Post: #1
Title: سياسة الجنوب وجبال النوبة الاستعمارية: بين الفبركة واللغو كتبه عبد الله علي إبراهيم
Author: عبدالله علي إبراهيم
Date: 01-11-2026, 10:42 AM
10:42 AM January, 11 2026 سودانيز اون لاين عبدالله علي إبراهيم-Missouri-USA مكتبتى رابط مختصر
(اسقاط العفو عن الاستعمار شائع بين الصفوة التي خرجت من معطفه حتى في البلاد التي نازلته في ساحة الحرب وأخرجته عنها عنوة. وأقول بهذا دفعاً لمن يهونون من استقلالنا لأننا لم نمهره بالدم. ولهذا الود للاستعمار والتبتل عند ذكراه وسط صفوة التعليم الغربي تفسيره بما يتجاوز مجرد الخيبة في الاستقلال. قال به مثل فرانز فانون منذ الستينات. ولعل ما رمى صفوتنا الحداثية في العلوق بالاستعمار كما رأينا في مقال سبق أنها اعتزلت الفكر الذي نشأ منذ الثمانيات يعيد النظر في ظاهرة الاستعمار نفسها بما تجاوز نظرة الحركة الوطنية التي أشاعت أنه رحل "وساق معاهو ولدو وعددو". فالاستعمار كما جرى تحليله في مدرسة "ما بعد الاستعمار" هو الحقيقة الأصل فينا. فنحن مستعمرون قبل أن نكون مستقلين. وفي هذا المقال اتطرق لسياسة المناطق المقفولة كما تمثلت في "سياسة الجنوب" و "سياسة النوبة" التي أنشأها الإنجليز في الثلاثينات للقول إننا مدموغون بالاستعمار لا زلنا نتخبط في براثن دولة ارتجلها عنفاً. وسأعرض لمفاهيم "النوستالجيا الاستعمارية" و "اللغو الاستعماري" و"الاتضاح" و"الفبركة الاستعمارية"، من مصطلحات مدرسة ما بعد الاستعمار، لنقف على بصمته على ثقافتنا وسياستنا ما يزال بعد أن ظنناه ولى وراح. وهذه دعوة للجادين من شبابنا أن يطلبوا هذا العلم في مظانه لأنه ما يقتلنا إلا التاريخ الرديء.
خلافاً لمن جاؤوا لتحليل الكساد في الدول الناشئة كـ"أزمة حوكمة" أو "فشل دولة" أرجع كريس فون، الذي كتب عن دارفور وعنف الدولة الاستعمارية، هذه الأزمة والفشل إلى إرث من العنف تولت كبره الدولة الاستعمارية البريطانية التي حكمت السودان ما بين عامي 1899 و1956. فقال إن العنف الذي شهدته دارفور منذ الثمانينيات وما بعدها "مما لم تحلم به عقول شريرة على حين فجاءة. فلم تزد تلك العقول، مهما قلت عنها، عن استنساخ استراتيجية في الحكم قامت على قواعد ترسخت خلال الفترة الاستعمارية. ونوه في الصدد بمفهوم "الاتضاح" الذي يصف عادة في الاستعمار يبسط بها معرفة المجتمعات المعقدة التي يقوم عليها لأجل أن يسهل عليه فهمها وإدراكها والتمكن من حكمها. فالوضوح الذي طلبه الاستعمار ليسود على المجتمعات التي وقعت في قبضته باب في العنف لا يزال يزعزع مستعمراته بعدما غادرها لعقود.
وسياسية الجنوب وسياسة جبال النوبة، التي استنها الاستعمار الإنجليزي في السودان خلال الثلاثينيات، مثلان على عنف استعماري بسط بهما وقائع وحقائق معقدة عن الإقليمين ليديرهما برغمهما. فقرر أن أهل الجنوب وجبال النوبة أفارقة بينما شمال السودان عرب مسلمون ولا تلاقيا. ووضع بناء عليه سياسة تحوي الجماعتين في عرقهما وعقائدهما لتنأى بهما عن الشمال خشية الوقوع في حبائل ما أطلقوا عليه "سفاحية من الدرجة الثالثة". فلو تعربوا وأسلموا، بحسب المصطلح، كان ذلك بتأثير من شمال السودان الذي خضع قبلهم لتأثيرات من بلاد العرب المسلمين. فخرجوا من هناك إلى ما عرف بـ"سياسة الجنوب" و"سياسة النوبة" للحفاظ على القوام الأفريقي لهما صوناً لهم من السفاحية التي تتهددهم من خلطتهم بالعرب. وكان على الإنجليز ليقع لهم ذلك الاتضاح عن أفريقانية الجنوب وجبال النوبة أن يبسطوا حقائق المنطقتين وضرب العزلة عليهما عن الشمال لحد كاريكاتيري بارتكاب ما عُرف بالفبركة والنوستالجيا الاستعماريين، كما سنرى. وكان الجنوب وجبال النوبة مَن دفع ثمن ذلك الاتضاح الفادح كما اعترف الإنجليز أنفسهم ناهيك بتخليهما عن السياستين معاً في ما بعد.
لم يتأخر الإنجليز في بذر بذور سياسة الجنوب (عام 1930) التي أرادت جنوباً خالصاً من شائبة العربية والإسلام. فمنذ عام 1917 جعلوا الفرقة الاستوائية في الجيش جنوبية بالكامل لا أثر لشمالي فيها. وجاء الأكاديمي محمد عمر بشير بدافع للإنجليز لتبني سياسة الجنوب لم يرج في تحليل السياسة الإنجليزية في الجنوب على رغم خروجه بهذا الرأي منذ السبعينيات. فقال إن الإنجليز انزعجوا لاشتداد الحركة الوطنية السودانية في تضامن وثيق مع مصر شريكتهم في الحكم الثنائي. ولم يريدوا "تصدير" ذلك النازع الوطني للجنوب. فأصدروا قانون الجوازات عام (1922) الذي يمكن بمقتضاه أن يعلن الحاكم العام أية منطقة اتفقت له منطقة مقفولة فلا يدخلها من هو من ليس منها. وصدر بعده قانون المناطق المقفولة في عام 1922 الذي أعلن كلاً من دارفور والاستوائية وأعالي النيل وبعض أجزاء من شمال كردفان والجزيرة وكسلا مناطق مقفولة لا يدخلها سوداني آخر إلا بإذن من السكرتير الإداري. وشجعت الحكومة التجار الأغاريق والشوام ومن انتخبتهم من الشماليين للتجارة في الجنوب ومنعت من عداهم. وتركت التعليم والصحة للكنيسة. وأغلقت مدرسة في مدينة واو بمديرية بحر الغزال كان المنتظر أن تصير مثل كلية غردون في الخرطوم لمخاوف كيان التبشير المسيحي، الذي احتكر التعليم في الجنوب، منها.
أوضح ما تكون الفبركة الاستعمارية، التي قال بها الأكاديمي اليوغندي الأميركي محمود محمداني، في نهجهم لتبسيط حقائق محكوميهم كانت في مجال لغة التدريس. وعلى رغم حقيقة أن اللغة العربية كانت سبقت الإنجليز أنفسهم كلغة تواصل في الجنوب فإنهم قرروا العمل من دونها. فانعقد مؤتمر الرجاف خلال عام 1928 بين الحكومة والإرساليات ليقرر استبعاد اللغة العربية من التعليم وإحلال الإنجليزية واللغات المحلية مكانها. ولكن لم يسعهم مع ذلك التخلص من العربية بالكلية لحضورها على ألسن الناس. فتواصوا على أن تكون وسيط التدريس من دون حرفها العربي. فسيدرس التلاميذ بها بأبجدية رومانية. وأرادوا من ذلك ألا يفك الجنوبي أميته في العربية بتملك أبجديتها مما قد يسوقه إلى قراءة أدبيات عربية أخرى. وجاء وقت أقلقهم التعليم الكنسي نفسه لأنه مثل الإسلام يزعزع الجنوبي عن تقاليده.
وقامت سياسة الجنوب، التي خطها السكرتير الإداري هارولد ماكمايكل خلال عام 1930، على بناء الجنوب في سلسلة وحدات عرقية - قبلية مكتفية بما الجنوبيون عليه من تقاليد وعقائد لصد النفوذ العربي الإسلامي من مثل التخلص من اللغة العربية. وما صدرت سياسة الجنوب رسمياً خلال عام 1930 حتى بدأوا في بناء السد العالي بين الشمال والجنوب. فبدأوا بإبعاد التجار الشماليين ليحل الجنوبيون أو الكنيسة مكانهم. ولم يجد ذلك فتحولت الحكومة لتشجيع التجار غير المسلمين من الشوام والأغاريق للعمل في التجارة في الجنوب. وكانت تلك هزة للاقتصاد النقدي الذي قامت قاعدته على التجار الشماليين ممن عرفوا بـ"الجلابة". من جانب آخر، بدأت حملة ترحيل جنوب الحدود بين الشمال والجنوب منعاً للخلطة مع عرب البقارة. وفي السياق، أخلوا بلدة كافي كنجي التي كانت سوقاً جامعاً لعرب وجنوبيين، بل أعادوا الجنوبيين ممن سكنوا الشمال إلى الجنوب، ومنعوا الحركة عبر الحدود لأي من الطرفين إلا بترخيص "بطاقة مرور". ومن طرائف تلك السياسة أن كتب إداري إنجليزي لتجار عرب يمنعهم من بيع الملابس العربية، فطلب منهم تقصير العراقي (القميص) وأن يكون بلياقة ومفتوح من أمامه كما في أوروبا بخلاف ما عند البقارة من قمصان مفتوحة عند العنق فحسب. ومنع بيع الطواقي التي تلف حولها العمم. وهذا مما سماه الأكاديمي الهندي هومي بهابا ب"اللغو الاستعماري". وبلغ تطيرهم من المدينة الموبوءة بـ"الخلطة" حد أنه رحلوا مدرستين عن مدينة واو خوف أن يتأثر طلابها بثقافة المدينة الهجين. وسمى محمود ممداني هذا "الكتبلاس" ب"الفبركة الاستعمارية"
وأوضح دلائل تخوف الإنجليز من أن يكون الجنوب ميدان سفاحية إسلامية عربية في الدرجة الثالثة هو في منعهم زواج العربي من الجنوبية إلا بإذن من مفتش المركز. ومتى ولدت الأم نسبوا الذرية للأم لا للأب. ومن قرأ تاريخ العرب في السودان، ولماكمايكل كتاب من جزأين عنه، عرف سبب ذلك الأمر. فما زالت أقوى النظريات في تغلب العرب والإسلام في شمال السودان هي التي تعزوه لزواجاتهم المختلطة مع الأفارقة الذين وجدوهم على ضفاف النيل وغيرها. فتملك نسلهم من تلك الزيجات النوبة لعادتهم في توريث ابن الأخت. وغلبت هذه النظرية إلى يومنا مع أنه لم يعرف أن نوبة شمال السودان المسيحيين ممن استنوا عادة توريث ابن الأخت.
وفي الخواتيم لم تسعد سياسة الجنوب أهلها. فقال مفتش غرب بحر الغزال عن محصلة تعليم الإرساليات والحكومة إن "الأكبر مدعاة للخيبة عن حصيلة سياسة الجنوب هو فشلها في 10 أعوام في تأهيل طاقم جنوبي مدرب في العمل التنفيذي". وتحدث السكرتير الإداري للحاكم العام خلال عام 1944 عن مسؤوليتهم في تأخر الجنوبيين حيال جهلهم وخرافاتهم وفقرهم وسوء تغذيتهم، واعترف بأن جهودهم كانت شتاتاً بلا استمرار.
وواجه الإنجليز في جبال النوبة وضعاً أنكى من أن يأذن بالاتضاح الذي أرادوه من سياسة جبال النوبة. فالنوبة كأفارقة ليسوا على مبعدة كبيرة من العرب المسلمين كما كان الوضع في جنوب السودان. فالنوبة والعرب عاشا تاريخياً جنباً لجنب في نطاق جغرافي واحد. وكان الإنجليز عرفوا ذلك حتى قال جيمس جيلان، حاكم كردفان وصانع سياسة النوبة، إنهم كانوا في سباق مع الزمن بسياسة تريد الفصل بين النوبة والعرب مهما كلف بينما وشائج التواصل بينهما ممدودة. واستمرت السياسة مع ذلك لـ20 عاماً. وكان العزاء أنه إن كان لا بد من استعراب النوبة فتأخير حدوثه نفسه كسب كبير.
وكان الإنجليز أنفسهم في أول عهدهم من يسر للنوبة والعرب سلاسة الخلطة. فحين أخضع الإنجليز النوبة أنزلوهم عنوة من الجبال، التي اعتصموا بها خوفاً من النخاسة التي تعقبتهم تاريخياً، إلى السهل ليختلطوا مع العرب البقارة المسلمين. واطمأنوا لحياتهم الجديدة التي أخذهم فيها الإنجليز وكذلك بعض عرب البقارة لزراعة القطن لتحسين مواردهم. بل عمل بعض النوبة إجراء في مزارع العرب. وتجند بعضهم في الجيش، وبرزت قيمة النقود في مداولاتهم، وتيسرت الحركة من موضع إلى آخر بسبب تشييد الطرق. ونشأت بأثر ذلك مدن مثل كادقلي وتلودي التي قامت فيها مصانع لحلج القطن وصارت أسواقاً يردها الناس. وفتحت الحكومة مدارس على غرار ما في شمال السودان وسيط التعليم فيها العربية. وقامت فيهم محاكم شرعية للنظر في قضايا أحوالهم الشخصية فيحلف الواحد منهم على القران شهادة بصدق أقواله، ويتحدثون العربية من فوق لغاتهم المحلية الكثيرة.
ولكن سرعان ما أزعجت البريطانيين تلك الأوضاع التي تعرض فيها النوبة لتأثيرات عربية وإسلامية فسألوا، النوبة إلى أين؟ فهم هناك أيضاً لا يريدون للنوية سفاحية إسلامية وعربية من الدرجة الثالثة. فخرجت سياسة النوبة في تلك الملابسات. أوقفوا بها تجنيد النوبة في الجيش خارج مديرية كردفان حتى لا يأتوا من وجودهم في الشمال بـ"جرثومة" ثقافته. وألغوا المحاكم الشرعية في مدينتي الدلنج ورشاد. ومن أراد من مسلمي المدينة خدمة شرعية انتظر قاضياً سفرياً غير مقيم، وتربصوا بالنوبة الذين هاجروا للشمال لإعادتهم إلى جبالهم، وبلغوا من الفبركة مبلغاً مؤسفاً في خوفهم من أثر المدينة على النوبة حتى وهم في جبالهم، فقاموا ببناء قرى على مبعدة من المدن يأوي إليها النوبة بعد يوم عملهم في المدينة للحيلولة دون تأثرهم بكامل حياة المدينة.
وتفادي أثر المدينة على النوبة بمنعهم من المبيت فيها حتى لا يتعربوا المدينة كما مر مثل كلاسيكي فيما سماه الأكاديمي ريناتو روسالدو بـ"النوستالجيا الاستعمارية" خلال عام 1989 ناظراً إلى المفارقة العبثية في مثل ذلك الإجراء، فالاستعمار يغير بالفعل ما يزعم قولاً إنه حفيظ عليه، وحريص على استدامته. فبينما كان الجنوب وجبال النوبة يتغيران بسبب وجود الاستعمار سيداً عليهم يملي عليهم دقائق حياتهم تجده يسارع من جهة أخرى بمثل هاتين السياستين، يريد بهما احتواء التغييرات التي أطلقها من عقلها وتأثر بها أهل الإقليمين بما لم يسعد به.
ركز الإنجليز من جهة التعليم على النوبة الذين على الديانات التقليدية فحجبوا عنهم المدرسة الحكومية. واستعانوا بمدارس التبشير التي جاءت للنوبة منذ عام 1919 فدرست المسيحية، ووجدت عون الحكومة لمواصلة عملها. وتصالحت سياسة النوبة كما سياسة الجنوب مع حقيقة أنه لا مهرب لهم من استخدام العربية في مدارس النوبة المبتكرة. ولكنهم قرروا كما فعلوا في الجنوب أن يكتبوا الأصوات العربية بالحرف الروماني حتى لا يكون تعلم الحرف العربي بمثابة محو أمية ينتقل بها لقراءة أدبيات عربية أخرى، كما تقدم.
قال جيلان، كما رأينا، إن لم تنجح سياسة النوبة في هدفها في بناء فيدرالية نوبية تصد عنها التأثيرات العربية الإسلامية فإنهم عطلوا وقوعه هوناً، ولم يزد ذلك التعطيل عن كونه تعطيلاً لأجل التعطيل لأنه كان خصماً على تقدم النوبة في الأمة. فقال لهم الأنثروبولوجي "ف س نادل" الذي طلب الإنجليز نصحه حول سياستهم، إن منع النوبة من التجنيد في الجيش خرق لنازع رجولي فروسي غريزي فيهم وسيحرمهم من امتلاك ناصية هذه المؤسسة الرئيس في الدولة، وهو لا يزال يشكو منه النوبة.
لسنا نريد بإدخال الدولة الاستعمارية في دورة تحليل "أزمة" أو "فشل" الدولة العاقبة لها الاعتذار للأخيرة عن فحشها الحوكمي، بل لربما كان حساب هذه الدولة على أزمتها وفشلها أشد إيلاماً متى ما استصحبنا الدولة الاستعمارية في تشخيص محنتها. فأكثر عاهات الوطنيين في الحكم أنهم وضعوا يدهم على الدولة الاستعمارية المورثة وهرولوا بها. لم يطرأ لهم أن يفحصوا عتوها الذي شكوا منه وكانوا ضحاياه لينقوها من آليات شروره فيما عرف بـ"تفكيك المعرفة الاستعمارية". فارتجال الإنجليز خطتهم في الجنوب وجبال النوبة وفسادها حين بسطت التعقيد الذي يكتنف حقائهما مؤثرة سلامة الاتضاح لا يمكن أن يمر بغير أن يضع بصمة كأداء شقية على الدولة الموروثة عن الاستعمار. وصدق في بله الاتضاح وكساده قولنا عن الرجل الذي أضاع أمراً في مكان معتم، غير أنه راح يبحث عنه تحت عمود النور.
*للدكتور كمال عثمان صالح مقال قيم جداً في الإنجليزية عن سياسة جبال النوبة انتفعت به في كتابة هذه المقال. ومتى طلبته مرفقاً مع إيميلك إلى إيميلي (لا واتس) وصلك حباً وكرامة.
|
|