Post: #1
Title: السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير كتبه إبراهيم أبو عواد
Author: إبراهيم أبو عواد
Date: 01-01-2026, 09:32 PM
09:32 PM January, 01 2026 سودانيز اون لاين إبراهيم أبو عواد-الأردن مكتبتى رابط مختصر
/ كاتب من الأردن
حِينَ تَعجِز اللغةُ المُباشِرة عن اختراقِ جُدرانِ العاداتِ المُتَصَلِّبة ، وَحِينَ يُصْبحُ الوَعْظُ ثقيلًا على الأُذُنِ والعقلِ ، تُولَد السُّخْرِيَةُ بِوَصْفِها فَنًّا للقَوْلِ غَيْرِ المُباشِر ، وَلِسَانًا يُضْحِكُ لِيُبْكي ، وَيُخْفِي الجُرْحَ في ابتسامةٍ . لَيْسَت السُّخريةُ تَرَفًا بَلاغِيًّا ، بَلْ هِيَ مَوْقِفٌ فِكريٌّ وأخلاقيٌّ ، وَسِلاحٌ حضاريٌّ استخدمه الكُتَّابُ حِينَ ضاقتْ بِهِم سُبُلُ الإصلاحِ الصَّريحِ . وفي تاريخِ الأدبِ يَقِفُ الجَاحِظ (160 ه/ 776 م _ 255 ه/ 869 م) وفولتير _اسْمُه الحقيقي فرانسوا ماري أرويه_ ( 1694 م _ 1778 م ) عَلى ضَفَّتَيْن مُتباعدتَيْن زَمانًا ومَكانًا، لكَّنهما يَلْتقيان في جَوْهَرٍ واحدٍ: السُّخْرية الاجتماعية باعتبارها مِرْآةً للمُجتمعِ ، وحاضنةً للعقلِ ، وَصَرْخَةً ضِدَّ التَّكَلُّسِ والظُّلْمِ . السُّخريةُ لَيْسَتْ مُجرَّد ضَحِكٍ على الآخَر، بَلْ هِيَ تَفكيكٌ للواقعِ عَبْرَ المُفارَقة . تَقُومُ على قلبِ المُتَوَقَّعِ ، وإظهارِ التناقضِ بَيْنَ مَا يُقَالُ وَمَا يُفْعَلُ ، وَبَيْنَ الشِّعاراتِ والمُمارَساتِ . في بُعْدِها الاجتماعيِّ ، تَتَّخِذُ السُّخْريةُ وَظيفةً مُزْدَوَجَة : نَقْد البُنى السائدة مِنْ جِهَةٍ ، وَحِماية الكاتبِ مِنْ بَطْشِ السُّلْطةِ أو المُجتمعِ مِنْ جِهَّةٍ أُخْرَى . إنَّها خِطابٌ يَمُرُّ مِنْ تَحْتِ الرَّقابة ، وَيَصِلُ إلى العُقُولِ بِضِحْكَةٍ ، ثُمَّ يَستقرُّ في الضَّميرِ بِوَخْزَةٍ . الجَاحِظُ ابْنُ البَصْرَةِ العَبَّاسِيَّةِ ، عاشَ في عَصْرِ ازدهارٍ فِكريٍّ وَصِراعٍ مَذهبيٍّ واجتماعيٍّ حاد . كانت الأسواقُ تَضِجُّ بالجَدَلِ ، والقُصورُ تَعِجُّ بالسُّلْطةِ ، والمَساجدُ تَمُوجُ بالخِلافِ . في هَذا المَنَاخِ كَتَبَ الجَاحِظُ ساخرًا بصيرًا لا خَطيبًا واعظًا ، يُراقِب المُجتمعَ مِنْ دَاخِلِه ، ويَضْحَك مِنْ تناقضاته بذكاءٍ لُغَوِيٍّ لاذعٍ . سُخْريته لَيْسَتْ صاخبةً ، بَلْ تَتسلَّل عَبْرَ الحِكايةِ والطُّرْفةِ والمِثَالِ . حِينَ يَكتبُ عَن البُخَلاءِ ، لا يَكْتفي بِوَصْفِ البُخْلِ صِفَةً فردية، بَلْ يُحوِّله إلى ظاهرةٍ اجتماعية تَكشِف عَلاقةَ الإنسانِ بالمال، والخَوْفَ مِنَ الفَقْرِ، والتناقضَ بَيْنَ الادِّعَاءِ الدِّينيِّ والسُّلوكِ اليَوْمِيِّ. لُغَةُ الجَاحِظِ أداةُ سُخْريةٍ بِحَدِّ ذَاتِها ، فَهُوَ يُكدِّس الحُجَجَ ، وَيُطِيلُ الاستطرادَ ، ويُغْرِق النَّصَّ بالتفاصيلِ حتى يَنقلب الجِدُّ إلى هَزْلٍ ، والهَزْلُ إلى نَقْدٍ قاسٍ. هَذا الإفراطُ المَقصودُ يَكشِف عَبَثَ بَعْضِ السُّلوكيَّات ، وَيَجْعَل القارئَ شريكًا في اكتشافِ المُفَارَقَاتِ. إنَّه عَقْلُ مُعْتَزِلِيٍّ يُؤْمِنُ بالمَنْطِقِ ، لكنَّه يُدرِك أنَّ المَنْطِقَ وَحْدَه لا يَكْفي ، فَيَسْتعين بالضَّحِكِ لِيُقْنِع . لا يَسْخَرُ الجَاحِظُ مِنَ الفُقَرَاءِ لِكَوْنِهِم فُقَرَاء ، ولا مِنَ الضُّعَفَاءِ لِضَعْفِهِم ، بَلْ مِنَ الادِّعَاءِ والرِّيَاءِ والجُمودِ . سُخْريته أخلاقية في جَوْهَرِها ، لأنَّها تَنحازُ إلى العَقْلِ والعَدْلِ . حِينَ يَسْخَرُ مِنَ المُتَعَصِّبِين ، فَهُوَ يُدافِع عَنْ حُرِّيةِ التَّفكيرِ ، وحِينَ يَتَهَكَّمُ على المُتَشَدِّدِين في فَهْمِ الدِّينِ، فَهُوَ يَدْعو إلى فَهْمٍ إنسانيٍّ رَحْب ، إنَّها سُخْرية الإصلاحِ مِنَ الداخلِ ، وَسُخْرية مَنْ يُؤْمِنُ بالمُجتمعِ ويُريدُ إنقاذَه مِنْ نَفْسِه ، وَفْقَ رُؤيةِ الجَاحِظِ الشَّخْصيةِ وقَناعاتِه الفِكْرية . عَلى الضَّفَّةِ الأُخْرَى ، يَقِفُ فولتير في أُوروبا القَرْنِ الثامنِ عَشَر ، زَمَن الكَنيسةِ المُتَسَلِّطَةِ والمُلوكِ المُطْلَقِين.عاشَ المَنْفَى والسِّجْنَ والمُطَارَدَةَ، فصاغَ سُخْريته بِمَرارةٍ شديدةٍ، وَحِدَّةٍ صَريحةٍ. وإذا كانَ الجَاحِظُ يَبتسمُ وَهُوَ يَكْتُب، فإنَّ فولتير يَضْحَكُ ضِحْكَةً تَحمِل الغضبَ واليأسَ مَعًا . في أعمالِه السَّرْديةِ والفلسفيةِ ، يَستخدمُ فولتير السُّخْريةَ لِتَعْريةِ التفاؤُلِ السَّاذَجِ ، وَفَضْحِ الاستبدادِ الدِّينيِّ والسِّياسيِّ . يَبْني عَوالِم خَيَالِيَّةً ، لكنَّها في الحقيقةِ نُسَخٌ مُكبَّرة مِنَ الواقعِ . المُفَارَقَةُ عِندَه حادَّة ، شخصيات تُؤْمِنُ بأنَّ كُلَّ شَيْءٍ على مَا يُرام ، بَيْنَما العَالَم مِنْ حَوْلِها يَنهارُ . بِهَذا التناقضِ يُحطِّم فولتير فِكْرَةَ تَبريرِ الشَّرِّ بِاسْمِ الحِكمةِ الإلهيَّةِ أو النِّظَامِ الكَوْنيِّ . سُخْريةُ فولتير لَيْسَتْ مُجرَّد تِقْنيةٍ أدبية ، بَلْ هِيَ مَشروعٌ تَنْويريٌّ . يَسْخَرُ لِيَهْدِمَ ، ثُمَّ يَتْرُك القارئَ أمامَ مَسؤوليةِ البِناءِ . يُهاجِم التَّعَصُّبَ والزَّيْفَ ، ويُسْقِط الأقنعةَ عَنْ رِجالِ الدِّينِ الزائفين والحُكَّامِ المُسَتَبِدِّين . لُغَتُهُ واضحة ، وَجُمَلُهُ قصيرة ، وَطَعَنَاتُهُ مُباشِرة ، لا يُراوِغ كثيرًا ، لأنَّ زَمَنَه كانَ يَتطلَّب الصَّدْمَةَ . ومعَ ذلك ، فإنَّ فولتير لا يَدَّعي الطَّهارةَ المُطْلَقَةَ للإنسانِ . إنَّه يُدرِك هَشَاشَتَه ، وَيَسْخَر مِنْها أيضًا ، لكنَّه يَرى في العقلِ والعِلْمِ والأخلاقِ أُفُقًا للخَلاصِ ، وَلَوْ كانَ هذا الأُفُقُ مَحْفُوفًا بالتَّشَاؤُمِ . على الرَّغْمِ مِن اختلافِ السِّيَاقَيْن ، يَلْتقي الجَاحِظُ وفولتير في إيمانٍ عَميقٍ بِقُدْرَةِ العقلِ ، وفي شَكٍّ دائمٍ بالسُّلْطَاتِ المُطْلَقَةِ.كِلاهُما يَستخدمُ السُّخْريةَ لكشفِ النِّفَاقِ الاجتماعيِّ،ويَجْعَل القارئَ يَضْحَك ثُمَّ يُفَكِّر . الفَرْقَ هُوَ أنَّ الجَاحِظَ يَتحرَّك دَاخِلَ نَسيجٍ ثقافيٍّ يَسْمَحُ بالمُرَاوَغَةِ والالتفافِ ، بَيْنَما يَكتبُ فولتير في مُوَاجَهَةٍ مُباشِرة معَ مُؤسَّساتٍ قَمْعِيَّة ، فَيَكُون صَوْتُهُ أعلى ، وَحِدَّتُهُ أشد . والجَاحِظُ أقربُ إلى المُعَالِجِ الذي يَصِفُ الدَّاءَ، ويَبتسِم لِيُطَمْئِنَ المَريضَ،وفولتير أقربُ إلى الجَرَّاحِ الذي يَشُقُّ الجُرْحَ بِلا مُخَدِّرٍ ، لكنَّ الهدفَ واحدٌ ، إنقاذ الإنسانِ مِنْ جَهْلِه ، وتَحْريره مِنْ خَوْفِه . تَكْشِفُ المُقَارَنةُ بَيْنَهما أنَّ السُّخْرية لَيْسَتْ حِكْرًا على ثقافةٍ بِعَيْنِها ، بَلْ هِيَ لُغَةٌ كَوْنِيَّة . تَختلفُ الأقنعةُ ، لكنَّ الجَوْهَرَ ثابتٌ . في التُّراثِ العَرَبيِّ ، السُّخْريةُ كانتْ وَسيلةً للبَقَاءِ والتَّوَازُنِ ، تُدَارِي الألَمَ ، وتُحافِظ على كَرامةِ الإنسانِ في وَجْهِ القَهْرِ. وفي التُّراثِ الأُوروبيِّ الحَديثِ ، السُّخْريةُ صَوْتُ العَقْلِ المُتَمَرِّدِ ، وأداةٌ للثَّورةِ ، وإعادةُ صِياغةٍ للوَعْيِ الجَمْعِيِّ .
|
|