقدها أو الدفاع عنها لا ينبغي أن يكون عملاً انفعالياً أو صراعاً خطابياً، بل جهداً عقلانياً يوازن بين المبادئ والواقع، وبين الممكن والمأمول.

هذه المقالة (في جزئها الأول) تسعى إلى تفنيد الحجج الأساسية التي استند إليها بيان الحزب الشيوعي، وبيان أن مواثيق القاهرة ونيروبي لم تكن خصماً على مطالب ثورة ديسمبر، بل محاولة جادة – قد تصيب وقد تخطئ – لتجميع الحد الأدنى الوطني اللازم لوقف الحرب واستعادة المسار المدني الديمقراطي. كما تناقش المقالة مسألة المنهج السياسي للحزب، وحدود مشروعية توجيه النقد من موقع المقاطعة لا المشاركة.

هل تجاهلت مواثيق القاهرة ونيروبي تراكم التجربة الثورية؟

ينطلق بيان الحزب من فرضية مفادها أن مواثيق القاهرة ونيروبي لم تستند إلى تراكم تجارب قوى الثورة، وتجاوزت ميثاق قوى الحرية والتغيير (يناير 2019)، وكأنها تبدأ من فراغ سياسي واجتماعي. هذه الفرضية، عند إخضاعها لقراءة دقيقة لنصوص المواثيق، تبدو غير دقيقة.

فالميثاقان، في ديباجتهما وبنودهما الجوهرية، ينطلقان صراحة من أهداف ثورة ديسمبر: الحرية، السلام، العدالة، والحكم المدني الديمقراطي. كما يضعان وقف الحرب في مقدمة الأولويات، باعتباره شرطاً لازماً – لا بديلاً – لاستكمال مهام الثورة. وهذا التقديم لا يعني التراجع عن شعارات الثورة، بل يعكس إدراكاً واقعياً بأن استمرار الحرب يفرغ أي برنامج ثوري من مضمونه، ويحوّل الدولة والمجتمع إلى ساحة استنزاف مفتوح.

إن ميثاق 2019 نفسه كان وثيقة حدٍّ أدنى، صيغت في ظرف مختلف، قبل الانقلاب وقبل الحرب الشاملة. أما مواثيق 2025–2026، فهي تحاول الإجابة على سؤال جديد: كيف نوقف حرباً أهلية/شبه إقليمية، ونمنع تفكك الدولة، ثم نعيد فتح أفق التحول الديمقراطي؟ اختلاف السؤال لا يعني القطيعة مع الماضي، بل يفرض اختلاف ترتيب الأولويات.


الداخل والخارج – جدلية لا ثنائية

أحد الانتقادات المركزية في بيان الحزب أن وثيقة نيروبي "تخاطب الخارج" وتعطي وزناً حاسماً للرباعية، على حساب العامل الداخلي. هذا الطرح يفترض وجود تعارض صفري بين الداخل والخارج، وكأن الاستناد إلى الدعم الإقليمي والدولي نقيضٌ تلقائي للفعل الجماهيري.

الواقع أن التجربة السودانية - منذ الاستقلال وحتى اليوم - تثبت أن العامل الخارجي كان دائماً حاضراً، سلباً أو إيجاباً، في معادلات السلطة والحرب والسلام. الفارق ليس في وجوده أو غيابه، بل في كيفية توظيفه. مواثيق القاهرة ونيروبي لم تفوّض الخارج ليقرر مصير السودان، بل سعت إلى توحيد الخطاب المدني تجاه المبادرات الدولية القائمة فعلاً، ومحاولة توجيهها بما يخدم أجندة وطنية: وقف الحرب، حماية المدنيين، وبناء سلطة مدنية.

أما الرهان على «الداخل وحده» في لحظة تدمير شامل، وانقسام اجتماعي، وتفكك أدوات الفعل الجماهيري، فهو أقرب إلى الموقف الأخلاقي المجرّد منه إلى السياسة الواقعية. الداخل هو الحاسم، نعم، لكن هذا الحسم يحتاج إلى زمن، وإلى حد أدنى من الاستقرار، وإلى وقف آلة القتل أولاً.


تصنيف الإسلاميين والدعم السريع – مسألة سيادة أم أداة سياسية؟

يذهب بيان الحزب إلى أن الإسلاميين والدعم السريع "إرهابيون" بحكم أفعالهم، وأن الشعب السوداني لا يحتاج إلى الخارج لتصنيفهم كذلك. من حيث المبدأ الأخلاقي والسياسي، هذا توصيف مفهوم. لكن السياسة لا تُدار بالمواقف الأخلاقية وحدها.

تصنيف جهة ما كمنظمة إرهابية في السياق الدولي ليس شهادة براءة أو إدانة تاريخية، بل أداة قانونية وسياسية لها تبعات مباشرة: تجفيف التمويل، تقييد الحركة، وخلق التزامات دولية. مواثيق نيروبي لم تنتقص من قدرة الشعب السوداني على إسقاط أعدائه، لكنها حاولت استخدام أدوات النظام الدولي القائم - بكل تناقضاته - لتقليص قدرة هذه القوى على مواصلة الحرب.

القول بأن هذا "استدعاء للخارج" يتجاهل أن الطرفين المتحاربين نفسيهما يستندان إلى الخارج بالسلاح والمال والدعم السياسي. في هذه الحالة، يصبح تجاهل البعد الدولي نوعاً من العمى السياسي، لا تعبيراً عن الاستقلالية الثورية.


أين تفكيك التمكين وبناء الجيش القومي؟

يتهم البيان ميثاق القاهرة بعدم النص الصريح على تفكيك التمكين، وخروج العسكر والمليشيات من السياسة والاقتصاد، وبناء الجيش القومي المهني. غير أن قراءة الميثاق تُظهر أنه يتحدث بوضوح عن:

بناء سلطة مدنية ديمقراطية.
إصلاح المنظومة العسكرية والأمنية.
إنهاء الإفلات من العقاب.
منع عودة الاستبداد والفساد بأي صيغة.
صحيح أن اللغة المستخدمة أقل حدّة من لغة بيانات 2019، لكنها ليست تراجعاً في الجوهر، بل محاولة لصياغة توافق واسع في لحظة هشّة. التفكيك، وإعادة الهيكلة، وبناء الجيش المهني، ليست قرارات تُنفّذ في بيان سياسي، بل عمليات معقدة تتطلب سلطة مدنية قائمة، وتوازن قوى جديداً، وهو ما يفترض أولاً وقف الحرب.


خاتمة الجزء الأول

يُظهر هذا العرض أن كثيراً من انتقادات الحزب الشيوعي تقوم على قراءة انتقائية للمواثيق، أو على مقارنتها بوثائق سابقة دون اعتبار لاختلاف السياق التاريخي والسياسي. وفي الجزء الثاني من هذه المقالة، سنناقش مسألة "وحدة الصوت المدني"، وحدود النقد من موقع المقاطعة، وتأثير غياب كوادر الحزب - في الداخل والخارج - عن هذه المنابر، وما ترتب على ذلك من خسائر ليس فقط للقوى المدنية، بل للحزب نفسه.

_______________________________________________
عاطِف عبدالله قسم السيد Atif Abdalla Gassime El-Siyd