إضافة سمير امين لنظرية التراكم العالمي وأثرها على اقتصاد التنمية (2- 6) كتبه محمود محمد ياسين

إضافة سمير امين لنظرية التراكم العالمي وأثرها على اقتصاد التنمية (2- 6) كتبه محمود محمد ياسين


01-10-2026, 01:12 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1768007523&rn=0


Post: #1
Title: إضافة سمير امين لنظرية التراكم العالمي وأثرها على اقتصاد التنمية (2- 6) كتبه محمود محمد ياسين
Author: محمود محمد ياسين
Date: 01-10-2026, 01:12 AM

01:12 AM January, 09 2026

سودانيز اون لاين
محمود محمد ياسين-السودان
مكتبتى
رابط مختصر





فى نقد النظرية الاقتصادية الحالية، الاقتصاد الكلاسكى الجديد (neo-classical economics)، وأدواتها المفاهيمية

يبين امين أن خطأ اقتصاد التنمية يكمن في الاعتماد على الاقتصاد الكلاسيكي الجديد (neo-classical economics) وبشكل خاص اهمال نظرية القيمة (labour theory of value)، وبدلا عنها استخدام القيمة الذاتية/ المنفعة الحدية (marginalism) في التحليل الاقتصادي.
 
إن أمين يعطى اهتماما خاصا لنقد النظريات الاقتصادية السائدة، بالتحديد النظرية الحدية(marginalism) وكيف أنها تمثل الأساس النظري لاقتصاد التنمية الجامعي؛ ولكى يُفهم موقفه من هذا الموضوع، نشير الى أن النظرية الحدية نظرية اقتصادية تعتنى بتحليل القيمة والسعر واتخاذ القرار بناء على المنفعة أو التكلفة الإضافية (الهامشية) لاستهلاك أو إنتاج أو استخدام وحدة أخرى أو (إضافية) من سلعة أو مورد؛ وباختصار، ان الحدية تركز على التغييرات التي تحدث على الهامش، بدلا على أساس أجمالي لفهم الخيارات وتأثيرات السوق. بينما يفسر الاقتصاد الكلاسيكي القيمة من خلال إجمالي العمل أو التكلفة المتجسدة في السلعة، يفسر الاقتصاد الكلاسيكي الجديد القيمة من خلال المنفعة الحدية (الإشباع الإضافي) التي توفرها الوحدة الأخيرة من السلعة.* وتتناقض الحدية مع نظرية القيمة الماركسية التي تؤكد أن القيمة الاقتصادية الحقيقية للسلعة يتم تحديدها من خلال مقدار وقت العمل الضروري اجتماعيا (socially necessary labour) المطلوب لإنتاجها ، وليس من خلال العرض والطلب أو المنفعة الحدية.

والحدية عنصر أساسي في الاقتصاد الكلاسيكي الجديد (neoclassical economics)، اذ تُميزه عن الاقتصاد الكلاسيكي من خلال تقديم مفهوم اتخاذ القرارات على أساس الهامش، مثل المنفعة الحدية (marginal utility) والتكلفة الحدية(marginal cost) وان هذا التحول الأساس يفسر كيف يتخذ الأفراد والشركات الخيارات بناء على الفائدة أو التكلفة الإضافية لوحدة أخرى من سلعة أو خدمة.

يرى أمين أن العلاقات بين تشكيلات العالم "المتقدم" -المركز- وتلك الموجودة في العالم "المتخلف، الأطراف"، تتأثر بنقل القيمة (value)، وهى تشكل جوهر مشكلة التراكم على الصعيد العالمي. وكلما دخل نمط الإنتاج الرأسمالي في علاقات مع أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية، ويخضعها لنفسه، تتم عمليات نقل القيمة من التشكيلات ما قبل الرأسمالية إلى التشكيلات الرأسمالية، نتيجة لآلية التراكم البدائي. هذه الآليات لا تنتمي فقط إلى عصور ما قبل تاريخ الرأسمالية؛ انها معاصرة أيضا. هذه الأشكال من التراكم البدائي، المعدلة ولكنها مستمرة لصالح المركز، هي ما يشكل مجال عمل نظرية التراكم على نطاق عالمي. وهذه، في الواقع بالضرورة مسألة نظرية. فإن المنهج الوضعي التجريبي (empirical positivist) الذي يكتفي بوصف الحقائق ومحاولة قياس مد وجزر القيمة غير قادر على استيعاب أكثر من المظاهر (appearances)، اذ لا يمكنه كشف التحولات الخفية وجوهر قوانين التراكم على المستوى العالمي. هذا التحليل النظري لم يتم انجازه بشكل موسع. وأمين يبحث في المفاهيم الأساسية التي تجعل من الممكن بناء نظرية للتراكم. وان هذه النظرية لا يمكن أن تكون نظرية (اقتصادوية-economistic)، لأن الاقتصادوية (economism) لا تسمح بتجاوز تحليل الديناميكيات الظاهرة لعمل نمط الإنتاج الرأسمالي، وبالتالي لا تُمكن من فحص العلاقات بين تشكيلات ذات أنماط اقتصادية مختلفة والتي تندمج في نفس النظام العالمي؛ ولتأطير الأسئلة الصحيحة، فقد مال الكاتب لأن تكون البداية الانطلاق من تقويم النظرية الحالية للتخلف لكشف عجزها. - امين،1974، ص. ص. 3 و4.

يقول أمين انه منذ عام 1870 ، فان الحدية المنتصرة اضطلعت بنفسها بمهمة العمل على انتاج علم اقتصادي "نقي" ، أو بتعبير أدق، علم مستقل عن جميع العلوم الاجتماعية الأخرى. يجب أن يكون هذا العلم الاقتصادي "النقي" بالضرورة غير تاريخي، لأن القوانين التي يسعى إلى اكتشافها يجب أن تكون صحيحة ومطلقة مهما كان نوع النظام الاقتصادي والاجتماعي. وبالتخلي عن النظرة الشاملة التي قدمتها الماركسية - بتحطيمها الجسور التي أرستها بين مختلف فروع العلوم الاجتماعية في محاولتها لشرح التاريخ – انشأ الاقتصاد الكلاسيكي الجديد، أولا وقبل كل شيء، جبرا (algebra) من الاستنتاجات المنطقية من عدد معين من البديهيات القائمة على علم نفس سطحي ل "الإنسان الأبدي". ان الأدوات المفاهيمية لهذه النظرية الاقتصادية "النقية" أو الخالصة تقع على مستوى من التجريد يجعلها عديمة الفائدة لتحليل عمل الآليات التي تحرك أي مجتمع بما فيها تلك التي تقع في مضمار الاقتصاد. يتم وضع المفاهيم الأساسية خاصة القيمة الذاتية (subjective value) على أساس مجموعة من البديهيات المتعلقة بسلوك روبنسون كروزو في جزيرته: الإنسان (في عزلة فردية) وجها لوجه مع الطبيعة، وأصبح الاقتصاد علم علاقات الإنسان بالأشياء (الرغبات والندرة). لكن عندما يشكل الناس مجتمعا قائما على علاقات بينهم وينخرطون في الإنتاج وتوزيع الثروة بينهم (المجال الحقيقي لعمل الآليات الاقتصادية في المجتمع)، يتم تفادى هذه العلاقات من قبل النظرية الحدية منذ البداية. وعلى هذا الأساس، تُعّرِف الحدية المفاهيم الميتافيزيقية والمطلقة وغير التاريخية، مثل الادخار والاستثمار ورأس المال كأشياء....التي من المفترض أن توجد خارج أي تنظيم: أي مهما كان نمط الإنتاج في المجتمع.- أمين، 1974، ص. ص.5 و7

عندما تنزل هذه المفاهيم المجردة الى الواقع الأرضي - المجتمع الحقيقي - يتم تكييفها قدر الإمكان عن طريق الأساليب التجريبية المبتذلة التي تنظر لترابط الظواهر على مستوى المظاهر المباشرة: يعتمد الادخار على الدخل والاستثمار على توقعات رجال الأعمال (على مقدار التفاؤل في طبيعتهم!)، وهلم جرا. علاوة على ذلك ، بما أن بديهيات كروزو من حيث تعريفها على انها العقلانية المطلقة للسلوك الاقتصادي، فان هذا السلوك يمتد من كروزو إلى جميع (الفئات الاقتصادية)، وصار النظام يمثل العقلانية الخالصة. إن البناء النظري للحدية بأكمله مبني على هذه الحشو البشع (monstrous tautology)، وبالتالي فهو ليس سوى أيديولوجية، دون أي شيء علمي فيها (أيديولوجية التناغم العالمي). لقد أصبح كل جزء، من هذا (العلم الاقتصادي) عقلاني لمجرد وجوده ويستند في حد ذاته على التوسل بالأسئلة المستمدة من ذلك الحشو. هذا هو الحال مع نظرية كمية النقود (quantity theory money) ونظرية المزايا النسبية في التجارة الدولية (theory of comparative advantages in international trade) ونظرية التوازن في ميزان المدفوعات (balance of payments equilibrium) الخ. بالتالي فان هذه النظريات يظهر ضعفها الداخلي بطريقة أكثر وضوحا في حالة الاقتصادات المتخلفة، لأنها لا تفسر حتى الحقائق الواضحة، لأنها ببساطة خاطئة. وبناء على ذلك، فان دراسة التخلف (study of underdevelopment) بإعادة دمج الأجزاء في بنية هيكلية شاملة، تساعد على فهم اعمق لعجز وزيف المفاهيم الحدية التي يجردها نهجها من مفهوم البنية. يتحدث الاقتصاد الجامعي الحالي عن الهياكل، بصيغة الجمع (التقنية ، والديموغرافية ، والعلاقة الداخلية للمؤسسة، الخ) ، كحقائق أمبريقية (empirical) لا ترابط بينها، وبدون أي صلة النظرية كمفهوم، التي تظل (عامة). وهكذا فهي تمنع نفسها منذ البداية من اثارة مسألة ديناميكية الأنظمة (تحول البُنى)، بل حتى تستبعدها من مجال دراستها، واصفة إياها بأنها مسألة متروكة للمؤرخين. كما أنها تمنع نفسها إثارة السؤال الحقيقي حول التخلف، أي كيف بدأ تاريخيا.- أمين، 1974، ص. ص. ص. 5 و6.

لكن الانشغال بأيديولوجية التناغم العالمي يجبر (العلوم الاقتصادية) على ارتداء ثوب "نظرية التوازن العام "general equilibrium"؛ ونظرية التوازن العام تستبعد ان الاستغلال يفسر الربح، الذى تعتبره مجرد (دخل) من بين عوامل أخرى، وان نماذج التوازن (equilibrium models) القائمة على مبدا ان الاقتصاد يميل بشكل طبيعي نحو التوازن، هي ما تفسر الربح.

ان نظرية التوازن العام تكون بالضرورة ثابتة ( static) بمعنى أن التقدم والتغيير ينظر إليهما على أنهما ينشآن خارج النظام. وعليه تختفي الديناميكية الداخلية - التراكم - التي هي جوهر النظام الرأسمالي. هذا هو السبب في أن الحدية تقوم بإنجاز إبعاد الربح من مخططها. لم يعد الربح حتى كمجرد ( دخل لأحد العوامل): يختفى لأنه لم يعد سوى (الفرق بين أي دخل كما هو في الواقع وما سيكون عليه في الوضع النظري للتوازن العام للنظام الاقتصادي ككل). وبالتالي فإن كل المداخيل - الأجور والإيجار والفوائد - تحتوي على (القليل من الربح). من الواضح أن افتراض (الرأسمالية الثابتة) التي يقوم عليها هذا البناء بأكمله غير واقعي: لا يمكن أن يؤدي إلى أي مكان سوى نظرية خاطئة، لأنها ستبدأ بالقضاء على الظاهرة الأساسية.

ان إعادة دمج مفهوم الربح على رأس المال في النظرية الاقتصادية يعني التخلي عن مفهوم الحدية الخاص ب (إنتاجية العوامل)، لأنه يتطلب إعطاء مفاهيم (الادخار) و (الاستثمار) و (رأس المال) و (الربح) بعدها التاريخي وفهم الروابط العميقة التي تربط بين هذه المفاهيم في نمط الإنتاج الرأسمالي. كما يعنى ان نتوقف عن الخلط بين هذه المفاهيم في النظام الرأسمالي والمفاهيم الأخرى التي تنتمي إلى أنماط الإنتاج الأخرى (ما قبل الرأسمالية مثلا)؛ وأن نفهم، على سبيل المثال، أن الادخار أو "الاكتناز (hoarding) في المجتمعات ما قبل الرأسمالية ليس كالادخار (أو الاكتناز) الخاص بنمط الإنتاج الرأسمالي. عليه فان التحليل الصحيح يبدا بتجاوز المظاهر(appearances) ومن ثم تحليل أصل وتوليد الفائض الذي يُستمد منه الربح. – امين، 74، ص. ص. 6 و7

يقر امين ان نظرية القيمة يجب ان تكون موضوعية - أي اجتماعية- في طابعها، ولا تستند إلى الحشو الذاتي (subjective tautology) ان الوصول الى أقصى درجات تدهور علم الاقتصاد يحدث عندما يتوقف الناس تماما عن فهم الحاجة الملحة إلى (نظرية للقيمة)، التي عندما تتلاشى تفسح المجال للملاحظة الامبريقية (subjective observation) للمظاهر ("الأسعار تعتمد على العرض والطلب - الدخل والوقت الخ "، أو بعبارة أخرى، على كل شيء)، وتترك النظرية على أنها تعني ما يمكن تلخيصه في العبارة البسيطة والضحلة جدا في عبثها العاجز: (كل شيء موجود في كل شيء آخر)- امين، 74، ص. ص. 7و8.

وعبارة (كل شيء موجود في كل شيء آخر) التي أوردها أمين في نقد اقتصاد التنمية السائد، تمثل عمقا فكريا مميزا في نقد الاقتصاد النيو كلاسيكي ، وخصوصا اقتصاد التنمية. والعبارة تعنى الميل إلى تفسير الظواهر عبر تجميع عدد كبير من العوامل المتنوعة(سياسية، ثقافية وتعليمية وسكانية وإدارية؛ وتلك التي تتعلق براس المال والتكنولوجيا والقيم الاجتماعية) ووضعها جميعًا في مستوى واحد من الأهمية والتأثير. وبالتالي فأن هذا التناول يفضي إلى نوع من التساوي غير المبرر بين المتغيرات، بحيث تتحول العلاقات السببية إلى شبكة متداخلة لا تمييز فيها بين الأسباب الجوهرية والعوامل الثانوية. وهكذا، فانه وفق منهج ( كل شيء في كلّ شيء)، يصبح التحليل قائمًا على فرضية ضمنية مفادها ان كل عامل قادر على تفسير كل عامل آخر، وأن
الظواهر الاقتصادية تُرد إلى منظومة من التأثيرات المتبادلة دون وجود مركز ثقل نظري أو قانون مادي محدِّد.

كما ان هذا المنطق غير العلمي يلغى أي سببية ذات تراتبية، ويفضى الى تحليل (نقطي) او (تجزيئي) يعتبر ان الاقتصاد السائد يقوم على منهجية تعزل الظواهر الاقتصادية عن سياقها التاريخي والطبقي ودراستها كوحدات منفصلة تعمل في فراغ، وكأنها ثابتة لا تاريخ لها. والتحليل التجزيئي يعبر عن رؤية منهجية في الاقتصاد السائد ( تُقصي التاريخ ، وتستبدله بنماذج محلية-جزئية) تفتقر إلى منظور كلي حول ديناميات التطور والنتيجة انتاج معرفة مبعثرة وعاجزة عن تفسير التطور التاريخي واللامساواة البنيوية بين الدول.

ان امين اراد القول بان المنهجية التجزيئية التي تفصل عناصر العملية الاقتصادية عن بعضها البعض، تتجاهل العلاقات الكلية بين البنية الاقتصادية العالمية، وخاصةً علاقة المركز بالأطراف.

في المقابل، يستند أمين على المنهج الماركسي بوصفه منهجًا بنيويًا-تاريخيًا يعترف بالتعقيد وتناقض وتعدد وتشعب العوامل، ولكن مع التأكيد على وجود قانون موضوعي يحكم الحركة الاقتصادية والاجتماعية. وهذا القانون يتمثل، في التحليل الماركسي الذى يؤكد على مركزية قانون القيمة بوصفه آلية إنتاج الفائض وتوزيعه وإعادة تركيبه داخل علاقات الإنتاج الرأسمالية.

وبذلك يرى أمين أن فهم التخلف لا يمكن أن ينفصل عن فهم كيفية توليد القيمة وكيفية انتقالها على الصعيد العالمي، او عن موقع البلدان في التقسيم الدولي للعمل وتفاوت قدرة الاقتصادات على البقاء داخل أو خارج منطق التراكم الرأسمالي الموسع.
------------------------
* يختلف تعريف قيمة السلعة بين الاقتصاد الكلاسيكي والاقتصاد الكلاسيكي الجديد (neo-classical). ففي حين يعتبر الاقتصاد الكلاسيكي ان القيمة تحددها تكلفة الإنتاج، يركز الاقتصاد الكلاسيكي الجديد على منفعة المستهلك وحدود المنفعة (المنفعة الحدية) لتحديد القيمة باعتبار ان القيمة تعكس الرغبة والندرة، وتتحدد في السوق عبر التفاعل بين العرض والطلب الذاتي للمستهلك.