الوجدان الأصيل والعقل السليم: معادلة النهضة المؤجَّلة كتبه د. الهادي عبدالله أبوضفائر

الوجدان الأصيل والعقل السليم: معادلة النهضة المؤجَّلة كتبه د. الهادي عبدالله أبوضفائر


01-01-2026, 03:27 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1767281223&rn=0


Post: #1
Title: الوجدان الأصيل والعقل السليم: معادلة النهضة المؤجَّلة كتبه د. الهادي عبدالله أبوضفائر
Author: د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر
Date: 01-01-2026, 03:27 PM

03:27 PM January, 01 2026

سودانيز اون لاين
د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر-UK
مكتبتى
رابط مختصر




١ يناير ٢٠٢٦ كل عام والكل بألف خير
د. الهادي عبدالله أبوضفائر

في لحظةٍ من صمتٍ كثيف، كأنّ الزمن انكفأ على ذاته، يطلّ التاريخ شاهداً يستحضر فجر الاستقلال. ذلك الفجر الذي أشرقت فيه الشمس على أرضٍ تتنفّس الحرية زفراتٍ متقطّعة، وتخفق القلوب شوقاً لكرامة وطنٍ دُفعت فواتير ميلاده من دم أبنائه. غير أنّ الاستقلال، رغم بهائه الرمزي، لم يكن خاتمة الجرح بل تأجيله، تحرّر فيه الجسد من قبضة المستعمِر، بينما ظلّ الوعي أسير اختلالاته، لأن اللحظة المؤسسة أخفقت في المصالحة بين وجدانٍ أصيل وعقلٍ سليم قادر على بناء الدولة وصياغة معنى الحرية

وهكذا لم يغدُ الاستقلال مشروعاً وطنياً مكتملاً، بل وعداً معلّقاً في الفراغ، تحمله العاطفة دون أن يسنده التفكير، وترفعه الشعارات دون أن تحميه المؤسسات. ومنذ تلك اللحظة، ظلّ الوطن يتأرجح بين نشوة التحرّر وعجز التأسيس، وبين تاريخٍ يُحتفى به ومستقبلٍ لم يُصَغ بعد.

خرجنا من الاستقلال بأجسادٍ حرّة وأحلامٍ مشتعلة، لكننا لم نمتلك بعد أدوات التوازن الحديث التي تؤسّس مجتمعاً يجمع بين وجدانٍ أصيل وعقل سليم. وليس هذا تأمّلاً أخلاقياً معلّقاً في الهواء، بل سؤالاً جوهرياً بامتياز، وطنٍ أنهكته الحروب، فتشوّهت فيه النفوس وتفتّتت الروح، حتى غدا أشبه بمرآةٍ متكسّرة لا تعكس صورتها إلا بقدر ما فيها من تشظّي. وما لم نُعالَج هذا الجرح من الداخل، ستظل كل محاولات البناء السياسي والاقتصادي مجرّد ترميمٍ لسقفٍ يتداعى فوق أساسٍ منهار، خطواتٌ مؤقّتة لا تصنع أمة، ولا تحفظ وطناً.

سبعون عاماً حفرت في الوجدان جراحاً غائرة، حروبٌا لا تهدأ، ونزاعاتٌ زحفت من الأطراف إلى القلب، وانهيارٌا في المؤسسات، وتآكلٌا في القيم التي شكّلت عبر التاريخ سرّ تماسك الوطن. صار المجتمع يعيش بأجسادٍ مرهقة. بلا تعليمٍ يصون العقل، ولا صحةٍ تحفظ القدرة، ولا اقتصادٍ يهب الكرامة.

وفي المقابل، تسرّب إلى الوجدان شعورٌ مرير باللاجدوى، فقد الناس ثقتهم في الدولة، وفقدت الدولة إيمانها بقدرة المجتمع، فانفرط العقد الذي جمعنا يوماً صفّاً واحداً في مواجهة الأزمات. كنا نظنه محكماً لا تطاله يد التفكك، فإذا به يتهاوى بصمتٍ موجع حين اشتدّت العواصف وامتحن الزمن صدق الوقوف.

هنا يتجلّى عُمق المخزون الثمين من القيم الوطنية التي شكّلت روح الأمة عبر الزمن. من الفَزعة التي تهبّ بلا دعوة، إلى المروءة التي تصون الكرامة، ومن احترام الجار إلى صبر الريف الممتدّ، وصولاً إلى تلك اللمسة الإنسانية التي جعلت السوداني يفتح بيته قبل أن يُسأل، ويقدّم قلبه قبل أن يمدّ يده.

هذه القيم، رغم ما أصابها من تآكل تحت ضربات السياسة وانكسارات التاريخ، لم تمت، بل ظلّت كامنة، كنبعٍ صامتٍ ينتظر لحظته ليستعيد صوته ويعلن حضوره. إنّ ترميم الوضع المأزوم لا يبدأ إلا بإحياء هذا الوجدان، بإعادة الإنسان إلى مكانه الطبيعي. كائنًا كاملاً لا يُختزل في قبيلة أو جهة أو إقليم، بل إنساناً يحمل رسالة، يمتلك القدرة على الحلم، وعلى إصلاح ما انكسر.

لكن، الوجدان وحده لا يكفي. فالجسد اليوم، بمعناه المجازي والواقعي، متعب. المؤسسات التي يفترض أن تكون عصب الدولة انهارت أو ضعفت، التعليم أصبح مجرد بقايا منظومة، الصحة تحتاج إلى معجزة، والاقتصاد يقف على حافة الانهيار.

إن ترميم ما انكسر ليس رفاهية، بل شرطٌ أساسي لإحياء الوجدان، فمجتمعٌ جائع أو خائف أو مريض لا يملك القدرة على بناء دولة حقيقية. حين تُعاد الحياة إلى المؤسسات، ويجد المواطن مدرسة تُعلّمه بلا إذلال، ومستشفى يعالجه بلا واسطة، وفرصة عمل تحفظ كرامته، عندها فقط ينهض الوجدان مجدداً، وتُعاد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة. وفي هذا التوازن يقوم أساس الوطن الممكن، حيث يلتقي الحلم بالواقع، ويغدو الأمل فعلاً جماعياً، وتبدأ مسؤولية بناء الدولة من القلب قبل أن تبلغ المؤسسات.

أخطر ما يُصاب به الوطن هو ذلك الانفصال المؤلم بين الوجدان والجسد، قيمٌ جميلة بلا بنية، وبُنى متداعية بلا روح. فترميم الواقع لا يبدأ إلا بالمصالحة بينهما، بصناعة مشروعٍ وطني يتجاوز الثنائيات المدمِّرة: مركز وهامش، يمين ويسار، ختمي وأنصاري وشيوعي وإسلامي، ويتخطّى خطاب الكراهية الذي غذّته الحروب، ويكسر الوهم القديم بأن الأوطان تُدار بالقوة لا بالقيم.

الوطن يحتاج اليوم إلى مشروع يعيد للناس ثقتهم في أنفسهم أولاً، وفي بعضهم ثانياً، و أخيراً في دولتهم، هذا هو جوهر المجتمع الذي يجمع بين الوجدان الأصيل والجسم السليم. في هذا المشروع، لا يكفي الكلام، ولا يكفي الشعور، بل يجب أن تتآلف القيم مع المؤسسات، والروح مع البنية، والحلم مع الواقع، ليصبح الوطن ليس مجرد فكرة أو مكان، بل تجربة حية لكل مواطن قادر على الحلم والإبداع والبناء

إن إسقاط هذه الفكرة على الواقع لا يمنحنا وصفة جاهزة، لكنه بوابة للفهم العميق. فالأزمة ليست في السياسة فقط، بل في النفس التي أُنهكت، وفي الإنسانية التي ضاعت، وفي الفرد الذي لم يعد يجد نفسه في وطنه. فالنهضة الحقيقية لا تبدأ من القصر ولا من المكاتب، بل من ترميم الإنسان نفسه. وإعادة بناء روحه قبل يده، وتجميع شتات وجدانه قبل تسليح جسده. إنها دعوة لإعادة ترتيب الأولويات، حيث يصبح الإنسان محور كل قرار، وصيانته شرطاً لقيام الدولة.

حين يُستعاد للإنسان مكانه الطبيعي، ويجد نفسه موضع احترامه، وحين تُستعاد فيه الثقة من جديد، عندها فقط تُمارَس السياسة بهدوءٍ وعدالة، ويُبنى الاقتصاد على أسسٍ متينة بلا هشاشة، وينهض المجتمع بجسدٍ سليم ووجدانٍ أصيل. في تلك اللحظة يغدو الوطن مساحة يلتقي فيها الحلم بالواقع، والقيم بالفاعلية، والإنسانية بالسياسة، فلا يعود مجرد أرضٍ أو سلطة، بل تجربة حيّة للكرامة والتضامن والقدرة على البناء، حيث تتناغم القوى جميعها لصالح الإنسان أولاً، وقبل أن يستقيم لأي مشروعٍ سياسي أو اقتصادي معنى.

عندما يتكامل الوجدان الأصيل مع جسد سليم، يبدأ الوطن في النهوض من تحت الركام، ليس عودة إلى الماضي، بل ولادة جديدة تمنح الوطن هيبته، والناس كرامتهم، والأرض معنى الانتماء الذي لا يُشترى ولا يُفرض، بل يُبنى من الداخل. يبدأ من القلب، حيث تنبع القيم، ثم من الدولة، حيث تُترجم القيم إلى مؤسسات حيّة، وأخيراً من التاريخ، الذي ينتظر أن نخطّ الصفحة القادمة بيد ثابتة وروح صافية، تحمل الحلم والعلم والعدل، وتجعل من كل مواطن شريكاً في البناء، ليصبح الوطن تجربة متكاملة يلتقي فيها الإنسان بالوطن، والوطن بالكرامة، والكرامة بالمسؤولية.
[email protected]