من حراسة السرد إلى إفلاسه: قراءة في خطاب د. عبد الله علي إبراهيم كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 02-23-2026, 01:31 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
01-07-2026, 07:07 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 12-31-2021
مجموع المشاركات: 228

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
من حراسة السرد إلى إفلاسه: قراءة في خطاب د. عبد الله علي إبراهيم كتبه خالد كودي

    07:07 PM January, 07 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر





    7/1/2026 خالد كودي، بوسطن

    نخبة بلا مراجعة او اختبار: لماذا فشل د. عبد الله علي إبراهيم ومن على شاكلته؟
    نشر الدكتور عبد الله علي إبراهيم مقالًا في موقع سودانيز أونلاين يوم ٥/١/٢٠٢٦ بعنوان (التنوع الثقافي كغبن سياسي: السماسرة يمتنعون)، مارس فيه استماتته المعهودة في الدفاع عن رواية ثقافية مهزومة لنخبةٍ أخفقت أخلاقيًا وعلميًا في بناء تصورٍ وطنيٍّ جامع، وفي مرافقة السودان خلال المراحل الضرورية لمواجهة خطاياه التاريخية الفادحة، وفي مقدمتها قضايا الرق، والعنصرية، والهيمنة الثقافية، ومركزة المعنى والشرعية.
    يندرج المقال ضمن مشروع فكري طويل يسعى فيه الكاتب إلى حراسة سردية النخبة المركزية، وإعادة تعريف مطالب الهامش لا بوصفها تعبيرًا عن حق معرفي وتاريخي في إعادة كتابة الذات، بل باعتبارها انفعالًا سياسيًا قابلًا للتوظيف والانزلاق إلى "الضغينة". ويمكن تلخيص أطروحة المقال في النقاط الآتية:
    أولًا: تلخيص أطروحة د. عبد الله علي إبراهيم
    ١/ تعريف التنوع الثقافي بوصفه إحساسًا بالغبن الثقافي، لا باعتباره وفرة رمزية أو تعددية متكافئة في إنتاج المعنى والهوية.
    ٢/ الإقرار بأن هذا الإحساس بالغبن ناتج عن هيمنة المركزية الثقافية العربية الإسلامية، مع التحذير من تحويله إلى وعي صدامي أو ضغائن ثقافية تهدد الوحدة الوطنية.
    ٣/ اتهام قوى يسارية وليبرالية باستثمار الغبن الثقافي سياسيًا، عبر التحالف مع ما يسميه "ثقافات الهامش" في مواجهة الثقافة العربية الإسلامية.
    ٤/ وصف هذه القوى بالعجز الجماهيري والسياسي، والقول إنها عوّضت فشلها العملي باللجوء إلى ما يسميه "الدس الثقافي" داخل النسيج الاجتماعي.
    ٥/ الاستشهاد بقضية زواج عام 1973 بوصفها مثالًا على مرونة التشريع الإسلامي وقدرته على تجاوز "شبهة الرق" تاريخيًا وأخلاقيًا.
    ٦/ اتهام من يثيرون قضايا الرق والتمييز بممارسة انتقائية معرفية وأخلاقية، تُسخِّر التاريخ والذاكرة لخدمة صراع سياسي، لا لمشروع ثقافي تحرري حقيقي.
    ولنناقش الدكتور في هذا....

    ثانيًا: مكمن الخلل المنهجي – من الغبن إلى الوصاية المعرفية
    ١/ اختزال التعدد في "إحساس بالغبن": إفقار إبستمولوجي للتجربة التاريخية
    لا يكمن الخلل الجوهري في أطروحة د. عبد الله علي إبراهيم في اعترافه بوجود الغبن الثقافي في السودان، بل في الطريقة التي يُعاد بها تعريف هذا الغبن: إذ يُنتزع من سياقه التاريخي والبنيوي، ويُعاد تقديمه بوصفه حالة شعورية أو انفعالية، تُقابل—ضمنًا لا صراحة—بالعقلانية والاتزان اللذين تحتكرهما النخبة المركزية لنفسها.
    بهذا التحويل، لا يعود التعدد الثقافي بنية معرفية تشكّلت عبر تاريخ طويل من علاقات القوة غير المتكافئة، والهيمنة الرمزية، والإقصاء المؤسسي، بل يصبح تعبيرًا نفسيًا عن الإحباط، قابلًا للتهدئة، أو الضبط، أو حتى الإدانة، متى ما تجاوز "الحدود المسموح بها" في خطاب المركز.
    في هذا الإطار، يظهر الهامش في خطاب د. عبد الله بوصفه موضوعًا للشرح لا ذاتًا شارحة: يشعر بالغبن، لكنه لا يُنتج معرفة مستقلة، ولا يمتلك شرعية تأويل تاريخه، إلا بالقدر الذي تسمح به المنظومة المعرفية التي صاغتها النخبة نفسها W.E.B. Du Boisواحتكرت أدواتها.
وهنا نستحضر تحليل
    لمفهوم الوعي المزدوج، حيث يُجبر المقموع على أن يرى ذاته من خلال عيون المسيطر، وأن يشرح ألمه بلغة من أنكرت عليه إنسانيته ابتداءً.
    في هذا السياق، لا يُطلب من المهمش أن يكون فاعلًا معرفيًا أو منتجًا للتأويل، بل شاهدًا منضبطًا على معاناته، مطالبًا بتقديمها في صيغة لا تُربك السردية المركزية، ولا تهدد توازنها الرمزي أو أخلاقيتها المعلنة.

    ٢/ من نقد الهيمنة إلى إعادة إنتاجها: المعرفة بوصفها امتيازًا
    ما يطرحه د. عبد الله علي ابراهيم—من حيث لا يصرّح—هو نموذج وصائي للمعرفة: نموذج يعترف بوجود الظلم، لكنه يحتفظ بحق تعريفه، وتأطيره، وتحديد حدوده الأخلاقية والسياسية. وهو نموذج طالما انتقده مفكرو ما بعد الاستعمار بوصفه شكلًا متقدمًا من الهيمنة، لا يقوم على الإنكار الصريح، بل على الإدماج المشروط.
    في سؤالها الاشكالي: Gayatri Chakravorty Spivakتُحيلنا هذه البنية مباشرة إلى أطروحة
    هل يستطيع التابع أن يتكلم؟
فالقمع هنا لا يتمثل في إسكات الصوت بصورة مباشرة، بل في إفراغ هذا الصوت من شرعيته المعرفية، وتحويله إلى مادة خام يُعاد ترتيبها وصياغتها داخل خطاب النخبة، وبالشروط التي تفرضها.
    وفق هذا المنطق، يُسمح للهامش بالكلام فقط حين:
    - يصف الألم دون أن يؤوّله،
    - يستدعي التاريخ دون أن يعيد قراءته،
    - ويعترف بالغبن دون أن يربطه بالبنى العميقة للسلطة والمعرفة.
    أما حين يتجاوز هذا الدور الوصفي، ويطالب بحق التأويل وإعادة السرد، فإنه يُتهم بالتحريض، أو الدس، أو تحويل الثقافة إلى أداة صراع.

    ٣/ التعدد بوصفه تهديدًا لا معرفة: من السياسة إلى الأخلاق
    يتجلّى الخلل المنهجي كذلك في الانتقال غير المعلن من نقد سياسي لبنية الهيمنة إلى تأنيب أخلاقي للمهمشين. فعندما يتحول استدعاء الذاكرة التاريخية—الرق، والعنصرية، والإقصاء الثقافي—إلى ما يسميه الكاتب "ضغائن" أو "استثمارًا سياسيًا"، Frans Fanonيصبح الفعل النقدي ذاته موضع اتهام. هذا التحول هو ما وصفه
    بدقة حين أشار إلى أن النخبة المهيمنة لا تخشى الغضب بقدر ما تخشى الوعي، ولا تجرّم الألم في ذاته، بل تجرّم تسميته خارج لغتها.
فالمشكلة، في نهاية المطاف، ليست في وجود الغبن، بل في أن يُعاد تعريفه بوصفه معرفة تاريخية قادرة على تفكيك السردية الرسمية، وكشف بنيتها الإقصائية.

    ٤/ الهامش بوصفه "مادة تفسير": إغلاق أفق التحرر المعرفي
    بناءً على ذلك، لا يظهر الهامش في نص د. عبد الله كذات مفكرة أو شريك معرفي، بل كـمادة تفسير:
    - تُستدعى حين تخدم خطاب "الوحدة الوطنية"
    - وتُدان حين تحفر في الجرح التاريخي،
    - وتُوصم بالتحريض حين تطالب بحقها في إعادة سرد التاريخ من موقعها الخاص
    وهنا تتجلى المفارقة المركزية: خطاب يدّعي الدفاع عن التعدد، لكنه في جوهره ينزع عن التعدد شرطه الجوهري، أي حق الاختلاف في التأويل، لا مجرد التنوع في الوجود الشكلي.

    ٥/ نرجسية النخبة واحتكار السرد
    يدّعي النص الدفاع عن التفاعل الثقافي "الندي"، لكنه يمارس في العمق وصاية معرفية صارمة تطرح—ضمنًا—أسئلة من قبيل:
    - من يملك حق تعريف معنى التنوع؟
    - من يقرّر متى يكون استدعاء التاريخ فعلًا مشروعًا، ومتى يصبح "دسًا"؟
    - ولماذا يُسمح للنخبة بالتنقيب الحر في التراث، بينما يُحرَّم ذلك على ضحايا التاريخ أنفسهم؟
    Bell Hooks هذا هو جوهر ما انتقدته
    حين ربطت بين السلطة والمعرفة، مؤكدة أن من يُقصى من إنتاج الخطاب، يُقصى بالضرورة من تعريف الواقع ذاته.
وعليه، فإن رفض د. عبد الله، كغيره من نخب المركز، لخطاب الهامش لا ينبع من عدم دقته المنهجية، بل من كونه يهدد امتياز "الراوي الأول"، ويزعزع احتكار النخبة لمعنى التاريخ، ومنهج قراءته، وحدود الكلام فيه.

    ثالثًا: قضية الرق – إنكار الجرح وإعادة إنتاجه في الحاضر السوداني
    ١/ من "شبهة فقهية" إلى عنف بنيوي مستمر
    حين يُعاد تعريف الرق في خطاب د. عبد الله علي إبراهيم بوصفه "شبهة" أسيء توظيفها سياسيًا، فإن الأمر لا يقتصر على خطأ توصيفي، بل ينطوي على تحويل جريمة تاريخية مؤسسة إلى مسألة تأويلية ثانوية.
بهذا التحويل، يُنتزع الرق من كونه نظامًا اجتماعيًا أنتج تفاوتًا بنيويًا في القيمة الإنسانية، ويُختزل إلى سوء فهم فقهي جرى تجاوزه "بحكم قضائي مستنير."
    هذا النمط من التفكير لا يُنكر الماضي فحسب، بل يُعطِّل فهم الحاضر. فالعنصرية في السودان المعاصر—في الخطاب العام، وفي التمثيل الإعلامي، وفي اللغة اليومية، وفي توزيع السلطة والموارد—ليست بقايا نفسية أو "ضغائن"، بل استمرارًا ماديًا ورمزيًا لبنية لم تُفكَّك.
    Michael Eric Dysonوقد نبّه
    إلى أن أخطر أشكال العنف ليس العنف المباشر، بل ذاك الذي يُعاد تأويله ليبدو معقولًا أو منتهي الصلاحية. وهذا بالضبط ما يحدث حين يُقدَّم الرق بوصفه ملفًا أُغلق، بينما آثاره تُعاد إنتاجها يوميًا في:
    - وصم جماعات بعينها بأصول "وضيعة"
    - نفي المواطنة الكاملة عن فئات محددة،
    - وتسويغ التمييز بلغة العرف أو "الواقع الاجتماعي"

    ٢/ الرق كبنية تأسيسية لا كحادثة منتهية
    الرق في السودان لم يكن حادثة عرضية ولا انحرافًا طارئًا في التاريخ، بل بنية تأسيسية تداخلت فيها التجارة، والسلطة، واللغة، والدين، وأنتجت تراتبية مستدامة في المعنى والامتياز. هذه التراتبية لم تختفِ بزوال الرق القانوني، بل تحوّلت إلى أنماط عنصرية مرنة: في الاسم، واللون، واللهجة، والمكان، والانتماء الجغرافي.
    ما يتجاهله خطاب د. عبد الله هو أن المجتمعات التي لم تُخضع عنفها التأسيسي للمساءلة، تعيد إنتاجه في أشكال "ناعمة" Frantz Fanon وأقل فجاجة، لكنها أكثر رسوخًا. وقد صاغ
    هذه الفكرة بوضوح حين أكد أن الاستعمار والعنصرية لا ينتهيان بخطاب المصالحة، بل يستمران ما دامت البنية الرمزية التي أنتجتهما قائمة.
    في السودان اليوم، يظهر هذا الاستمرار في:
    - التساهل الاجتماعي مع خطاب الاستعلاء،
    - إنكار الطابع العنصري لبعض الحروب والنزاعات،
    - وتجريم الحديث عن الرق بوصفه "إثارة للفتنة"

    ٣/ المقارنة المضلِّلة: إنكار البنية باسم "الاستنارة"
    Brown v. the Board of Education إن تشبيه الحكم الشرعي لعام 1973 بحكم المحكمة العليا الأمريكية في قضية
    لا يكشف عن وعي مقارن، بل عن إزاحة للسياق.
فحكم براون لم يُقدَّم بوصفه دليلًا على طهارة المؤسسة، بل جاء نتيجة اعتراف صريح بأن الدولة الأمريكية قامت على عنصرية بنيوية تطلّبت نضالًا طويلًا ومساءلة مؤلمة.
    أما في خطاب د. عبد الله، فإن المقارنة تُستخدم لعكس ذلك تمامًا:
لإثبات أن المشكلة لم تكن بنيوية أصلًا، بل عارضة، وأن الفقه المستنير" كفيل بحلها" ...وهذا احتيال!
    الفرق هنا جوهري:
الأول اعتراف بالجرح،
والثاني تجميل له، ولاشنو يادكتور!

    ٤/ من المساءلة إلى التبرئة: إدارة الذاكرة في السودان المعاصر
    الإشكال الحقيقي ليس في ذكر الحكم القضائي، بل في وظيفته الخطابية.
إذ يُستدعى لا لفتح نقاش حول الرق وآثاره المستمرة، بل لإغلاق هذا النقاش أخلاقيًا، وإعادة توجيه اللوم نحو من يطالبون بالمساءلة.
    بهذا المنطق، تُدار الذاكرة السودانية المعاصرة على النحو التالي:
    - الاعتراف المبدئي بالغبن،
    - إنكار طبيعته البنيوية،
    - تجريم من يربط الماضي بالحاضر
    لكن التاريخ، كما تُظهر دراسات أفريقيا وما بعد الاستعمار، ليس سجلًا قضائيًا، بل مسارًا اجتماعيًا تتراكم فيه الجراح ما لم تُسمَّ وتُفكَّك.
وإنكار الرق بوصفه جرحًا حيًا لا يؤدي إلى الوحدة، بل إلى إدامة العنصرية تحت مسميات جديدة.

    ٥/ إنكار الجرح بوصفه سياسة معاصرة
    بهذا المعنى، لا يمثّل خطاب د. عبد الله علي ابراهيم دفاعًا عن الدين أو عن التعايش، بل دفاعًا عن راحة السردية المركزية في السودان.
إنه خطاب يفضّل الاستقرار الرمزي على العدالة التاريخية، ويعتبر الصمت فضيلة، والذاكرة خطرًا، والمساءلة تهديدًا للوحدة...
    غير أن الواقع السوداني المعاصر—بحروبه، وانقساماته، وعنصريته العارية—يؤكد حقيقة واحدة:
ما لم يُفكَّك إرث الرق بوصفه بنية لا حادثة، فإن السودان سيظل يعيد إنتاجه في السياسة، والثقافة، والحرب، واللغة.

    رابعًا: خطر الحكاية الواحدة – حين يتحوّل الحارس إلى عائق معرفي
    ما يقدّمه د. عبد الله علي إبراهيم في هذا النص وغيره لا يمثّل اختلافًا مشروعًا في التأويل بقدر ما يمثّل استمرارًا لمسار فكري بات متجاوزًا علميًا. إنه مسار ينتمي إلى حرسٍ معرفي قديم تشكّل في زمن كانت فيه النخبة المركزية هي الوسيط الحصري بين التاريخ والمجتمع، وبين الثقافة ومعناها، قبل أن تُحدِث دراسات ما بعد الاستعمار، وتاريخ العبودية، ودراسات الذاكرة والعرق، قطيعة جذرية مع هذا النموذج الوصائي.
    Chimamanda Ngozi Adichieلقد حذّرت
    من خطر الحكاية الواحدة لا بوصفه خطأ سرديًا، بل بوصفه عنفًا معرفيًا يُقصي التجارب الأخرى ويحوّلها إلى هوامش صامتة. وما يفعله د. عبد الله هو إعادة إنتاج هذه الحكاية الواحدة في ثوب "النضج" و"العقلانية"، حيث تُرسَم ثلاثية ثابتة
    ١/ ثقافة عربية إسلامية تُقدَّم بوصفها قادرة على الإصلاح من داخلها دون مساءلة جذرية لتاريخها السلطوي
    ٢/ هامش يُختزل إلى ذات "مغالى" في مظالمه، لا إلى موقع معرفي مستقل
    ٣/ ونخبة ترى نفسها الحارس الأخلاقي للتوازن، والمخوّلة وحدها بتحديد حدود الكلام المشروع
    غير أن هذا التصوّر لم يعد قابلًا للاستمرار معرفيًا. فالعلم—بمناهجه المعاصرة، والتكنلوجيا—لم يعد يقبل سرديات "الإصلاح من الداخل" دون مساءلة البنى، ولا يسلّم بتجريم الذاكرة بوصفها تهديدًا للوحدة.

    من "الراوي الأول" إلى تعدد الذوات الساردة
    W. E. B. Du Boisلقد فكّك
    منذ بدايات القرن العشرين وهمَ "الراوي المحايد"، مبيّنًا أن مطالبة المقموع بأن يرى ذاته بعين المسيطر هي جوهر العنف الرمزي. وتوسّعت هذه الرؤية لاحقًا لدى مفكرين أفارقة وأفارقة–أمريكيين أكّدوا أن المعرفة لا تتقدّم بالحراسة، بل بكسر الاحتكار.
    Bell Hooks فقد بيّنت
    أن السلطة المعرفية التي تدّعي حماية "التوازن" إنما تحمي امتيازها الخاص، وأن إقصاء المهمشين من إنتاج الخطاب يعني Frantz Fanon إقصاءهم من تعريف الواقع ذاته.
وذهب
    أبعد من ذلك حين أوضح أن النخب التي ترفض مساءلة العنف التأسيسي باسم الاستقرار، إنما تؤجل الانفجار ولا تمنعه.
    Saidiya Hartman أما في دراسات العبودية المعاصرة، فقد أكدت
    أن أخطر أشكال الإنكار ليس الصمت، بل إعادة سرد العنف بلغة تُفرغه من ألمه، وتحوّله إلى درس أخلاقي مريح للمؤسسة. وهذا تحديدًا ما يفعله خطاب "الحكم المستنير" حين يُستدعى لإغلاق النقاش بدل فتحه.
    Achille Mbembe وفي السياق الأفريقي، بيّن
    أن ما بعد الاستعمار ليس مرحلة زمنية، بل صراع مستمر على الذاكرة والمعنى، وأن النخب التي تصرّ على إدارة هذا الصراع بمنطق الحراسة إنما تعيد إنتاج الاستعمار في صورته الرمزية.

    نزع الوصاية: سقوط حق النخبة في التحكم في رواية المهمشين
    لم يعد د. عبد الله علي إبراهيم، ولا النمط النخبوي الذي ينتمي إليه، يمتلك أي أهلية—لا أخلاقية ولا معرفية—للتحكم في رواية المهمشين، أو تقنين لغتهم، أو رسم حدود تأويلهم لتاريخهم. هذه الشرعية سقطت يوم فشلت النخب السودانية، فشلًا تاريخيًا مكتملاً، في إنجاز مهامها الأساسية: بناء دولة عادلة، تفكيك إرث العبودية والعنصرية، والاعتراف الصريح بجرائم المركز في حق الهامش.
    ما يقدّمه د. عبد الله بكتاباته هذه ليس قراءة نقدية بقدر ما هو محاولة متأخرة لاستعادة سلطة زالت: سلطة الراوي الأول، والمفسّر الأعلى، والحَكَم الذي يوزّع شهادات "النضج" و"الطيش". غير أن هذه السلطة لم تعد قائمة إلا في مخيال أصحابها. فالواقع تجاوزها، والمعرفة كسرت احتكارها!!
    الهامش اليوم لم يعد مادة خامًا تنتظر تفسير النخبة، ولا جرحًا يُطلب منه أن يلتئم لغويًا، ولا إحساسًا يُسمح له بالبقاء ما دام لا يتحوّل إلى معرفة. لقد بات ذاتًا منتِجة للتأويل، فاعلة في كتابة تاريخها، قادرة على تسمية العنف، وربطه ببناه، وتحميله لمسؤوليه—من دون إذن أحد.

    النخب السودانية: فشل تاريخي لا "سوء تفاهم"
    المسألة ليست سوء فهم بين مركز وهامش، كما تحاول النخب تصويرها، بل فشل تاريخي شامل: فشل في السياسة، وفي الأخلاق، وفي إنتاج المعرفة. لم تُخطئ هذه النخب الطريق فحسب، بل أصرت عليه، ثم فوجئت بأن الزمن تجاوزها، وأن الأسئلة الجديدة لم تعد تنتظر إجابات قديمة.
    وحين فقدت قدرتها على الفعل، لجأت إلى ما تبقّى لها: حراسة السرد، وتجريم الذاكرة، وتأديب الضحايا باسم "الوحدة" و"النضج" و"الخوف من الضغائن". لكن الزمن الذي كانت فيه النخبة تكتب، والهامش يشرح، والضحايا يصمتون—قد انتهى بلا رجعة.
    ما تغيّر جوهريًا هو أن المعرفة لم تعد تُنتج من مركز واحد، وأن التاريخ لم يعد يُروى من أعلى، وأن الضحايا لم يعودوا يقبلون تدوير ألمهم في نصوص تبريرية أو اختزال نضالهم في "استثمار سياسي". والأهم: أن النخبة فقدت قدرتها على فرض نفسها معيارًا للعقل والأخلاق. لم يعد صوتها طبيعيًا، ولا لغتها وحيدة، ولا تحذيراتها من "الخطر" مُقنِعة إلا لأصحابها!

    الخلاصة: انتهى زمن الحراسة
    د. عبد الله علي إبراهيم يقف اليوم لا في موقع الناقد، بل في موقع الحارس المتأخر، الذي يحاول حماية سردية انهارت، ونخبة فقدت مشروعيتها، ومنهج لم يعد قادرًا على تفسير الواقع، فضلًا عن تغييره!
    أما الهامش، فلم يعد في موقع الطلب. لا يطلب اعترافًا، ولا ينتظر تفهّمًا، ولا يسعى لرضا أحد. إنه يكتب، ويؤسّس، ويعيد تعريف الوطن من جذوره. وهذا—لا "الضغينة" ولا "الاستثمار"—هو ما تخشاه النخب القديمة حقًا.
    ليست هذه معركة آراء، بل نهاية مرحلة. ومع نهايات المراحل، لا يبقى للحراس سوى خيارين: الاعتراف بأن الزمن تجاوزهم، أو الاستمرار في الصراخ خارج التاريخ...كما يفعل الدكتور!

    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
























                  

01-08-2026, 09:33 PM

Ahmed Eltigani Sidahmed
<aAhmed Eltigani Sidahmed
تاريخ التسجيل: 02-01-2024
مجموع المشاركات: 91

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: من حراسة السرد إلى إفلاسه: قراءة في خطاب د. (Re: خالد كودي)

    احسنت يا دكتور خالد فلقد وصفت الدكتور عبدالله علي ابراهيم كما يجب : ليسق امامه سوى خيارين: الاعتراف بأن الزمن قد تجاوزه ، أو الاستمرار في الصراخ خارج التاريخ. و هاهوٍ ينهل من الاثنان بدون ارتواء . يعرف جيدا انه من زمان شبع موتا و تاريخاً دفن علي اعتاب جامعة مسوري
                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de