Post: #1
Title: علي حد السودان الجديد د. عبد الله علي إبراهيم أمام تناقضاته - ٢ 2-2 كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 01-10-2026, 12:12 PM
12:12 PM January, 10 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
9/1/2026 خالد كودي، بوسطن
ثانيًا: ما الذي تهدمه الحركة الشعبية مما بناه د. عبد الله علي إبراهيم ومن على شاكلته؟ عداء د. عبد الله علي إبراهيم للحركة الشعبية لا يقتصر على شخص عبد العزيز الحلو، ولا يُفسَّر بخلاف سياسي عابر، بل هو عداء لمنظومة قضايا تأسيسية تمسّ جوهر الدولة السودانية كما تشكّلت منذ 1956، وهي القضايا التي تمسّك بها الحلو ورفاقه وما زالوا، ورفضوا التنازل عنها. فالحركة الشعبية لا تطالب بإصلاحات داخل الدولة القائمة، بل تسعى إلى إعادة تأسيس الدولة نفسها على أسس جديدة، وهو ما يقوّض المشروع الفكري والسياسي الذي دافع عنه د. عبد الله طيلة عقود. ١/ العلمانية: شرط التأسيس لا بند التسوية رغم نقده المتكرر للإسلام السياسي، ظلّ د. عبد الله مدافعًا عن منطق "التسوية الثقافية" داخل الدولة القائمة، وعن إمكانية إصلاحها من الداخل دون المساس بأسسها الدينية–الأيديولوجية. في المقابل، طرحت الحركة الشعبية—وعبد العزيز الحلو ورفاقه تحديدًا—العلمانية بوصفها شرطًا تأسيسيًا للدولة الجديدة، لا مجرد بند تفاوضي أو صيغة توفيقية. ومن هنا يلجأ د. عبد الله إلى تفريغ المطلب من محتواه السياسي، عبر اختزاله في مقولة أن "العلمانية وفصل الدين عن السياسة وجهان لعملة واحدة"، في محاولة للاحتيال ولتحويل قضية تأسيس الدولة على الحياد الديني إلى نقاش لغوي معزول، بدل التعامل معها باعتبارها مدخلًا لإعادة تعريف المواطنة، والحقوق، والشرعية السياسية، والمستقبل. ٢/ تقرير المصير: من حق مؤجَّل إلى أداة تأسيس في مسألة تقرير المصير المشروطة، تتجلّى القطيعة الفكرية والأخلاقية بوضوح. يعترف د. عبد الله ب"الخيانة التاريخية" التي تعرّضت لها جبال النوبة والنيل الأزرق في اتفاقية السلام الشامل، لكنه يرفض ترجمة هذا الاعتراف إلى موقف سياسي راهن. فحق تقرير المصير، في منطقه، كان مقبولًا للجنوب لأنه غادر الدولة، لكنه يصبح خطرًا ومرفوضًا حين يطالب به من بقوا داخلها! أما عبد العزيز الحلو ورفاقه، فقد أعادوا تعريف تقرير المصير بوصفه أداة ضغط تأسيسية:
إما دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية تقوم على المساواة، وعدالة تاريخية تقوم على المواطنة أو حق تقرير المصير.
وهذا التحويل—من طلب تعويضي إلى أفق تأسيسي—هو تحديدًا ما يخافه د. عبد الله، ومن هم في فلكه لأنه يضع شرعية الدولة نفسها موضع مساءلة واختبار. ٣/ الديمقراطية واللامركزية مقابل دولة النخبة تقول الحركة الشعبية بوضوح إن الدولة السودانية منذ الاستقلال هي دولة نخبة مركزية، أدارت الحكم عبر الحرب، والإقصاء، والعنف البنيوي. وهي دولة لم تعرف الديمقراطية إلا كشعار، ولا اللامركزية إلا كتقسيم إداري فارغ من السلطة. يعترف د. عبد الله بوجود عنف، لكنه يرفض نسبته إلى بنية الدولة نفسها، مفضّلًا تفسيره بوصفه انحرافًا تاريخيًا أو أزمة ثقافية. ولهذا يغضب من طرح الحلو الذي يربط حمل السلاح بسدّ الدولة لكل مسارات العمل السياسي العادل، وحرمان الهامش من أي إمكانية ديمقراطية حقيقية داخل المركز! ٤/ العدالة التاريخية والجيش الجديد في قلب هذا الخلاف أيضًا تقف مسألة العدالة التاريخية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش. فالحركة الشعبية لا ترى في الجيش القائم مؤسسة وطنية محايدة، بل أداة عنف مركزي استُخدمت تاريخيًا ضد مجتمعات بعينها. لذلك تطرح مفهوم الجيش الجديد المرتبط بدولة جديدة، لا جيشًا يُعاد تدويره داخل البنية القديمة. هذا الطرح يصطدم مباشرة برؤية د. عبد الله ومن يشاطرونه الرأي، ممن يسعون إلى نقد الدولة دون تفكيك أدواتها الأساسية، وعلى رأسها الجيش، ودون الاعتراف بأن العدالة لا يمكن أن تكون انتقالية فقط، بل عدالة تاريخية تعيد توزيع السلطة، والموارد، والشرعية.
خلاصة القول هنا:
ما تهدمه الحركة الشعبية ليس سياسات عابرة، بل الأسس الفكرية والسياسية لدولة السودان القديم. ولهذا فإن عداء د. عبد الله لها ليس موقفًا نقديًا محايدًا، بل دفاعًا عن دولة يعرف أنها فشلت، لكنه يرفض القطيعة معها، ويرى في مشروع السودان الجديد—بكل ما يحمله من علمانية، ديمقراطية، لامركزية، تقرير مصير، وعدالة تاريخية—تهديدًا وجوديًا لما بناه هو ومن على شاكلته. ثالثًا: لماذا هذا العداء لعبد العزيز الحلو تحديدًا؟ لا يُفهم العداء الموجَّه لعبد العزيز الحلو بوصفه خلافًا مع قائد عسكري أو نتاج تباين سياسي عابر، بل باعتباره رفضًا مركّبًا لاتجاه ثوري أعاد طرح سؤال الدولة من خارج مركزها التاريخي، وكسر في الوقت نفسه احتكار النخب السودانية للمبادرة والقيادة وصناعة "المواقف الكبيرة". فشرعية الحلو، بوصفه رئيس الحركة الشعبية، لا تقوم على موقع تفاوضي داخل بنية سلطة مختلة، ولا على اعتراف نخبوي رمزي، بل على مشروع سياسي خضع للاختبار العملي، وعلى تجربة حكم بديلة تشكّلت في المناطق المحررة، حيث تحسّن—بدرجة كبيرة—الأداء المؤسسي والمعيشي مقارنة بمناطق خاضعة لدولة عجزت تاريخيًا عن إنتاج نموذج حكم عادل أو مستقر! إلى جانب العوامل السياسية والبنيوية، يتغذّى هذا العداء من حالة نفسية–ثقافية راسخة داخل النخب السودانية، اعتادت أن تكون هي مصدر المبادرات التاريخية، وصاحبة الحق الحصري في تعريف الوطنية، وصياغة الحلول، وتحديد سقوف الممكن. ومن هذا المنظور، لا يُنظر بعين الريبة فقط إلى مضمون مشروع السودان الجديد، بل إلى الجهة التي صاغته وقادته: الهامش، لا المركز. فأن تأتي المطالب التأسيسية—العلمانية، واللامركزية، وحق تقرير المصير، والعدالة التاريخية—من خارج الخرطوم، ومن خارج منظومة الامتياز الرمزي، يُحدث صدمة في وعي نخبة لم تتصالح بعد مع فقدان مركزيتها. وما يضاعف هذا التوتر أن طرح الحركة الشعبية، بقيادة الحلو، اتسم باتساق واضح بين الخطاب والممارسة، مقرون بقدرة على تسمية طبيعة الأزمة السودانية دون مواربة: دولة تأسست على الإقصاء، والمركزية القسرية، وتسييس الدين، واعتماد العنف العسكري كأداة سيطرة وإخضاع وحكم. ومن هذا التشخيص انطلقت المطالب لا كشعارات تفاوضية قابلة للتأجيل، بل كمدخلات تأسيسية للحل، جرى السعي لترجمتها—في حدود الإمكان—إلى سياسات إدارة محلية، وتنظيم مجتمعي، ونُظم تعليم وخدمات أكثر إنصافًا في المناطق المحررة. في المقابل، ظلّت مناطق سيطرة الدولة أسيرة تسويات جزئية، وفساد بنيوي، وهيمنة عسكرية مؤدلجة، تُدار فيها السياسة بالمواربة وتدوير الخطاب، لا بمواجهة الجذور. وهذا التباين العملي، إلى جانب الجرح النرجسي للنخب التي ترى نفسها مُقصاة عن مركز الفعل التاريخي، يفسّر حدّة الخصومة مع الحلو، لا بوصفه فردًا، بل بوصفه رمزًا لانكسار احتكار النخبة للمبادرة.... ومن هنا يصبح رفض الحلو للتسويات الغامضة—كما في اتفاق جوبا—موقفًا استراتيجيًا عقلانيًا، لا تعبيرًا عن عزلة أو تصلّب. فهو رفض لتقاسم سلطة لا تتغير طبيعتها، ورفض لتمثيل تضليلي للهامش عبر نخب مركزية يُعاد تدويرها، ورفض لاختزال التغيير في مناصب داخل بنية مختلة. وهذا المسار، القائم على البناء من الأسفل، يلتقي مع تجارب تحوّل سياسي معروفة عالميًا، حيث تراجعت شرعية المركز حين فشل في الإنجاز. لهذا يُعاد تقديم عبد العزيز الحلو ورفاقه، في خطاب خصومهم—وهم في جوهرهم خصوم مشروع السودان الجديد—بوصفهم "معتزلين للثورة" أو "مؤدلجين للسلاح"، في محاولة لإعادة ضبط ميزان الشرعية لصالح النخبة، عبر نزع الاعتراف عن فاعلٍ جاء من خارجها ونجح في ما أخفقت فيه. ولا يمكن فهم هذا الخطاب بوصفه نقدًا محايدًا، بل باعتباره استجابة دفاعية من نخب ترى في السودان الجديد تهديدًا لمصالحها المادية والرمزية، ولموقعها التاريخي كوسيط وحيد بين الدولة والمجتمع. وعليه، فإن الخصومة لا تتعلق بأشخاص وحسب، أو بخيارات تكتيكية، ولا بعبد العزيز الحلو بوصفه فردًا، بل بصراع تأسيسي على طبيعة الدولة ومن يملك حق تعريفها. فالحلو، بصفته رئيس الحركة الشعبية، يجسّد اتجاهًا يرى أن الدولة لا يمكن إنقاذها عبر تسويات تُدار من أعلى وتُعيد إنتاج البنية نفسها، بل لا بد من إعادة بنائها من أسفل، عبر الإنجاز الفعلي والسيادة المجتمعية. وهذا السؤال—الذي يهزّ بنية الامتياز النفسي والسياسي للنخبة—هو جوهر الصراع، لأنه يكشف حدود مشروع تقليدي استنفد قدرته على الاستمرار.
رابعًا: عن السلاح… ومن يُطالَب بالتخلي عنه؟ (اختبار الموقف وحدود الأمانة العلمية) يستدعي د. عبد الله علي إبراهيم مقولة مارتن لوثر كينغ: "لن تحارب الظلام بالظلام"، بوصفها قاعدة أخلاقية عامة لإدانة النضال المسلح في كل سياق. غير أن هذا الاستدعاء يعاني من اقتطاع تاريخي ومنهجي واضح، ويفتقر إلى الأمانة العلمية، لأنه يفصل المقولة عن شروط إنتاجها الفلسفية والدينية والمؤسسية، ثم يُسقطها إسقاطًا تعسّفيًا على واقع لا يشترك معها في أيٍّ من تلك الشروط. فمقولة كينغ لم تُصَغ في فراغ أخلاقي، بل في سياق أمريكي محدّد: دولة دستورية ليبرالية تقوم—نظريًا وعمليًا—على سيادة القانون، وتقرّ الحقوق المدنية في نصوصها المؤسسة، حتى وإن انتهكتها تاريخيًا في الممارسة. كما أن فلسفة كينغ "اللاعنيفة" كانت امتدادًا لتكوينه اللاهوتي البروتستانتي وإيمانه المسيحي بفكرة الخلاص، وتحويل الخصم أخلاقيًا داخل نظام يسمح—ولو ببطء—بإحداث التغيير عبر مؤسسات قابلة للمساءلة: محاكم، كونغرس، صحافة، رأي عام، ودستور يُحتكم إليه مرجعيةً عليا! لذلك لم يكن اللاعنف عند كينغ إنكارًا للعنف البنيوي ولا دعوةً للاستسلام، بل تكتيكًا أخلاقيًا–سياسيًا محسوبًا داخل نظام يمكن فضح تناقضه بين الدستور والممارسة وإجباره على التصحيح. إسقاط هذه المقولة على السياق السوداني يتجاهل حقيقة جوهرية: أن الدولة السودانية لم تُبنَ أصلًا على عقد دستوري ديمقراطي، ولا على مؤسسات قابلة للمساءلة، بل على إرث استعماري أعادت النخب المركزية إنتاجه عبر جيش مُسيَّس وعنف بنيوي موجَّه ضد مجتمعات الهامش. في هذا السياق، لم يكن العنف خيارًا أخلاقيًا في مقابل اللاعنف، بل أداة حكم مركزية: قصف جوي، تطهير عرقي، تهجير قسري، مليشيات، وحصار... ومن ثمّ، فإن استدعاء كينغ خارج شروطه ليس قراءةً أخلاقية امينة، بل توظيف انتقائي يُجرِّد ضحايا العنف البنيوي من حقهم في المقاومة، مع إبقاء عنف الدولة خارج المساءلة! ده كلام ده؟ ويزداد الخلل وضوحًا عند النظر إلى تفاوت درجات ووسائط العنف منذ 1956. ففي الوسط والشمال غلب القمع بالأدوات المدنية: القوانين الاستثنائية، الاعتقال، الفصل التعسفي، والعنف الانتقائي. أما في الهامش، فقد عوملت المجتمعات بوصفها عدوًا خارجيًا، باستخدام أقصى العنف العسكري: القصف والمدفعية الثقيلة والمليشيات—كما لو كانت الدولة في حرب مع دولة أخرى. وليس هذا توصيفًا إنشائيًا، بل سجلًّا متصلًا من الجرائم البنيوية: دارفور، جبال النوبة، النيل الأزرق، التهجير القسري، إحراق القرى، و"قرى السلام" بوظيفتها القسرية لإعادة هندسة المجتمع. هنا يُوضَع موقف د. عبد الله علي إبراهيم أمام اختبارٍ أخلاقي وسياسي حاسم:
لماذا يُطالَب الضحايا بالتخلّي عن وسائل مقاومتهم، بينما لا تُطالَب الدولة—بالوضوح والحِدّة نفسيهما—بالتوقّف الفوري عن عنفها البنيوي؟ لماذا يُفرَض معيار اللاعنف على الهامش وحده، في حين يُترَك عنف الدولة بلا شروط ولا سقوف؟ بل لماذا يُبرَّر هذا العنف أو يُؤيَّد صراحةً باسم "هيبة الدولة"؟ إن كان الهدف المعلن حماية المدنيين، فإن المنطق الأخلاقي يبدأ بوقف آلة العنف المركزية التي تُنتج الحرب أصلًا، لا بنزع قدرة الضحايا على الدفاع عن أنفسهم في ظل استمرار القصف والحصار والإبادة. تحويل اللاعنف إلى موعظة تُلقى على المقهورين، مع الصمت عن مصدر العنف، ليس أخلاقًا؛ بل احتيالٌ أخلاقي. وعليه، فالإشكال هنا لا يكمن في نقد عسكرة السياسة بوصفها ظاهرة عامة، بل في ازدواج المعايير التي تحكم هذا النقد حين يُدان سلاح الهامش ويُحيَّد عنف الدولة عن المساءلة. إن إدانة المقاومة المسلحة، مقرونةً بتبرئة المركز من مسؤوليته التاريخية عن إنتاج الحروب، تقوم على افتراض زائف مفاده أن "المدنية" يمكن أن تقوم داخل بنية دولة لم تُفكَّك، ولم تُحاسَب، ولم تعترف بجرائمها، بل ولم تؤسّس أصلًا لمواطنة متساوية. في هذا السياق، لا يتحوّل الخطاب إلى مساءلة أخلاقية للعنف، بل إلى إعادة إنتاج لامتياز أخلاقي مركزي يسمح لمن لم تُقصف قراه، ولم تُحرق حقوله، أن يطالب الضحايا بالصبر والانتظار إلى أجل غير مسمّى... بهذا المعنى، لا يمثّل موقف د. عبد الله علي إبراهيم حيادًا أخلاقيًا ولا تحليلًا علميًا منضبطًا، بل انحيازًا صريحًا—وإن جرى تمويهه بلغة الحكمة—إلى طرف العنف القائم. فعندما يُطالَب ضحايا العنف البنيوي باللاعنف وضبط النفس، في الوقت الذي تُعفى فيه الدولة والجيش من أي التزام بوقف القتل أو تفكيك أدواته، ينتقل الخطاب من موقع النقد إلى موقع التبرير السياسي لعنف السلطة. وهذا ليس توازنًا أخلاقيًا، بل اصطفاف واضح إلى جانب القوة المسلحة، مُغلَّف بمواعظ عامة عن الأخلاق ولو أُسقِط هذا المنطق على التاريخ الأمريكي، لكان إدانةً مباشرة لمقاومة العبودية ولنضال الحقوق المدنية نفسه. فمارتن لوثر كينغ لم يكن داعية استسلام، ولم يطالب السود بانتظار "تحسّن أخلاق" الدولة أو الجيش؛ بل رفض صراحة خطاب التدرّج المريح الذي يتذرّع به أصحاب الامتياز، واعتبر أن العدالة التي يُطلب منها أن تنتظر ليست عدالة، وأن مطالبة المقهورين بالهدوء فيما تستمر آلة القمع ليست حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في الجريمة.
خاتمة: المواجهة التي لا مفرّ منها لم يعد الخلاف مع د. عبد الله علي إبراهيم—ومن هم على شاكلته من حراس دولة 1956—خلافًا في التأويل أو في زاوية النظر، بل مواجهة فكرية وتاريخية مفتوحة بين مشروعين لا يلتقيان. فخطاب عبد الله، مهما بدا نقديًا في لغته، يظلّ في جوهره خطاب إنقاذ متأخر لدولة منهارة، ومحاولة يائسة لإعادة شرعنة نخبة فشلت في بناء وطن، ثم تسعى اليوم إلى تعطيل ولادته الجديدة عبر الاحتيال البلاغي، والمناورة الأخلاقية، والتخويف من التغيير الجذري. في المقابل، لا تطرح الحركة الشعبية – شمال، ولا رؤية السودان الجديد، نفسها بوصفها ردّ فعل أو مزايدة أيديولوجية، بل باعتبارها قطيعة واعية مع تاريخ كامل من الفشل. إنها رؤية لا تفاوض على أسسها، ولا تخضع لمحاولات الاحتواء التي أتقنتها النخب المركزية منذ الاستقلال: علمانية تُنهي توظيف الدين في الدولة، ديمقراطية تُنتزع ولا تُمنح، لا مركزية تفكك احتكار السلطة، وحق تقرير المصير كضمان تأسيسي لوحدة طوعية، لا كتهديد لها. إن ما يزعج د. عبد الله ومن يشبهه ليس "تطرف" هذه الرؤية، بل تفوقها الأخلاقي والسياسي، لأنها تضع الجميع أمام سؤال لا مهرب منه:
هل نملك الشجاعة لهدم الدولة التي قتلت شعبها، وبناء دولة جديدة تكفل المواطنة على أساس العدالة التاريخية؟ أم سنواصل الهروب إلى اللغة، وإلى نقد السلاح، وإلى المواعظ، بينما تتآكل البلاد؟ لقد أثبت الواقع، لا الخطابة، أن ما تحقق—ولو نسبيًا—في المناطق المحررة من تنظيم مجتمعي، وعدالة محلية، وإدارة أقرب للناس، يفوق ما أنتجته عقود من حكم النخب المركزية في مناطق سيطرتها، حيث لم تُبنَ دولة، ولم تُصنَع مواطنة، ولم يتشكّل جيش وطني، بل جرى توارث العنف وإعادة تدوير الفشل. من هنا، فإن السودان الجديد ليس وعدًا مؤجلًا، ولا شعارًا تعبويًا، بل مشروع دولة متكامل:
دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية، تضمن حق تقرير المصير، وتؤسس للمواطنة عبر العدالة التاريخية، وتعيد بناء الجيش بوصفه جيشًا وطنيًا جديدًا، لا أداة قمع ولا حارسًا لامتيازات نخبة. وكل محاولات الالتفاف على هذا المشروع—سواء باسم الأخلاق، أو الواقعية، أو الخوف على "الوحدة"—لن تغيّر من الحقيقة الأساسية:
السودان القديم انتهى، مهما طال موته، والسودان الجديد يتقدّم، مهما اشتدّت مقاومته.
والتاريخ، في لحظات التحوّل الكبرى، لا ينحاز للغة الأذكى، بل للرؤية الأصدق، وللمشروع الذي يملك الشجاعة أن يولد من الرماد.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|