Post: #1
Title: جرائم الاختطاف بين فنون التكنولوجيا ونبوغ العقل البشري كتبه حسن أبوزينب عمر
Author: حسن ابوزينب عمر
Date: 01-09-2026, 10:28 AM
10:28 AM January, 09 2026 سودانيز اون لاين حسن ابوزينب عمر-السودان مكتبتى رابط مختصر
من بات على قناعة تامة لا تهتز بأن جريمة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من قصره في 3 يناير 2026 هي قمة التخطيط وعبقرية التنفيذ فليراجع حساباته لان الذي حدث قبل 4 أيام و7 أشهر و60 عاما هو أكثر دقة وأمضى حنكة وهو المعنى باختطاف النازي أدولف إيخمان من الأرجنتين في 11 مايو عام 1960 من قبل فرقة من الموساد الإسرائيلي ليواجه مصيره الحتمي وهو الموت شنقا من قبل محكمة إسرائيلية خاصة عام 1962. اذا كان الفارق الزمني بين العمليتين هو 60 عاما بالتمام والكمال فان القاسم المشترك الأعظم بينها هي الجاسوسية والطابور الخامس ولكن دائما يبقى العامل الحاسم بين العمليتين فجريمة اختطاف مادورو تمت بتكنولوجيا متطورة مسنودة بقوة عسكرية مدربة عملت بمهنية عالية أما عملية اختطاف إيخمان فقد لعب فيها الذكاء والمكر والدهاء البشري دورا محوريا بعيدا عن فنون التكنلوجيا ودقة وكثافة النيران الموجهة . جريمة رودولفو كما تقول أمريكا هو ادارة كارتيل لتهريب المخدرات اما جريمة أدولف إيخمان أنه كان أحد مهندسي المحرقة اليهودية (الهولوكوست) بعد التحاقه بوحدات النخبة إس إس ثم بالشرطة السرية (الجستابو) وأصبح من قادة الجهاز ومن المسؤولين عن ملف اليهود حيث أكدت مضابط محكمة نورمبرج لمحاكمة النازي على دوره الرئيسي . (2) اعتقلته القوات الأمريكية في نهاية الحرب العالمية الثانية ولم تعرفه حيث ادعى أنه أوتو إيخمان، ونجح في الهروب من الأسر عام 1946 فاتجه بداية الى ايطاليا ولكنه نجح في الفرار وأسرته إلى الأرجنتين عام 1950 . وقتها كون الموساد الاسرائيلي فرق خاصة لملاحقة أفراد النازي الذين تورطوا في فظاعات حرق اليهود في أفران الغاز قبل اختفاءهم في المانيا بهروب جماعي معظمهم الى أمريكا الجنوبية ولكن تظل عملية اختطاف إيخمان الأكثر اثارة للدهشة مما تحويه من مشاهد خارقة تعجيزية غير مسبوقة فوق الوصف .ضمت الرجل وزوجته وأبنائه حياة هادئة في منزل مستأجر في الريف الارجتيني ليكون بعيدا عن أعين الناس بعد التحاقه مراقباً للعمال بمصنع مرسيدس بينز في العاصمة بوينس أيرس تحت اسم ريكاردو كليمنت. (3) في عام 1960 وخلال نقاش عادي في حانة مع بعض ذويه الألمان الهاربون انفعل أحد أبنائه وبصورة بريئة متباهيا ان والده إيخمان لم يكن شخصية هامشية في الرايخ الثالث بل صاحب انجازات حضارية خالدة في الفتك باليهود دون أن ينتبه بوجود (سوسة) يهودية سرعان ما التقطت الخيط ونقلته على جناح السرعة الى مركز الموساد في تل ابيب وكانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير والتي دفع لاحقا ثمنها غاليا فقد نجح الموساد في اقتفاء أثره في الأرجنتينمع ربطالأحداث ولكن تبقى علامة الاستفهام حائرة فكيف التنفيذ ؟ . ولمزيد من التأكد من شخصية الهارب إيخمان فقد جائت التوجيهات بتشييد منزل مجاور لمنزله لمتابعة نشاطه وحياته بكاميرات دقيقة كانت تلتقط كل حركة داخل البيت منذ بزوغ شمس كل صباح وحتى انطفاء الأنوار بخلود الأنفس للنوم ثم يتم عرض الصور اليومية ليهود عاصروا حكم النازي وفي كل يوم تتزايد الشهادات بأن الرجل الذي كان يعيش حياة هادئة ولم يختمره شك بأنه مراقب من جاره ويغادر منزله صباحا مترجلا حتى موقف الحافلات في طريقه للعمل هو أقرب الى المجرم المطارد حتى حل اليوم المؤكد على رؤوس الأشهاد مخرصا كل المتشككين بأنه أدولف إيخمان وليس ريكاردو كليمنت فقد جاء ذات يوم حاملا اكليلا من الورد ومع ربط الأحداث تأكد بأن ذلك اليوم يصادف وبشهادة الجميع تاريخ زواج إيخمان ..ولكن تبقى أيضا علامات الاستفهام الحائرة كيف سيتم القبض عليه وكيف سيتم نقله سرا الى تل أبيب للمثول أمم المحكمة ؟ هنا يتجسد المكر والدهاء والخداع في أبهى صوره فقد قرر فريق الموساد القادم من اسرائيل خصيصا للمهمة وكان يضم ثمانية أفراد بقيادة رافائييل إيتان، الذي يعتبر من مؤسسي جهاز الاستخبارات الإسرائيلية ايقاف سيارتهم على الشارع وكان ذلك في أمسية 11 من مايو 1960 كان بحكم انها معطوبة وحفروا حفرة عميقة بجانبها . (4) جاء الرجل المخدوع وكان آخر من يعلم بالخطة الجهنمية فاقترب منه أثنان وطلبوا منه مساعدتهم في التعرف على العطل فما ان لبى النداء واقترب للمساعدة حتى ألقوه داخل الحفرة العميقة وشدوا ضمادة سوداء على عينيه وألقوه داخل السيارة ثم انطلقوا هاربين الى منزل مستأجر تم اعداده من قبل وهناك نزعوا منه كل ملابسه وجعلوه عاريا كما ولدته أمه وكان أول سؤال له من أنت ؟ ويبدو ان الرجل اكتشف سقوطه بعد فوات الأوان وبات على قناعة تامة بأنه أصبح عاريا حتى من ورقة التوت الساترة وأنه لا مجال للكذب فرد قائلا (أنا أدولف إيخمان) .احتفظ الموساد بالرجل حتى 20 مايو للفراغ من خطة تهريبه بتوجيهات خاصة من مركز جهاز الاستخبارات الذي يعتبر الأخطر والأكثرة كفاءة في العالم ..كانت الخطة تهريبه عبر باخرة حتى اسرائيل ولكن لبعد المسافة التي تقدر ب 10 آلاف كيلومتر تم التخلى عنها خوفا عن امكانية تسرب جريمة الاختفاء الى زوجته وأبنائه ووصول خبر التهريب الى الحكومة الأرجنتينية قبل وصول الباخرة بعد شهر الى اسرائيل فتقرر ارسال طائرة خاصة من خطوط العال تطير دون توقف الا في داكار العاصمة السنغالية للتزود بالوقود ولكن كيف سيتم تهريبه من مطار بوينس أيرس وكيف يتم اختراق حواجزالأمن والجوازات ؟ . (5) هنا تبدأ أخطر محطات دراما التهريب وأكثرها تعقيدا ودهاءا عبر مسرحية عبقرية الأخراج لا يمكن أن تخطر على تفكير بشرفالبتعاون مع اسر يهودية تحمل الجنسية الأرجنتينية كانت الخطة أن المواطن الأرجنتيني (ريكاردو كليمنت) في حالة صحية متدهورة بابراز شهادات مزورة وان أقاربه قلقون على صحته وانهم في طريقهم للمغادرة لعرضه على أطباء في الخارج فأحضروه محمولا على ظهر نقالة فاقدا للوعي جراء جرعات من سائل داخل قنينة كان يقدم له كعلاج ومسكن للتهدئة ولكنه لم يكن سوى مخدر قوي الفعالية يتم تفريغه في الفم كلما (فرفر) واستعاد وعيه وكان قد تم صبغ شعره لزوم التمويه فيما كانت النساء تلطم الخدود وتطلق صرخات البكاء ..هكذا ضحكوا على جوازات المطار وهكذا داسوا بالأحذية على قوانين سيادة الدولة وهكذا تم نقله الى داخل طائرة العال التي كانت محركاتها تهدر للانطلاق من المطار . بدأت محاكمة إيخمان في القدس في أبريل عام 1961 وجذبت اهتمام وسائل الإعلام في كل أنحاء العالم. وظهر خلال المحاكمة هادئا ونظيفا وهو يرتب أوراقه داخل قفص زجاجي مضاد للرصاص بينما كان أحد الناجين من (الهولوكوست) يدلي بشهادته ضده وكان دفاعه قائماً على أساس واحد وهو أنه كان ينفذ أوامر قادته في الحكومة الألمانية التي كانت شرعية ولكنها لم تشفع له وانتهت المحاكمة في أغسطس وفي ديسمبر صدر الحكم فتم تنفيذ الاعدام شنقا حتى الموت بسجن الرملة في منتصف ليلة 31 مايو 1962 وكان يبلغ من العمر حينئذ 56 عاما، وتم إحراق الجثمان والقي بالرماد في البحر المتوسط خارج المياه الاقليمية لاسرائيل جنى لا تكون أي أرض مثواه الأخير . مدخل للخروج بعد قرابة الشهر كشفت حكومة الأرجنتين المؤامرة التي حيطت ضدها بليل فملأت الدنيا ضجيجا لانتهاك حرمتها ومعارضتها لأبسط قواعد القانون الدولى فشنت عليها اسرائيل حملة شعواء تعتبر من أكبر كبائر العالم الغربي وهي (معاداة السامية) وكان رأس حربتها الجالية اليهودية في الأرجنتين وأمام عواصف الاستنكار والاستهجان بلعت كبريائها وصمتت صمت أهل الكهف (ميتة وخراب ديار) .
|
|