Post: #1
Title: سِلالٌ خاوية.. جراحُ وطنٍ بين ذكرى الاستقلال ونار الاقتتال.. !!؟؟ كتبه د. عثمان الوجيه
Author: عثمان الوجيه
Date: 12-31-2025, 05:10 PM
05:10 PM December, 31 2025 سودانيز اون لاين عثمان الوجيه-القاهرة-مصر مكتبتى رابط مختصر
- تطلُّ علينا اليوم شمسُ الأول من يناير، حاملةً معها عبق ذكرى استقلال السودان عام 1956م؛ ذلك اليوم الذي ارتفع فيه العلمُ خفاقاً في سماء الخرطوم، معلناً بزوغ فجر الحرية، لكنَّ الذكرى هذا العام تأتي مثقلةً بالآهات، وكأنَّ النيل الذي جرى شرياناً للحياة، بات يفيض دمعاً على بلدٍ تمزقت أواصره وتكالبت عليه المحن، لم تكن طريق الاستقلال ممهدةً بالورود، فبعد عقودٍ من الحروب الأهلية المريرة، شهد العالم في التاسع من يوليو عام 2011م حدثاً زلزل أركان القارة، حيث انفصل جنوب السودان إثر استفتاءٍ شعبي اختار فيه قرابة 88.8% من أبنائه درب الاستقلال، ليوضع ختامٌ دامٍ لاتفاق السلام الشامل الذي وُقع عام 2005م، وبينما كان السودان يحاول لملمة جراحه، انفجر بركان الغضب في الخامس عشر من أبريل عام 2023م، لم يكن يوماً عادياً، بل كان فصلاً من فصول الجحيم؛ حيث اندلعت حربٌ ضروس بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع المتمردة، لتتحول شوارع الخرطوم والمدن السودانية إلى ساحات للدمار، حربٌ لم تذر أخضراً ولا يابساً، وحولت صراع السلطة إلى كارثةٍ إنسانية سحقت البشر والحجر، تحول "سودانُ الخير"، الذي كان يُلقب يوماً بـ "سلة غذاء العالم العربي"، إلى أرضٍ تسكنها المسغبة، وتكشفُ الإحصائياتُ عن واقعٍ يدمي القلوب: فرَّ أكثر من 14 مليون إنسان من ديارهم، تاركين وراءهم ذكرياتهم وأحلامهم تحت الأنقاض، بات انعدام الأمن الغذائي يهدد حياة 25 مليون شخص، أي أكثر من نصف السكان، قفزت معدلات الفقر من 21% قبل الحرب إلى 71%، ليفقد الناس سبل عيشهم ومصادر دخلهم، انكمش الاقتصاد السوداني بنسبة مذهلة وصلت إلى 42%، وسجلت البلاد أعلى معدل بطالة في العالم بنسبة تجاوزت 60%، وفي مدن مثل "الأبيض" وبقية ولايات السودان، تروي مخيمات النزوح قصصاً تفوق الوصف، هناك، حيث يفترش الناس الأرض ويلتحفون السماء، تطلُّ قسوة الشتاء لتزيد من معاناة الملايين الذين يفتقرون للكساء والغطاء، أما الطفولة، فكانت الضحية الأكبر؛ إذ تعثر المسار التعليمي لنحو 12 مليون طفل، ليصبح القلمُ حلماً بعيد المنال، والسبورةُ ذكرى من زمنٍ غابر، لقد ضاقت الأرض بما رحبت على شعبٍ عُرف بالكرم والجود، وبات الجنيه السوداني يتهاوى أمام غلاءٍ فاحش جعل من لقمة العيش صراعاً يومياً من أجل البقاء، ورغم الجهود الرسمية والأهلية، إلا أنَّ حجم المأساة يبتلع كلَّ المحاولات، ويبقى الانتظارُ سيد الموقف. بينما يحتفل العالم ببداية عامٍ جديد، يقف السودانيون بين ذكرى استقلالٍ مجيد وواقع حربٍ أليم، يرفعون أكفَّ الضراعة أن يتوقف نزيف الدم، وأن تعود "سلة الغذاء" لتمتلئ حباً وسلاماً، فالسودان الذي قاوم الأعاصير قديماً، لا يزال قلبه ينبض بالأمل رغم الرماد.. هنا تحضرني طرفة فليسمح لي القارئ الحصيف بأن أوجزها في هذه المساحة وبهذه العجالة وهي:- لقد علمتني سنوات الترحال خارج حدود السودان أن يوم الحادي والثلاثين من ديسمبر ليس مجرد رقمٍ يطوي صفحة عامٍ مضى، بل هو "يوم اليواقيت" في غربتي؛ حيث تحتشد القلوب السودانية في المهاجر، تسهر حتى تباشير الفجر من الأول من يناير، لتعانق ذكرى استقلال بلادنا المجيد، وما أدراك ما فجر الأول من يناير عام ١٩٥٦م؟ إنه الرمز الذي كنا نستمد منه الدفء، نلتقي فيه عائلاتٍ وأفراداً، تجمعنا السفارات أو دور الجاليات، ولا يهم المكان بقدر ما يهم ذاك الوجه السوداني الذي يبتسم لك بحبٍ نبت في وادي النيل، لكن، واأسفاه على ما جرى! فمنذ تلك اللحظة المشؤومة في الخامس عشر من أبريل لعام ٢٠٢٣م، حين اندلعت نيران الحرب الضروس بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع المتمردة، استحال نهارنا ليلاً، حصدت الحرب الأخضر واليابس، وأزهقت أرواح الآلاف، وشردت الملايين في منافي الأرض، ولا يزال الجرح ينزف دون انقطاع، طوال السنوات الثلاث الماضية، تاهت مني ملامح الفرح، ونسيتُ طعم الاحتفالات؛ فكيف يحتفل المرء وهو يرى وطنه يترنح على حافة الهاوية؟ وكيف يبتسم من يرى داره تُهدم وتاريخه يُحرق؟ واليوم، وحين كان العالم يتأهب لاستقبال عامٍ جديد بالأضواء والزينة، وجه لنا أبناء ولايتنا، "غرب كردفان" في مصر، دعوةً من نوعٍ خاص؛ دعوة لتأبين شهداء مدينة "بابنوسة" الصامدة، لقد اختاروا ليلة رأس السنة لا للرقص، بل للوفاء، ليكون تأبين الشهداء هو عنوان لقائنا، عن نفسي، لم أتردد لحظة، حزمتُ أمري وقطعتُ المسافة من الإسكندرية إلى القاهرة، متجاوزاً وعثاء السفر، وتحديات صحتي المتعبة، وبرودة الطقس القارس، لم يكن دافعي مجرد تقديم العزاء فحسب، بل كان شوقاً غلاباً لملاقاة أبناء ولايتي، ولنقف معاً في هذه الليلة تحديداً، نُحيي رمزية استقلال بلادنا الحبيبة من وسط ركام الحزن، مؤكدين أن السودان باقٍ فينا ما بقي النبض Sudan will remain in us as long as we have a pulse. وعلى قول جدتي:- "دقي يا مزيكا !!". خروج:- (فرسان "الكردون" في مدينة الأشباح ..!!؟؟) في صالونٍ مكيّفٍ على شواطئ البحر الأحمر، حيث تبعد "العاصمة" عن رائحة البارود مسافة أكثر ألف كيلومتر من الأمان، اجتمع جهابذة "لجنة أمن ولاية الخرطوم"، كان الاجتماع مهيباً، والوجوه تشي بصرامةٍ لا تلين، وكأنّ على أكتافهم تقع مسؤولية تنظيم طوابير الخبز في "نيويورك" لا إدارة مدينةٍ قسّم الرصاصُ ملامحها، بسط رئيس اللجنة كفيه على الخارطة، وأثنى بصوتٍ جهوريّ على إنجازات "الأطواف المشتركة" وعبقرية "الكردونات" التي أحكمت الخناق على لا أحد، نعم، ففي مدينةٍ هجرها أهلها فراراً من الموت، غدت الإجراءات الأمنية بالغة النجاح؛ فلا لصّ يجرؤ على السرقة لأنه لم يتبقَّ ما يُسرق، ولا مواطن يجرؤ على التذمر لأنه يبحث عن رمقه في مراكز النزوح، ثم، وفي لحظة تجلٍّ سيادي، صدر القرار التاريخي: "يُمنع منعاً باتاً إقامة احتفالات رأس السنة في الصالات والأندية!" يا للهول! أيُعقل أن يجرؤ المواطن "الخرطومي"، الذي ينام على سيمفونية المدافع ويستيقظ على أزيز المسيرات، أن يفكر في حجز "طاولة" في منتجعٍ مطلٍ على النيل؟ خشي أعضاء اللجنة، ببعد نظرهم الثاقب، أن تختلط أصوات الألعاب النارية بأصوات القذائف، فيرتبك العدو أو -لا سمح الله- يستمتع المواطن بلحظة فرحٍ غير مرخصة، ولم يكتفِ "حراس الأمن المستتب" بذلك، بل زادوا في الحزم جرعة: "تُمنع المسيرات والتظاهرات، وسنتعامل معها بحسم!"، ولعل اللجنة كانت تخاطب بقايا الجدران المتفحمة، أو ربما تخشى أن تخرج القطط المشردة في مسيرةٍ تطالب بفتات موائد المسؤولين الذين غادروا البلاد والعباد، وفي ذروة الكوميديا السوداء، وبينما كانت الحكومة في "بورتسودان" تروّج لعودة "دولة المؤسسات" وتزفُّ البشرى بأن رئيس الوزراء سيباشر مهامه من "القصر الجمهوري" المهجور، هذا الأسبوع!؟ -وكأنّ الكراسي ستنطق ترحيباً- جاء قرار المنع هذا ليضع "الكرزة" فوق كعكة العبث، فبالأمس أرسلوا الوفود الصحفية لتصوير "بهجة" العودة واحتفالات الاستقلال، واليوم يخرجون ببيانٍ يمنع الاحتفال خوفاً على "أمن" المدينة التي لم يبقَ فيها جدارٌ قائم، ختمت اللجنة اجتماعها بلمسةٍ إنسانية حانية، فوجهت المحليات بتحسين "الخدمات"، ولعل المقصود بالخدمات هنا هو توفير كميات إضافية من "الكردونات" الأمنية، ففي شرع اللجنة، المواطن الذي لا يجد ماءً أو كهرباء، يكفيه جداً أن يشعر بأنه "ممنوعٌ من الاحتفال" ليعلم أن الدولة لا تزال بخير، وأن الأمن مستتبٌ لدرجة الخنق.. #أوقفوا_الحرب ولن أزيد،، والسلام ختام. [email protected] - @Drosmanelwajeeh
|
|