السودان بين السلام السلبي وضرورة العقد الاجتماعي كتبه الصادق حمدين

السودان بين السلام السلبي وضرورة العقد الاجتماعي كتبه الصادق حمدين


01-10-2026, 04:07 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1768061275&rn=0


Post: #1
Title: السودان بين السلام السلبي وضرورة العقد الاجتماعي كتبه الصادق حمدين
Author: الصادق حمدين
Date: 01-10-2026, 04:07 PM

04:07 PM January, 10 2026

سودانيز اون لاين
الصادق حمدين-UK
مكتبتى
رابط مختصر







لم تكن أزمة السودان، منذ تشكّله كدولة حديثة، أزمة أحداث طارئة أو صراعات معزولة، بقدر ما كانت أزمة بنيوية عميقة تتجدد بأسماء مختلفة وتحت ذرائع متغيرة. فما عاشته البلاد لم يكن سلاماً حقيقياً بقدر ما كان هدنة هشّة، أو ما يمكن وصفه بـ السلام السلبي؛ ذلك السلام الذي يقوم على غياب المواجهة المسلحة مؤقتاً، لا على معالجة أسبابها، فيتحول عند أول اختبار إلى حرب طاحنة قد تندلع لأبسط الأسباب.

فالسلام السلبي، في جوهره، هو سكون السلاح لا سكون النفوس، وغياب القتال لا حضور العدالة. هو سلام تفرضه موازين القوة أو التعب المتبادل، لا توافق الإرادات ولا الإحساس المشترك بالانتماء والمصير الواحد. ولهذا ظل السودان يدور في حلقة مفرغة: توقف مؤقت للحرب، يعقبه انفجار أعنف، لأن الجذور التي غذّت الصراع بقيت كامنة على السطح، تنتظر فقط الباعث الذي يحركها.

في المقابل، فإن السلام الإيجابي ليس حالة مؤقتة، بل هو بناء طويل الأمد، يقوم على العدالة، والمساواة، والاعتراف المتبادل، وتقاسم عادل للسلطة والثروة، وإدارة رشيدة للتنوع. إنه سلام يُنتج الاستقرار بدلاً من أن يستعيره، ويمنع الحرب بدلاً من أن يؤجلها. وهذا النوع من السلام لا يمكن أن يتحقق عبر المعالجات الأمنية أو الاتفاقات الجزئية وحدها، بل يتطلب تحولاً فكرياً وسياسياً عميقاً في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

هنا تبرز أهمية فلسفة العقد الاجتماعي كمدخل جاد لإعادة تأسيس الدولة السودانية. فالعقد الاجتماعي، في معناه الفلسفي والسياسي، ليس مجرد وثيقة قانونية، بل هو اتفاق صريح وواعي بين السلطة والمجتمع، يقوم على المنفعة التبادلية: يلتزم فيه المجتمع بمنح الشرعية والطاعة للقانون، مقابل التزام الدولة بحماية الحقوق، وضمان العدالة، وتوفير شروط العيش الكريم، دون تمييز أو إقصاء.

والفرق الدقيق بين العقد الاجتماعي والدستور يكمن في أن الأول هو الفكرة المؤسسة، والرؤية الجامعة، والإطار القيمي الذي يحدد لماذا وكيف نحكم أنفسنا، بينما الدستور هو الأداة القانونية التي تترجم هذه الفلسفة إلى نصوص ملزمة. فالدساتير التي لا تستند إلى عقد اجتماعي متوافق عليه تتحول إلى نصوص شكلية، قابلة للتعطيل والانتهاك، لأنها لم تولد من إرادة جمعية حقيقية، بل فُرضت من أعلى أو صيغت لخدمة موازنات قوة مؤقتة.

إن أزمة الدساتير في السودان ليست في عددها أو صياغتها اللغوية، بل في غياب العقد الاجتماعي الذي يمنحها الشرعية الأخلاقية والسياسية. فالدستور، مهما بلغت دقته، لا يستطيع وحده أن يصنع السلام الإيجابي، ما لم يكن تعبيراً عن توافق شامل لا يستثني مكوناً ولا يعزل جماعة، ويعترف بالتنوع الثقافي والعرقي والديني باعتباره مصدر ثراء لا تهديد.

من هنا، فإن التفكير خارج الصندوق لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية. فالتعايش السلمي بين مكونات السودان المختلفة لا يمكن أن يُبنى على المجاملات السياسية أو التسويات المؤقتة، بل على إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومجتمعاتها المختلفة، عبر عقد اجتماعي جديد، يؤسس لدولة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء لا رعايا، ومواطنون لا تابعون.

إن السودان لا يحتاج فقط إلى إيقاف الحرب، بل إلى تحرير السلام من سلبيته، وتحويله إلى مشروع وطني جامع. مشروع يبدأ بالاعتراف بالأزمة، ويمر عبر حوار شامل لا يقصي أحداً، وينتهي بدستور يعكس عقداً اجتماعياً حقيقياً، يكون ملزماً للجميع لأنه نابع من الجميع. وحده هذا الطريق، مهما بدا طويلاً وشاقاً، هو الكفيل بكسر دائرة الحروب المتكررة، وفتح أفق جديد لدولة مستقرة وعادلة.

الصادق حمدين