ما هي حدود دولة الوّهمّين النهر والبحر يا عبدالرحمن عمسيب؟ كتبه عبدالغني بريش فيوف

ما هي حدود دولة الوّهمّين النهر والبحر يا عبدالرحمن عمسيب؟ كتبه عبدالغني بريش فيوف


01-02-2026, 03:34 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1767324896&rn=0


Post: #1
Title: ما هي حدود دولة الوّهمّين النهر والبحر يا عبدالرحمن عمسيب؟ كتبه عبدالغني بريش فيوف
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 01-02-2026, 03:34 AM

03:34 AM January, 01 2026

سودانيز اون لاين
عبدالغني بريش فيوف -USA
مكتبتى
رابط مختصر





في ظلّ العواصف السياسية التي تضرب السودان، وبينما تتشابك القوى العسكرية والمدنية على ركام دولة متعبة ومنهكة، تبرز أصواتٌ تدعو إلى حلول جذرية، يرى أصحابها أنها طوق النجاة، بينما يراها آخرون قفزة في المجهول أو انتحارا سياسيا مكتمل الأركان، ومن بين هذه الأصوات، يبرز صوت الناشط السياسي عبدالرحمن عمسيب كأحد عرابي دعوات الانفصال الجديدة، مروجا لمشروع دولة يُفترض أنها تمثل حلا لمعضلة الحكم والموارد والهوية في السودان، وهي ما يصطلح عليها بدولة "النهر والبحر".
نحن لسنا هنا بصدد محاكمة نوايا أي شخص، ولا التخوين، فالسياسة كما يقال، هي فن الممكن، ولكنها أيضا علم الواقع والحقائق الصلبة، لأن عندما يتعلق الأمر بمصير الشعوب ورسم الخرائط، فإن الشعارات العاطفية والخطابات الحماسية لا تكفي لبناء الدول، ومن هنا، ينبع سؤالنا المركزي والمُلِح، والذي لا يحمل ضغينة شخصية بقدر ما يحمل مخاوف وجودية مشروعة: ما هي حدود هذه الدولة التي يريد السيد عمسيب فصلها، وأين يبدأ النهر وأين ينتهي البحر في قاموس الجغرافيا السياسية الذي يستند إليه؟
الحدود: ليست مجرد خطوط على الرمال..
لابد من التأسيس النظري أولاً لمفهوم الحدود، ففي القانون الدولي والعلاقات الدولية، الحدود ليست مجرد خطوط تُرسم بقلم رصاص على خريطة صماء، الحدود، هي الحيز القانوني لممارسة السيادة، وهي الخط الفاصل بين نظامين قانونيين، وبين هويتين سياسيتين، وبين اقتصادين.
إن ترسيم أي حدود جديدة يقتضي إجابات دقيقة على أسئلة معقدة تتعلق بالديموغرافيا، والموارد، والممرات المائية، والمراعي، والأراضي الزراعية، والتداخل القبلي.
عندما يطرح السيد عمسيب ومشايعوه فكرة دولة النهر والبحر في إشارة لولايات الشمال والوسط والشرق، فإنهم يفترضون ضمنا وجود تجانس جغرافي وبشري يسمح بهذا الفصل الجراحي عن جسد السودان الأم، ولكن، هل الواقع يدعم هذا الافتراض؟
معضلة الجغرافيا المتداخلة..
إذا بدأنا بتفكيك مصطلح النهر، فإننا نتحدث عن شريط نيلي يمتد من أقصى الشمال مخترقا الوسط، وإذا تحدثنا عن البحر، فنحن نعني شرق السودان بساحله الممتد، والسؤال هنا: ما هي الحدود الغربية والجنوبية لهذه الدولة المفترضة؟
الحدود مع الغرب (كردفان ودارفور)...
1/ أين ينتهي الشمال ويبدأ الغرب، هل سيضعون نقاط تفتيش في أم روابة أو الأبيض مثلا، لأن التداخل القبلي والاجتماعي والاقتصادي بين ولايات الوسط وكردفان هو تداخل عضوي لا يمكن فصله بمشرط، وأن الملايين من أبناء غرب السودان هم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي في الخرطوم والجزيرة والشمالية؟
هل ستشمل دولتهم هؤلاء، أم سيقومون بعملية تطهير ديموغرافي مستحيلة التنفيذ ستؤدي حتما إلى حرب أهلية شاملة تفوق في قسوتها ما نراه اليوم؟
الحدود مع الجنوب الجديد (النيل الأزرق وسنار)..
2/ كيف سيتم ترسيم الحدود في مناطق التمازج السكاني في ولايات سنار والنيل الأزرق، تلك المناطق التي تعتبر مسرحا لتنوع إثني وثقافي فريد، هل سيتخلون عن جزء من النيل الأزرق، وهل سيقبل سكان تلك المناطق بأن يكونوا وقودا لمشروع انفصالي لم يستشيرهم فيه أحد؟
معضلة ولاية الخرطوم..
3/ الخرطوم ليست مجرد عاصمة إدارية، بل هي بوتقة انصهار السودان كله، هي السودان المصغر، والمطالبة بدولة تفصل الشمال والشرق تعني عمليا تحويل الخرطوم إلى ساحة معركة لا تنتهي حول لمن تتبع هذه المدينة؟
هل ستكون عاصمة لدولتهم، وإذا كانت كذلك، كيف سيتعاملون مع ملايين المواطنين الذين ينحدرون من أقاليم ستصبح دولا أجنبية وفق منطقهم؟
وهم التجانس في الشرق والبحر..
لعل أخطر ما في طرح دولة النهر والبحر، هو تجاهله للواقع المعقد في شرق السودان، ذلك ان الشرق ليس كتلة واحدة صماء تدين بالولاء لمشروع انفصالي شمالي وسطي.
شرق السودان يعاني من احتقانات قبلية وسياسية وتظلمات تاريخية عميقة، وهناك مكونات اجتماعية في الشرق لديها امتدادات داخل العمق الإريتري والإثيوبي، ولديها رؤاها الخاصة التي قد تتعارض كليا مع رؤية عمسيب الإنفصالية.
هل سأل دعاة الانفصال أهل الشرق: هل يريدون أن يكونوا جزءا من دولة تهيمن عليها نخب الوسط والشمال النيلي مجددا، أم أن لهم تطلعاتهم الخاصة؟
التلويح بكرت الموانئ كورقة ضغط اقتصادية هو سيف ذو حدين، قد يؤدي إلى انفصال الشرق نفسه عن الشمال، لننتهي بدويلات مجهرية متناحرة لا تملك مقومات البقاء.
الاقتصاد: وهم الاكتفاء الذاتي..
يروج دعاة الانفصال لسردية تقول، إن الشمال والوسط والشرق، هم من يمولون بقية السودان، وأن التخلص من الأقاليم المضطربة سيؤدي إلى رفاهية اقتصادية فورية، هي قراءة قاصرة ومضللة للاقتصاد السياسي السوداني.
الثروة الحيوانية: يعتمد اقتصاد الصادر السوداني بشكل هائل على الثروة الحيوانية التي يتركز ثقلها الأكبر في الغرب (كردفان ودارفور).
الذهب:** تنتشر مناجم الذهب في مناطق متفرقة، وجزء كبير منها يقع في مناطق تداخل أو في أقاليم يراد بترها.
المياه: السيطرة على مياه النيل ومشاريع الري تتطلب عمقا استراتيجيا وتنسيقا، وأي نزاع حدودي سيؤدي إلى تهديد الأمن المائي والغذائي.
السوق: قوة الصناعة والزراعة في الوسط تعتمد على سوق يضم 45 مليون سوداني، وتقليص الدولة يعني تقليص السوق، مما يعني كسادا محققا للصناعات والخدمات التي تتمركز في الخرطوم والجزيرة.
المبررات السياسية والحقوقية: هروب للأمام..
إن دعوة السيد عبدالرحمن عمسيب وغيره للانفصال تأتي غالبا كرد فعل غاضب ومحبط من الحروب المستمرة وسلوك بعض الحركات المسلحة أو قوات الدعم السريع، وهو غضب مفهوم في سياق الانتهاكات والجرائم، ولكنه لا يبرر اتخاذ قرارات مصيرية تنهي وجود الدولة.
بناء الدول لا يتم عبر ردود الأفعال العاطفية، إذ ان الدولة هي عقد اجتماعي، والانفصال ليس حلا لمشاكل إدارة التنوع، بل هو إقرار بالفشل في إدارته، وهروب إلى قاع أصغر لن يخلو من المشاكل ذاتها.
إذا انفصل النهر والبحر اليوم، فما الذي يمنع أن ينفصل النهر عن البحر لاحقا بسبب صراع الموارد والسلطة، وما الذي يمنع أن تتشظى ولايات الشمال والوسط نفسها؟
إنها متوالية انشطارية لن تتوقف إلا بتمزيق المجتمع إلى كانتونات قبلية بدائية.
السيادة والشرعية الدولية..
أخيراً، يواجه هذا المشروع عقبة كأداء تتمثل في الشرعية، إذ من فوّض السيد عمسيب لترسيك حدوداً وإعلان دولاً، لأن حق تقرير المصير هو حق للشعوب يُمارس عبر آليات ديمقراطية وقانونية معقدة (استفتاءات، حوارات وطنية)، وليس قراراً يتخذه ناشطون في غرف مغلقة أو عبر منصات التواصل الاجتماعي.
العالم اليوم يتجه نحو التكتلات الكبرى، والمجتمع الدولي لن يعترف بسهولة بدولة جديدة تولد من رحم الفوضى وتفتقر إلى مقومات الاستقرار، وتؤسس لصراعات حدودية لا تنتهي.
************
في الختام.. نقول، يا عبدالرحمن عمسيب، ويا كل من يراوده حلم الانفصال كحل سحري، إن حدود دولتكم المتخيلة ليست سوى خطوط من نار، وهي دعوة لحرب الكل ضد الكل.
إن السودان، بحدوده الحالية التي ورثها أهل السودان عام 1956، ورغم كل جراحاته وتشوهات نظامه السياسي، يظل هو الإطار الوحيد القابل للحياة إذا ما أُعيد تأسيسه على مبادئ العدالة والمواطنة المتساوية والفيدرالية الحقيقية، بدلاً من إهدار الجهد في رسم خرائط الوهم، وفصل النهر عن مجراه، والبحر عن شاطئه، عليك ومن معك أن تواجهوا الإستحقاقات السياسية بمسؤولية.
الحل يكمن في هزيمة المشاريع الاستيطانية والمليشيات المتفلتة بقوة القانون وبناء جيش وطني موحد، وبالعمل السياسي الدؤوب لبناء دولة تسع الجميع، لا في الهرب منها وتفصيل دولٍ صغيرة على مقاسات الغضب والإحباط.
أما إذا كنت مصرا على الإنفصال، فإننا نطالبك، وبكل وضوح، أن تخرج الخريطة من جيبك وتضعها على الطاولة وترسم لنا الحدود، وتخبرنا كيف ستقنع القبائل المتداخلة بتمزيق أواصرها، وكيف ستقسم الموارد، وكيف ستحمي هذه الدولة المسخ من الأطماع الخارجية، حينها فقط، سيدرك الجميع أن دولة النهر والبحر ليست سوى سرابٍ في صحراء السياسة السودانية القاحلة، وأن الوطن لا يتجزأ على مقاسات الغضب والإحباط.
************************
في ختام هذه القراءة التحليلية لواقع السودان المأزوم، وأمام ضجيج دعوات الانفصال التي يطلقها السيد عبدالرحمن عمسيب ومن شايعه، يجد السودانيين أنفسهم لا يقفون أمام مجرد رأي سياسي قابل للأخذ والرد، بل بصدد مواجهة مقامرة وجودية مكتملة الأركان.
إن مشروع دولة النهر والبحر، ليس طوق نجاة كما يتم تسويقه للبسطاء والغاضبين، بل هو قفزة انتحارية في ظلام دامس، ومحاولة جراحية فاشلة ومميتة لفصل أعضاء حيوية من السودان، عمليةٌ لن ينجو منها النهر ولن يسلم منها البحر، وستترك الجسد السوداني كله ينزف حتى الموت.
إننا حين نرفض هذا الطرح، لا ننطلق من عواطف وحدوية ساذجة تتجاهل المرارات التأريخية، بل ننطلق من قراءة باردة وصارمة لحقائق الأرض والجغرافيا التي لا تكذب، فدعاة الانفصال، حين يرسمون حدودهم الافتراضية على منصات التواصل الاجتماعي، يتجاهلون الحقيقة الأكثر رعبا، وهي أن هذه الحدود ليست خطوطا بقلم رصاص يمكن مسحها وتعديلها، بل هي خطوط من نار وخنادق للدماء ستشق طريقها عبر القرى والمدن والأسواق، بل وعبر العائلات الواحدة.
نقول لدعاة النهر والبحر، إن الخرائط لا تُبنى بالأمنيات، والدول لا تقوم على ردود الأفعال العاطفية تجاه الحروب والكوارث، وإنهم بدعوتهم هذه يؤسسون لسجن كبير محاصر بالأعداء بالمعضلات الاقتصادية القاتلة، لا لدولة رفاه واستقرار.
دعونا نتساءل بوضوح لا يقبل اللبس: كيف سيواجه أنصار عمسيب لعنة التداخل، أين سيغرسون أول وتدٍ لحدودهم، وعبر أي جسد سيمررون مشرط التقسيم؟
هل سيضعون نقاط تفتيش عسكرية في أزقة أم روابة أو في تخوم النيل الأزرق، ليفصلوا بين القبائل التي انصهرت دماءها وتاريخها عبر مئات السنين؟
إن من يظن أن الهروب من أزمات السودان يكمن في بناء الأسوار العازلة، يتجاهل حقيقة أن دماء هذا الوطن ومصالحه الاقتصادية تسري في عروق متداخلة لا تعترف بحدود السيد عمسيب المصطنعة.
علاوة على ذلك، فإن الرهان على تجانس الشرق والشمال هو رهان خاسر ومضلل، فالشرق ليس تابعا أعمى، ولن يقبل أهله أن يكونوا وقودا لمعارك النخب النيلية، أو أن تُستخدم موانئهم كأوراق ضغط في صراعات المركز.
إن تجاهل التعقيدات الاجتماعية والقبلية في الشرق، والقفز فوق تطلعات سكانه، هو وصفة مثالية لتحويل شرق السودان نفسه إلى ساحة حرب أهلية طاحنة، وحينها لن يجد النهر بحرا يصب فيه، ولن يجد البحر ظهيرا يستند إليه.
إن الاقتصاد، بلغة الأرقام الصماء، يسخر من فكرة الانفصال هذه، فكيف لدولة تزعم أنها ستبني رفاهيتها أن تبدأ مسيرتها ببتر أسواقها، وعزل نفسها عن مصادر ثروتها الحيوانية، وتقليص عمقها الاستراتيجي والمائي؟
إن الانفصال هنا يعني التقزم الطوعي، ويعني تحويل الشمال والشرق من قلب نابض لدولة بحجم قارة، إلى دويلات مجهرية وظيفية، تتسول الاعتراف الدولي، وتعيش على فتات المساعدات، مهددة في أمنها الغذائي والمائي، وعرضة للابتزاز من كل جار وطامع.
نقولها بملء الفم للسيد عمسيب ولكل من يراوده حلم التمزيق كحل سحري: إن الشجاعة السياسية لا تكمن في رفع رايات الاستسلام للواقع المرير وتقطيع الأوصال هربا من المواجهة، بل الشجاعة تكمن في الصمود لإعادة بناء الدولة الشاملة.
إن السفينة السودانية، بكل ثقوبها وجراحاتها، إما أن تنجو بكامل ركابها بعد إصلاح العطب، أو تغرق بالجميع، فلا توجد قوارب نجاة تتسع لأقاليم دون غيرها في هذا الطوفان الجارف.
إن السودان بحدوده الحالية، ورغم كل التشوهات السياسية، يظل هو الحقيقة الوحيدة القابلة للحياة والاستدامة، بينما تظل دولة عمسيب المتخيلة مجرد سراب لامع في صحراء اليأس السياسي، وبدلا من إهدار الوقت والطاقات في هندسة الهروب الكبير، ورسم خرائط الوهم التي ستشعل حرب الكل ضد الكل، ليوجهوا هذه الطاقات نحو المعركة الحقيقية والوحيدة، وهي معركة استعادة الدولة من خاطفيها، وهزيمة المليشيات بقوة القانون وبناء جيش وطني مهني واحد، ووضع عقد اجتماعي جديد يسع الجميع بلا استثناء، فالتاريخ لن يرحم من ترك السفينة تحترق ليبحث عن قشة نجاة وهمية، ليكتشف متأخرا جدا، وتحت نيران الصراعات الحدودية التي لا تنتهي، أن تلك القشة لا تحمل وزنه، وأن النهر والبحر كانا دائما، وسيبقيان، جسدا واحدا لا يقبل القسمة إلا على الفناء.