Post: #1
Title: هدى وكارب قاش 2!!! كتبه الأمين مصطفى
Author: الأمين مصطفى
Date: 01-07-2026, 02:51 PM
02:51 PM January, 07 2026 سودانيز اون لاين الأمين مصطفى-السودان مكتبتى رابط مختصر
في عربة اسمها الرغبة كانت فى ذلك الفضاءتبدو كأنها سقطت من الزمن ونُسيت. بيوت طينية متلاصقة، ساحة صغيرة تتوسطها شجرة يابسة، لا ظل لها ولا وعد. في طرف الساحة، كانت هدى تجلس على حجر قديم، ظهرها مستقيم ونظرتها معلّقة بالأفق، كأنها تنتظر شيئًا تريدُه أكثر مما تفهمه. إلى جوارها وقف كارب قاش، يعقد يديه خلف ظهره، كمن يحرس رغبة لم يعترف بها لنفسه بعد. قالت هدى فجأة، بصوت ثابت لا يقبل النقاش: — اللي ما يعرفك… يزرعك. ساد الصمت، صمت له وزن، كأنه ينتظر تصفيقًا من جمهور غير مرئي. هزّ كارب قاش رأسه بإعجاب، وقال: — كلام ثقيل. أجابته دون أن تلتفت: — ثقيل لأنه صحيح. فكّر قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة المنتصر وأضاف: — وأنا أقول: الديك اللي ما يصيح… البيضة تزوغ. مرة أخرى، الصمت. في هذا الفضاء، كانت الأمثال تُقال لا لتُفهم، بل لتُشبِع رغبة خفية في اليقين. اقترب رجل من أهل القرية، خطواته مترددة كأنه يخشى أن يوقظ سؤالًا نائمًا. — يعني… قصدك شنو يا هدى؟ نظرت إليه نظرة باردة، ليست قاسية، بل متعالية بهدوء: — المثل ما يُسأل… المثل يُفهم. قال الرجل بصوت أخفض: — بس أنا ما فهمت. انقلب وجه كارب قاش فجأة، وقال بحدة لم يعرفها فيه أحد: — المشكلة مش في المثل… المشكلة في السماع. تراجع الرجل، كمن تلقى صفعة غير مرئية، وعاد الصمت ليحتل الساحة. في تلك اللحظة، دخلت عربة. لم تكن عربة فاخرة، بل خشبية، صغيرة، تئن عجلاتها على الأرض. كان اسمها مكتوبًا بخط باهت على جانبها: الرغبة. دفعتها امرأة، وجهها متعب لكن عينيها يقظتان. قالت بصوت واضح: — مكتبة متنقلة… كتب للقراءة، للمعرفة. اقتربت هدى، التقطت كتابًا، قرأت سطرين، ثم أغلقته بسرعة. — الكلام دا طويل. ابتسمت المرأة ابتسامة خفيفة: — المعرفة تحتاج صبرًا. رفعت هدى حاجبها وقالت: — والمثل؟ — المثل يختصر الطريق. قال كارب قاش بحماس: — زبدة الكلام! نظرت المرأة إليهما، ثم سألت بهدوء أربكهما: — لكن من قاله؟ ولماذا؟ سقط السؤال في الساحة كحجر في ماء راكد. قالت هدى بثقة بدت أقرب إلى الدفاع: — قالوها الأوّلين. — ومن هم الأوّلون؟ لم يجب أحد. نظر كارب قاش إلى الأرض، كأنه يراها لأول مرة. قالت المرأة، وهي تعود لدفع العربة: — أحيانًا… ليست الحكمة ما نريده، بل الطمأنينة التي تشبع رغبتنا في عدم التفكير. تصلّبت هدى. — السؤال يربك الناس. أجابت المرأة دون أن تتوقف: — لكن الرغبة في الجواب السهل هي ما يُبقيهم مكانهم. غادرت العربة الساحة، وصرير عجلاتها بدا كأنه اعتراف متأخر. بقيت الشجرة اليابسة، كما هي، تشهد. خفض كارب قاش صوته: — هدى… أنتِ فاهمة كل الأمثال دي؟ لم تجبه فورًا. ظلت تنظر إلى الأفق، إلى حيث لا شيء. ثم قالت: — الفهم… مش شرط. المهم الرغبة. عادا إلى وضعيتهما الأولى. الحجر نفسه، الساحة نفسها، الصمت نفسه. لكن الرغبة كانت قد مرّت، وتركت أثرها. الخاتمة في ذلك الفضاء، لم تكن المشكلة في الجهل، بل في الرغبة في بقائه. لم تكن الأمثال خطأ، بل استخدامها لإشباع خوف عميق من السؤال. فالمعرفة لا تُرضي الرغبة دائمًا، بل تُقلقها، ولهذا… خافوها.
،،،،
|
|