Post: #1
Title: سودان ما بعد الحرب... قراءة في أطروحة عبد الله حمدوك كتبه عاطف عبدالله
Author: عاطِف عبدالله قسم السيد
Date: 01-02-2026, 10:40 AM
10:40 AM January, 02 2026 سودانيز اون لاين عاطِف عبدالله قسم السيد-UAE مكتبتى رابط مختصر
بقلم :
من يصوغ ملامح الدولة القادمة؟
الفصل التأسيسي: الدولة التي أنجبت الحرب
على الرغم من أنّ المقابلة التي أُعلنت عنها (منصة أفق جديد) في 29/12/2025 مع الدكتور عبد الله حمدوك لم تُنشر كاملة بعد، لكن ما رشح منها يكفي لتكوين قراءة أولية متماسكة لرؤيته حول سودان ما بعد الحرب، لا بوصفها مواقف عابرة، بل كتصوّر سياسي تأسيسي يعيد طرح سؤال الدولة من جذوره.
واستكمالاً لمقالي السابق بعنوان "سودان ما بعد الحرب: من يصوغ ملامح الدولة القادمة؟"، أشرتُ إلى تحالف "صمود" بوصفه جبهة مدنية يُعوَّل عليها كثيراً في معركة إعادة تأسيس الدولة بعد توقف الحرب. وتستمد "صمود" جزءاً معتبراً من شرعيتها من اتساع قاعدتها، وتعدّد الأحزاب والقوى السياسية التي تتكوّن منها، بما يمنحها تمثيلاً مدنياً لا يمكن تجاهله في أي معادلة انتقالية قادمة.
غير أنّه لا يمكن إغفال حقيقة أن وجود عبد الله حمدوك على رأس هذا التحالف هو العامل الحاسم الذي منح "صمود" زخمها الشعبي، وثقلها السياسي، وحضورها اللافت في المحافل الإقليمية والدولية، داخلياً وخارجياً. فحمدوك لا يُمثّل مجرد قيادة تنظيمية، بل يحمل رصيداً رمزياً تشكّل في لحظة ثورية فارقة، وارتبط في الوعي العام، خاصة المستنير منه، بإمكانية الانتقال من دولة السلاح إلى دولة السياسة.
من هنا، لا تأتي قراءة رؤية حمدوك لسودان ما بعد الحرب من باب الاهتمام بشخصه، بل من موقع النظر إلى الدور الذي تلعبه هذه الرؤية في تشكيل أحد أهم أقطاب الفعل المدني اليوم، وفي إعادة رسم ملامح الصراع حول طبيعة الدولة، وحدود السلطة، وشروط الشرعية في السودان المقبل.
1. الحرب بوصفها نتيجة لا سبباً
لا يمكن فهم الحرب السودانية الأخيرة باعتبارها انفجاراً مفاجئاً لصراع عسكري بين قوتين، أو مجرّد فشل أمني عابر، بل يجب النظر إليها بوصفها التعبير الأقصى عن أزمة دولة لم تُحسم أسئلتها التأسيسية منذ الاستقلال. في هذا السياق، تكتسب أطروحة الدكتور عبد الله حمدوك أهميتها، لأنها تعيد توجيه البوصلة من مشهد الدم والدمار إلى سؤال أعمق: كيف عرّفت الدولة السودانية نفسها، ولماذا فشلت في أن تكون دولة الجميع؟
تنطلق هذه الرؤية من فرضية مركزية مفادها أن الأزمة لم تبدأ بالحرب، بل بتعريفٍ مختلّ للدولة لنفسها. فالدولة التي لا تمتلك تصوراً جامعاً لهويتها، ولا تعترف بتعدّد مكوناتها، إنما تهيئ الشروط الموضوعية لتحوّل الاختلاف من تنوّع صحي إلى صراع عنيف. هكذا لم يكن غياب الهوية الوطنية الجامعة خلافاً ثقافياً أو سجالاً نخبوياً، بل مولّداً بنيوياً للحروب.
2. فشل استيعاب التنوّع وتحويل الاختلاف إلى عنف
لم تتعامل الدولة السودانية، تاريخياً، مع التنوّع الثقافي والإثني والديني بوصفه مورداً لبناء أمة حديثة، بل نظرت إليه غالباً باعتباره تهديداً ينبغي ضبطه أو صهره قسراً في نموذج واحد. هذا الفشل في الاستيعاب السياسي حوّل الاختلاف إلى أداة تعبئة، والسلاح إلى لغة تفاوض، والحرب إلى وسيلة لإعادة ترتيب العلاقة مع المركز.
وفق هذا الفهم، فإن الحروب التي اندلعت في أطراف السودان، ثم عادت لتضرب قلب العاصمة، ليست سوى حلقات في سلسلة واحدة، عنوانها العريض: دولة لم تنجح في إدارة تنوّعها، فدفعت ثمن ذلك تفككاً وعنفاً مستداماً.
3. الدولة المركزية الأحادية: نموذج منتج للأزمات
تذهب أطروحة حمدوك إلى تحميل نموذج الدولة المركزية الأحادية مسؤولية مباشرة عن هذا الفشل التاريخي. فهذا النموذج، الذي راكم السلطة والثروة والقرار في مركز ضيق، أثبت عجزه عن حكم بلد بحجم السودان وتعقيده الاجتماعي. لقد أنتج مركزاً مهيمناً وأطرافاً مهمّشة، وحوّل السياسة إلى صراع صفري على القرب من المركز أو التمرّد عليه.
من هنا، تبرز الدولة المدنية اللامركزية لا كخيار نظري أو وصفة تقنية، بل كضرورة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة. فاللامركزية، في هذا السياق، ليست تفويضاً إدارياً محدوداً، بل إعادة توزيع حقيقي للسلطة والموارد والاعتراف، بما يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
4. عقدة الجيش والسياسة: حين يصبح السلاح سلطة
تحتل العلاقة بين الجيش والسياسة موقع القلب في أزمة الدولة السودانية. إذ لا يمكن الحديث عن دولة مستقرة دون حسم مسألة احتكار العنف المشروع. تؤكد أطروحة حمدوك أن إخضاع المؤسسة العسكرية لسلطة مدنية منتخبة شرط لا غنى عنه لبناء الدولة، لا انتقاصاً من دور الجيش، بل حماية له من التسييس والتآكل.
لقد أدّت الانقلابات المتكررة إلى ترسيخ منطق خطير، قوامه أن العنف وسيلة مشروعة لتغيير السلطة. ومع تعدّد المليشيات وتحول السلاح إلى سلطة مستقلة، تآكل مفهوم الجيش القومي، وسقطت هيبة الدولة. وحين يفقد العنف احتكاره القانوني، تفقد الدولة معناها، وتتحول إلى ساحة تنازع مسلح دائم.
5. الإسلام السياسي واختطاف الدولة
تضع هذه الرؤية تجربة الإسلام السياسي في السودان ضمن سياق نقدي صارم، يميّز بين الدين كمنظومة قيم، وبين تسييسه وتحويله إلى أداة للسلطة. فقد أدى دمج الأيديولوجيا الدينية بالحكم إلى اختطاف الدولة، وتحويلها من إطار عام إلى غنيمة سياسية.
ومع الزمن، تحولت الحركة الإسلامية من مشروع فكري معلن إلى شبكة مصالح معقّدة، كان جوهرها التمكين لا بناء الدولة. لذلك، فإن أي حديث عن مشاركة سياسية مستقبلية لا بد أن يقترن بشرط حاسم: عدم إعادة إنتاج منظومة التمكين، مهما تغيّرت واجهاتها.
6. القوى المدنية والشارع: الشرعية من الأسفل
على الرغم من الانقسامات والجراح التي أصابت القوى المدنية، ترى هذه الأطروحة أنها ما زالت تمتلك مصدر الشرعية الأهم: الشارع. فالتاريخ السوداني الحديث يشهد بثلاث ثورات شعبية أسقطت أنظمة ديكتاتورية، في دلالة واضحة على أن النزعة الديمقراطية ليست طارئة على المجتمع، بل متجذّرة فيه.
من هذا المنظور، لا يولد المشروع الوطني من فوهة البندقية، ولا تُمنح الشرعية بميزان القوة العسكري، بل تتشكّل من الإرادة الشعبية ومن القدرة على التعبير السياسي السلمي.
7. الحرب والتدخلات الخارجية: اختبار السيادة
تعترف هذه القراءة بأن الحرب أشعلتها أيادٍ سودانية، لكنها تحذّر من أن فشل الإرادة الوطنية يفتح الباب واسعاً لتحوّل السودان إلى ساحة صراع إقليمي ودولي. في مواجهة ذلك، يُطرح خيار الحياد الإيجابي والبنّاء بوصفه المسار الأكثر واقعية للحفاظ على ما تبقى من السيادة، بعيداً عن سياسة الاصطفاف في المحاور التي لا تبني دولاً، بل تدمّرها.
8. مفترق الطرق: إعادة التأسيس أو تدوير الانهيار
في خاتمة هذا المسار التحليلي، يقف السودان أمام خيارين تاريخيين لا ثالث لهما: إما إعادة تأسيس الدولة على أسس مدنية ديمقراطية عادلة، أو إعادة إنتاج الفشل بكل ما يحمله من عنف وانقسامات وفراغ سياسي. ليست هذه مفاضلة نظرية، بل لحظة اختيار حاسمة ستحدد شكل الدولة السودانية لعقود قادمة.
بهذا المعنى، تمثل أطروحة عبد الله حمدوك أحد الأعمدة الفكرية في مشروع "سودان ما بعد الحرب"، لأنها لا تكتفي بإدانة الماضي، بل تفتح أفقاً نظرياً وسياسياً لإعادة تخيّل الدولة، شرط أن تجد هذه الرؤية طريقها من النص إلى الفعل، ومن النخبة إلى المجتمع بتحويل هذه الرؤية إلى برنامج سياسي جماهيري. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صحة الطرح، بل في ميزان القوة القائم، وقدرة القوى المدنية على إيجاد آليات انتقال تُخرج الجيش من السياسة دون تفجير الدولة.
_______________________________________________ عاطِف عبدالله قسم السيد Atif Abdalla Gassime El-Siyd
|
|