في ذكرى الاستقلال (دروس مستفادة) كتبه د. أحمد عثمان عمر

في ذكرى الاستقلال (دروس مستفادة) كتبه د. أحمد عثمان عمر


01-02-2026, 10:43 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1767350587&rn=0


Post: #1
Title: في ذكرى الاستقلال (دروس مستفادة) كتبه د. أحمد عثمان عمر
Author: د.أحمد عثمان عمر
Date: 01-02-2026, 10:43 AM

10:43 AM January, 02 2026

سودانيز اون لاين
د.أحمد عثمان عمر-الدوحة-قطر
مكتبتى
رابط مختصر






تمر علينا هذه الأيام ذكرى إستقلال بلادنا المجيدة، والتهنئة لشعبنا العظيم واجبة برغم كل ما حدث ويحدث، والتحية والتقدير والإجلال لمن ناضلوا ضد المستعمر وإستشهدوا من اجل ان يكون لنا وطن بعد طرد المستعمر، والخزي والعار والهزيمة، لمن عملوا بجد لإضاعة اللحظة الفارقة ومنعها من ان تتحول لنقطة إنطلاق نحو مستقبل زاهر ووطن حر وشعب سعيد. ولكن كل ذلك لا بد ان يواكب النظر لأخذ العبر، والاستفادة من الدروس لصنع مستقبل افضل لشعبنا، عبر قراءة متأنية ناقدة وغير هدامة، تأخذ بمظاهر الفشل وتحيط بها لتصنع النجاح. وتجربة شعبنا بعد الاستقلال لكل هذه العقود، تعلمنا بوضوح ما يلي:
١- ان الاستقلال لا يعني خروج السلطة التنفيذية للمستعمر وتعيين حكومة وطنية ورفع علم البلاد فوق ساريته فقط، بل يستلزم استكمال ذلك بمشروع وطني يشخص الوضع الاقتصادي والاجتماعي، ويلحق التعمير بالتحرير . وهذا يعني ان شعار النخبة التي استلمت السلطة بعد المستعمر وعملت كواجهة لشبه الإقطاع وتوابعه من الرأسمالية غير الوطنية المتمثل في "تحرير لا تعمير"، كان خطأ مطلقا أضاع فرصة البلاد في استكمال أسس استقلالها السياسي باستقلال اقتصادي وبناء مشروع وطني يحتفي بالتنوع ويجعل منه قوة تبني دولة قوية، وتصنع تنمية عادلة ومتوازنة، تؤسّس لسلطة الشعب وديمقراطية مستدامة. ولكن هذا الخطأ الاستراتيجي، لا يمنع من الاعتراف لهذه النخبة بأنها لم تعرف الفساد المالي، ولم تسع في بداياتها الأولى لتسييس الخدمة المدنية، ولم تنهب القطاع العام، ولم تتاجر بالدين من اجل إفقار المواطن.
٢- إن غياب المشروع الوطني، الذي يحدد العدو الداخلي بوضوح، مثلما حدد العدو الخارجي المباشر وطرده، يفسح المجال للعدو الداخلي بلبس لبوس الوطنية، ويسمح له بفرض ارادته عبر الوثوب للسلطة التنفيذية، وتمرير مشروعه الهدام عبر ايدولوجيا وشعارات خادعة ودولة استبدادية. فبدون توضيح ان هناك أعداء داخليين لشعبنا يحملون الجنسية السودانية ، وينتمون لشرائح اجتماعية بعينها نشاطها الاقتصادي يشكل حربا على المواط، ودمارا شاملا للوطن، يبقى توصيف الخارطة السياسية خاطئا، والمشاريع التي تبنى على اساس هذا التوصيف جالبة لكل أنواع الفساد، وغير قادرة على تحقيق التنمية المستدامة. فالأساس الاجتماعي للنخبة الحاكمة، الذي يتمثل في الشريحة الاجتماعية الحاكمة وصاحبة المصالح التي تحققها السلطة كالرأسمالية الطفيلية في وقتنا الراهن، يسمح بمنع تحويل الصراع إلى صراع جهوي او قبلي او ديني او اثني او تعريف المركز والهامش على اساس جغرافي، ويجعل الصراع بين مشروعين: مشروع السلطة القائم على الاستبداد والقمع لأنه معاد للجماهير وقائم على نهبها وتبديد ثرواتها واحتكارها للنخبة الحاكمة واتباعها، ومشروع الشعب الذي يسعى لخلق دولة لكل مواطنيها. وهذا يمنع السلطة المكونة من أعداء الشعب، من استغلاله وتضليله عبر الدعاية الدينية و الاثنية والجهوية والقبلية والجغرافية، ويعيد الصراع إلى أسسه الصحيحة، ويسمح ببناء مشروع وطني متكامل، يؤسس لوضع دستور دائم وديمقراطية مستدامة، في ظل توزيع عادل للسلطة والثروة لا اقتسام لهما على اساس المحاصصة.
٣- إن مشاركة المؤسسة العسكرية في السلطة السياسية والنشاط الاقتصادي، لن تقود إلا إلى فشل يعقبه فشل، واستبداد يعقبه استبداد. وذلك لأن المؤسسة العسكرية بمجرد انخراطها في السياسة والاقتصاد، تفقد حيدتها وقوميتها المزعومة، وتصبح اداة للشريحة الاجتماعية الحاكمة، ويصبح جنرالاتها جزءا من النخبة الحاكمة من مواقع القيادة او مواقع التبعية حسب طبيعة الانقلاب العسكري الذي يضعها على دست الحكم. ففي حال أن الانقلاب هو انقلاب عسكريين مغامرين يستلم السلطة ومن ثم يبني تنظيمه السياسي ويمثل شريحته الاجتماعية ويعيد هيكلتها وبنائها بالهيمنة على الثروة من مدخل السلطة، يصبح هؤلاء العسكريين قيادة للنخبة، اما في حال قيام النخبة والشريحة الاجتماعية بإستلام السلطة عبر عسكرييها، فهي بالحتم سوف تدخلهم ناديها الاجتماعي بتحويل اوضاعهم ويصبحون مجرد واجهات لها، وهذا ما فعلته الرأسمالية الطفيلية ببلادنا، تحت شعارات دينية ونهبت عبره مقدرات شعبنا. والدرس المستفاد من تجربة ما بعد الاستقلال، هو ان المؤسسة العسكرية عند استلامها السلطة، تفقد حيادها، وتصبح اداة للقمع والاستبداد، مما يحتم أبعادها عن النشاط السياسي، ومنعها من ممارسة اي نشاط اقتصادي، يحول جنرالاتها إلى تجار ومضاربين، ويمكن المؤسسة من السيطرة على اقتصاد البلد وخلق اقتصاد موازي، تحميه الانقلابات والحروب، مع ضرورة إسقاط وهم التقديس لهذه المؤسسة، ونقدها ومحاسبة قيادتها وإخضاعها للمراجعة والتدقيق، مثلها مثل موسسات الدولة الأخرى التي تخضع للشعب وتعمل تحت امرته وسلطته المدنية، لحين استقرار النظام الديمقراطي وتحويل الجيش لحرس حدود يحمي السيادة الوطنية من اعتداءات الاعداء الخارجيين فقط.
٤- إن دولة سيادة حكم القانون وحدها، هي التي ستسمح بخلق وطن حر وشعب سعيد، وهي دولة تقوم على المؤسسية والدستورية المبنية على حقوق المواطنة والحريات كما تتضمنها وثائق حقوق الإنسان الدولية، بحيث يشكل اي انتقاص منها تحت دعاوى دينية او قومية او وطنية او إثنية او جهوية مزعومة، مؤشراً إلى طبيعة السلطة المعادية للشعب، ومؤكدا على وجوب اسقاطها عبر نشاط شعبي منظم. وهذا النشاط يجب ان يكون قواعديا لا فوقيا، يبدأ من حيث الجماهير التي تنظم نفسها وتختار قيادتها وتضع مشروعها وبرنامج حدها الادني، الذي يقود إلى تغيير جذري يهدم الدولة التي بنتها الشريحة المستبدة ويكنس آثارها. وذلك لان تحطيم جهاز دولة التمكين بالشرعية الثورية لبناء دولة الشعب السوداني التي تقصي اعداءه وتحاسبهم وتحاكمهم وتسترد ما نهبوه وسيطروا عليه، شرط أساسي للنجاح في تنفيذ المشروع الوطني. فالتساهل مع أعداء الشعب والشراكات معهم، تمنع من تفكيك دولتهم، وتمكنهم من احتواء التغيير ومن ثم الانقضاض عليه عبر انقلاب عسكري، والذهاب بعيدا في سبيل تقويضه إلى مستوى إشعال حروب مدمرة. وتجربة شعبنا في ثورة ديسمبر المجيدة بادية للعيان، حيث قادت شراكة الدم مع الجناح العسكري الأمني للإنقاذ إلى احتواء الثورة عبر الوثيقة الدستورية المعيبة، والى بداية تصفيتها عبر خرق تلك الوثيقة، ومن ثم تقويضها عبر الانقلاب العسكري الذي نفذته اللجنة الأمنية للإنقاذ الشريكة في الحكم او الحاكمة ان شئنا الدقة، والتي انقسمت على نفسها لتشعل حربها الراهنة ضد المواطن السوداني، فهجرته واحتكرت ثرواته لنفسها، واستعادت تمكينها عبر سلطتين غير شرعيتين. لذلك لا سبيل إلى بناء مشروع وطني، إلا بإيقاف الحرب ، وإقصاء طرفيها ومحاسبتهما على كافة جرائمهما الموصوفة والمعلومة للجميع وبيناتها حاضرة، والعمل على تحقيق أهداف ثورة ديسمبر المجيدة.
٥- ان الانتقال من دولة التمكين إلى دولة كل المواطنين باستثناء أعداء الشعب المتمكنين، يتم عبر دولة ثورية لا دولة اصلاحية. وذلك ببناء دولة انتقالية تقوم بتفكيك دولة التمكين بإرادة ثورية لا ديمقراطية، وتبني مؤسسات على اسس ديمقراطية تكرس لتحول ديمقراطي. وتفكيك دولة التمكين يجب ان يتم بيد قوى الثورة وحدها. وهو عملية جذرية لا اصلاحية لا يجب ان تترك لاجهزة النظام السابق وخصوصا في الشق العسكري والأمني، وهو عملية اعادة هيكلة لا إصلاح لأن الأجهزة العسكرية والأمنية للاستبداد غير قابلة للإصلاح لأنها بنيت لحماية التمكين ولا بد من تحطيمها. وهذا يشمل الأجهزة العدلية حتما، المناط بها محاسبة المتمكنين وحماية الانتقال. والمطلوب هو عدم توهم ان دولة الانتقال دولة ديمقراطية، بمستوى يقود لحماية التمكين عبر تطبيق مباديء الديموقراطية، مثلما حدث بعد سقوط واجهة الإنقاذ، وتم حماية قضائها غير المستقل بدعاوى حماية استقلال القضاء، بدلا من تفكيكه وإعادة هيكلته، وكانت النتيجة استخدامه ضد لجنة تفكيك النظام وضد معارضيه.
التحية لشعبنا في ذكرى استقلاله، والثقة الكاملة في انتصاره على اعدائه، الذين يرون ان ذلك بعيدا ونراه قريباً.

وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!
2/1/2026