اللحية المتلونة.. دليل المنافقين في التمييز بين كيزان الجيش وكيزان الدعم السريع! كتبه عبدالغني بريش

اللحية المتلونة.. دليل المنافقين في التمييز بين كيزان الجيش وكيزان الدعم السريع! كتبه عبدالغني بريش


01-07-2026, 10:51 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1767826287&rn=0


Post: #1
Title: اللحية المتلونة.. دليل المنافقين في التمييز بين كيزان الجيش وكيزان الدعم السريع! كتبه عبدالغني بريش
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 01-07-2026, 10:51 PM

10:51 PM January, 07 2026

سودانيز اون لاين
عبدالغني بريش فيوف -USA
مكتبتى
رابط مختصر





في الخامس عشر من أبريل 2023، لم تنفجر في الخرطوم الذخيرة الحية فحسب، بل انفجرت معها واحدة من أكثر السرديات السياسية غرابة وسخفاً في تاريخ النزاعات في السودان، إذ وبينما كانت الطائرات تقصف والمدافع تدك، كانت آلة إعلامية ضخمة، ومن ورائها جوقة من السياسيين والمثقفين والكُتاب، تعكف على حياكة ثوب جديد للإمبراطور، أو بالأحرى، حياكة فتوى سياسية جديدة تقسم الإسلاميين في السودان إلى فسطاطين، فسطاط الكوز الشيطاني الذي يختبئ خلف دبابات الجيش، وفسطاط الكوز الديمقراطي الذي يرتدي الكدمول على ظهر التاتشرات مع قوات الدعم السريع.
إنه لمنطقٌ نفاقي أعوج حقا، يشبه محاولة إقناع الضحية بأن السكين التي تذبحها بمهارة، هي سكين ثورية، بينما السكين الأخرى، هي سكين رجعية، رغم أن النصل واحد، والصانع واحد، والجرح في الجسد السوداني واحد.
عزيزي القارئ..
لفهم هذه المأساة والكارثة، يجب أن نعود قليلاً إلى الوراء، فمنذ سقوط نظام الإنقاذ في أبريل 2019، لم يتبخر الإسلاميون في الهواء كما تمنى الحالمون، لأن التنظيمات الأيديولوجية العقائدية، لا تموت بالسكتة القلبية المفاجئة، بل إنها تشبه الزئبق، إذا طرقت عليه بمطرقة الثورة، تفتت إلى كريات صغيرة تدحرجت في كل اتجاه.
قد مارس الإسلاميون ببراعة تكتيك الكمون والتقية السياسية وتسربوا، إلى مسام المجتمع السياسي، بعضهم، وبحكم التراتبية العسكرية القديمة والولاءات الراسخة، بقي متمترسا داخل المؤسسة العسكرية، يحلم باستعادة الفردوس المفقود، وهؤلاء هم الكيزان التقليديون الذين سهُل على الجميع رجمهم بالحجارة، لأنهم يقفون في المكان المتوقع، بوجوههم المعروفة وخطابهم القديم، ولكن، هنا تكمن المفارقة المدهشة، حيث تدحرجت كريات زئبقية أخرى، لا تقل دهاءا ولا خبثا، نحو الذهب والقوة الصاعدة، واتجهوا صوب مليشيا الدعم السريع، ووجدوا في قائدها، الذي هو في الأصل صنيعتهم الشرعية وابن مشروعهم للدفاع الشعبي وحرس الحدود، ملاذا آمنا وأداة باطشة يمكن ركوبها.
وهّم الجنرال الديمقراطي ومستشاروه الملتحون..
إن المثير للسخرية والشفقة في آن واحد، هو تلك الحملة الدعائية الهستيرية التي تتبناها مليشيا الدعم السريع، وتردد صداها قوى سياسية مدنية تدعي البحث عن الديمقراطية، تتلخص هذه الحملة في عبارة واحدة، وهي، نحن نحارب الفلول والكيزان في الجيش وكل مكان.
إنها حقا، نكتة سمجة، إذ كيف لمليشيا هندسها الإسلاميون، وسلحها الإسلاميون، وشرعن وجودها برلمان الإسلاميين، أن تكون هي ترياق التخلص من الإسلاميين؟
إن النظر إلى الدائرة الضيقة المحيطة بقائد المليشيا يكشف عن أخونة من نوع خاص، والفرق الوحيد هو أن إسلاميو الجيش يرتدون زيّهم الخاص ويقدم التحية العسكرية، بينما إسلاميو الدعم السريع يرتدون الكدمول في العواصم الخارجية، ويقدمون الاستشارة السياسية لتبرير الجرائم.
هل سأل هؤلاء المهللون لقوات الدعم السريع أنفسهم، من يكتب بيانات المليشيا المشبعة بالمفردات الفقهية والتبريرات الدينية، ومن أين جاءت فتاوى الغنيمة واستباحة المدن وسبّي النساء، إذا لم تكن بضاعة كيزانية أصيلة؟
إن وجود قيادات إسلامية مؤثرة، سواء كانت قبلية أو تنظيمية، في صفوف المليشيا، هو حقيقة ساطعة كالشمس في رابعة النهار، لكن السياسة التضليلية، قررت أن تضع نظارة سوداء على عين، وتترك الأخرى مفتوحة.
مصنع غسيل الأيديولوجيا..
هنا نصل إلى جوهر المنطق المعوج والمضلل حقا، إذ يبدو أن القوى السياسية المتحالفة مع المليشيا، أو تلك التي تغض الطرف عنها نكاية في الجيش، قد أنشأت مغسلة أيديولوجية، تقوم على قاعدة بسيطة:
1/ إذا كان الإسلامي (الكوز)، يقف مع الجيش، فهو فلولي، ودولة 56، وشيطان رجيم يجب استئصاله، وهو سبب الحرب وسبب الدمار.
2/ أما إذا كان نفس الإسلامي، بنفس اللحية ونفس القناعات، يقف مع الدعم السريع، فهو مستشار ومحلل استيراتيجي، أو حليف تكتيكي كحزب المؤتمر الشعبي، وهو في أسوأ الأحوال لا يشكل خطرا حقيقيا، وكأنهم يقولون للسذج والأغبياء، ان هناك كوز حلال، وكوز حرام، يجب ذبحه.
هذا التصنيف الانتقائي، ليس مجرد غباءا سياسيا، بل هو تواطؤ مفضوح، ومحاولة بائسة لبيع الجنجويد كحركة تحرر وطني، وللقيام بذلك، يجب اختلاق عدو وحيد، هم إسلاميو الجيش، مع إخفاء إسلاميو المليشيا تحت السجادة.
هل يغير الثعبان سمه بتغيير جلده؟
الإسلامي هو إسلامي، بالأيديولوجيا التي حكمت السودان لثلاثين عاما، وهي لا تتجزأ، بناءا على الموقع الجغرافي أو التموضع العسكري، وإن العقلية التي أنتجت بيوت الأشباح في التسعينيات، هي نفس العقلية التي تبرر الاغتصاب والنهب اليوم، سواء كان هذا الإسلامي يجلس في مكتب مكيف داخل القيادة العامة، أو يجلس في عربة قتالية في شوارع نيالا أو الجنينة، فإن الشيفرة الوراثية واحدة:
كلاهما، يؤمن بالتمكين (السيطرة على الموارد).
كلاهما، يؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة (حتى لو كانت الوسيلة حرق البلاد).
كلاهما، لا يرى في المواطن السوداني سوى رعية أو بيادق في رقعة شطرنج السلطة.
الفرق الوحيد، هو في التكتيك، فإسلاميو الجيش يراهنون على استعادة الدولة عبر المؤسسة القديمة، بينما إسلاميو الدعم السريع، يراهنون على هدم المعبد القديم لبناء سلطة جديدة، يكونون هم عقلها المدبر، مستغلين قوة المليشيا الغاشمة التي لا تملك مشروعا فكريا، فيملؤون فراغها بمشروعهم.
العمى السياسي المقصود:
إن الخطورة الحقيقية، لا تكمن فقط في هؤلاء الإسلاميين (في كلا الطرفين)، بل في النخبة السياسية التي تمارس هذا التضليل، لأنه عندما تهاجم القوى السياسية (تقدم وغيرها)، الكيزان في الجيش، وتصمت صمت القبور عن الكيزان في الدعم السريع، فهي تمنح المليشيا صك غفران مجاني.
إنهم يمارسون عملية خداع بصري، يحاولون إقناعنا بأن الخطر يكمن في اللحية فقط، إذا كانت حليقة الشارب، أما إذا كانت لحية فوضوية، فهي موضة ثورية تغييرية.
هذا المنطق، هو الذي أورد السودان موارد الهلاك، إذ ان الشعوب السودانية، التي خبرت هؤلاء القوم لثلاثة عقود، تدرك بفطرتها أن الأفعى لا تصبح حمامة، حتى لو رسمت على جلدها غصن زيتون.
الإسلامي الذي يقاتل مع الدعم السريع، ليس ديمقراطيا تائبا، بل هو انتهازي وجد طريقا أسرع للسلطة والمال عبر فوهة بندقية الجنجويد.
في ختام هذا التشريح المؤلم للواقع السوداني الماثل أمامنا، لا بد من التوقف طويلاً، ليس فقط لتلخيص ما سبق، بل لقرع أجراس الخطر التي يُراد لها أن تُكتم، ولمواجهة الحقيقة العارية التي تحاول آلة الضجيج الإعلامي دفنها تحت ركام الأكاذيب.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد حرب بين طرفين، بل هو الفصل الأكثر خبثا ودهاءا في مسرحية البقاء التي تتقنها الحركة الإسلامية السودانية؛ تلك الحرباء التي لا تكتفي بتغيير لون جلدها، بل تمتلك القدرة الشيطانية على شق جسدها إلى نصفين، يقاتل أحدهما الآخر، لضمان أن يعيش الرأس ويبقى العقل المدبر، أياً كانت نتيجة المعركة.
إن الاعتقاد بأن وجود إسلاميين في صفوف الدعم السريع، هو محض صدفة، أو نتيجة لانشقاقات تنظيمية حقيقية، هو قمة السذاجة السياسية.
إننا أمام تنظيم عقائدي تمرس لأكثر من ثلاثة عقود على فقه الضرورة والتمكين، تنظيم يجيد لعبة توزيع الأدوار ببراعة لا تضاهى، ففي الوقت الذي يتمترس فيه إسلاميو الدولة داخل الحصون التقليدية للجيش للحفاظ على هيكل الدولة الذي يضمن لهم الشرعية، انطلق إسلاميو الفوضى والغنيمة نحو المليشيا الصاعدة، لضمان السيطرة على موارد الدولة وقوتها الضاربة غير النظامية.
إن هذا التكتيك المزدوج يضمن للتنظيم البقاء في كل السيناريوهات: فإذا انتصر الجيش، خرجوا من بوابات القيادة العامة مهللين ومكبرين لاستعادة الشرعية، وإذا انتصرت المليشيا، خرجوا من تحت عباءة الدعم السريع بصفتهم مستشارين ومقاتلين، ساهموا في إسقاط دولة 56.
إنه رهان الكل رابح بالنسبة لهم، ورهان الكل خاسر بالنسبة للشعوب السودانية، إنهم يراهنون بدمائها في كازينو السلطة، مستخدمين عملة مزيفة وجهها الأول جيش ووجهها الثاني ميليشيا الدعم السريع.
عزيزي القارئ..
إن المعركة الحقيقية ليست في الاختيار بين سيئ وأسوأ، ولا بين كوز يرتدي كاكي وكوز بكدمول، بل المعركة، هي معركة وعي في المقام الأول، يجب رفض هذا الابتزاز الرخيص الذي يضع الناس بين خيارين كلاهما مر.
يجب ان لا تصدق الناس من يقول لهم، إن الطريق إلى الديمقراطية يمر عبر فوهات بنادق الجنجويد، ولا من يقول لهم إن الكرامة لا تُسترد إلا بإعادة إنتاج النظام القديم، لأن كلاهما كاذب، وكلاهما وجهان لعملة واحدة سقطت في وحل الدماء.
إن اللحية المتلونة التي نراها اليوم، تطل برأسها من نوافذ التاتشرات، أو من شرفات القيادة، هي الدليل الدامغ على أن العدو واحد، إنهم يغيرون مواقعهم كما يغيرون جواربهم، لكن رائحة الفساد والدماء تفوح منهم جميعا.
الرسالة التي يجب أن تبقى محفورة في الأذهان، هي أن خلاص السودان، لن يكون إلا بكنس هذه القاذورات الأيديولوجية بكاملها، دون فرز أو تمييز، يجب أن معاملة إسلامي المليشيا بنفس الحزم والصرامة الذي يعامل به إسلامي الجيش.
إن أي محاولة لتجميل وجه المليشيا بحجة أنها تحارب الكيزان، هي خيانة لدماء الشهداء، وخيانة للوطن، وغباء سياسي لن يغفره التاريخ، فالذئب لا يصبح راعياً أمينا لمجرد أنه افترس ذئبا آخر منافسا له، بل يظل ذئبا، وتظل الشاة هي الضحية.
لتسقط الأقنعة جميعاً، وليذهب كيزان الجيش وكيزان الدعم السريع، ومن شايعهم من النخب المتواطئة والأحزاب السياسية الإنتهازية، إلى مزبلة التاريخ، وليبق السودان حرا، أبيا، عصيا على التدجين، وعصيا على الخديعة والتضليل، وهذه هي الحقيقة الوحيدة الساطعة وسط هذا الظلام، وما دونها ليس سوى سراب، ووهم، وأضغاث أحلام يسوقها لنا تجار الموت في سوق النخاسة السياسية الجديد.