Post: #1
Title: من القاهرة إلى أنقرة والرياض.. رحلة البحث عن شرعية مستعارة لجنرال بلا أرض! كتبه عبدالغني بريش فيوف
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 12-31-2025, 04:19 AM
04:19 AM December, 30 2025 سودانيز اون لاين عبدالغني بريش فيوف -USA مكتبتى رابط مختصر
في الوقت الذي يحترق فيه جنوب كردفان، وتئنُّ دارفور تحت وطأة المجازر، ويتحول شمال كردفان إلى ساحة مستباحة للموت والنهب، يطل علينا الجنرال عبد الفتاح البرهان، لا من خندق قيادة وسط جنوده، ولا من غرفة عمليات تدير معركة الكرامة المزعومة، بل من قاعات الاستقبال الفخمة في العواصم الإقليمية. يتنقل البرهان الذي ينتحل صفة رئيس السودان، بين الرياض والقاهرة وأنقرة، وكأنه سائح سياسي في رحلة استجمام شتوية وصيفية، بينما بلاده تغرق في دماء أبنائها للسنة الثالثة على التوالي. إن العنوان أعلاه ليس مجرد ترف لغوي أو مبالغة صحفية، بل هو توصيف دقيق وتراجيدي لواقع الحال في السودان اليوم، فزيارة الجنرال البرهان إلى القاهرة اليوم، وهي الزيارة التي قد نكون فقدنا القدرة على إحصاء رقمها في سجلات الأسفار السلطانية، ربما المرة المائة والعشرون كما تشير التقديرات الساخرة والمبكية في آن واحد، تأتي لتؤكد المؤكد وتثبت المثبت، وهي أن القرار السوداني لم يعد يُطبخ في القصر الجمهوري الذي دُمر أصلا، بل يُملى في أروقة المخابرات الإقليمية ويُوقع عليه في فنادق العواصم الخارجية. جنرال الترانزيت: رحلة البحث عن الشرعية المفقودة.. قبل أسبوعين، حطت طائرة البرهان في الرياض، ومنها طار إلى القاهرة، ثم إلى أنقرة، ليعود اليوم مجدداً إلى القاهرة، وهذا الماراثون الدبلوماسي يطرح سؤالا جوهريا لا يجرؤ الأبواق الإعلامية للسلطة على طرحه، وهو، ماذا يفعل قائد جيش خارج بلاده في ذروة حرب وجودية؟ التاريخ العسكري للعالم لم يسجل سابقة لقائد يترك ميدان المعركة مشتعلا، وجنوده يعانون نقص الذخيرة والإمداد، وشعبه يواجه المجاعة والمرض، ليذهب في جولات مكوكية لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد. إن هذه الزيارات المتكررة، التي تأتي في توقيتات حرجة، تفضح حقيقة مرة، وهي أن البرهان لا يملك من أمره شيئا، بل مجرد واجهة هشة لسلطة متآكلة، وساعي بريد برتبة فريق أول، ينقل الرسائل بين العواصم، ويتلقى التوجيهات، ثم يعود ليلقي خطابات حماسية جوفاء عن السيادة الوطنية التي داسها بأحذيته العسكرية على سلم الطائرة الرئاسية المستعارة. عندما يصرح البرهان في ختام زيارته لتركيا بأن النتائج جاءت أفضل مما كان يتوقع، وبأن مستوى التعاون بلغ درجة غير مسبوقة، فإن المواطن السوداني البسيط، النازح في العراء أو اللاجئ في دول الجوار، يتساءل بمرارة: ما الذي يعنيه هذا النجاح بالنسبة لي، هل سيوقف القصف، هل سيعيد المنهوبات، أم أن هذا التعاون غير المسبوق يعني مزيدا من الطائرات المسيرة التي تحيل المعركة إلى محرقة أكبر دون حسم، ومزيدا من الرهن لموارد البلاد ومستقبلها مقابل بقاء الجنرال على كرسيه المهتز؟ إن التنقل بين القاهرة وأنقرة ليس مجرد جولة دبلوماسية، إنه تجسيد للأزمة البنيوية في عقلية القيادة العسكرية الحالية، فالبرهان، الذي يفتقر إلى الظهير السياسي الداخلي والسند الشعبي الحقيقي، يبحث عن عكاز خارجي يتكئ عليه. في القاهرة: يظهر البرهان كالتلميذ المطيع الذي يأتي لتقديم فروض الولاء والطاعة، فمصر، التي تتعامل مع الملف السوداني كملف أمني بحت يتبع جهاز المخابرات لا وزارة الخارجية، ترى في البرهان "الرجل الضرورة"، للحفاظ على مصالحها التقليدية، حتى وإن كان ذلك على حساب تطلعات الشعب السوداني في الحكم المدني والديمقراطية، فالزيارات المتكررة للقاهرة ليست للتشاور، بل لتلقي التحديثات الجديدة في خطة العمل، ولضمان ألا يخرج الجنرال عن النص المرسوم له. القاهرة تخشى الفوضى، لكنها في الوقت نفسه لا تريد سودانا قويا ديمقراطيا قد يخرج من عباءتها، والبرهان هو النموذج المثالي لهذا اللا استقرار المسيطر عليه. في أنقرة: يحاول البرهان اللعب على حبال التناقضات الإقليمية، مستدعيا الإرث القديم ومحاولا استجداء الدعم العسكري واللوجستي من أردوغان. التصريحات عن مناقشة قضايا إقليمية ودولية في تركيا تثير الضحك والبكاء معا، إذ أي دور إقليمي يمكن أن يلعبه رئيس لا يستطيع تأمين محيط مكتبه؟ تركيا، البراغماتية حتى النخاع، لا تقدم شيئا بالمجان، فإذا كان هناك دعم تركي، فالثمن سيكون باهظا، وسيُدفع من سيادة السودان وموارده، وربما من موقعه الجيوسياسي في البحر الأحمر، وهو ما يعيدنا إلى مربع بيع الوطن بالقطعة من أجل استمرار السلطة. الحرب الدائرة الآن، والتي يصر البرهان على وصفها بمعركة الكرامة، تحولت في واقع الأمر إلى حرب بالوكالة، فالجيش السوداني، الذي نخرها سوس الكيزان والفساد، تحول قراره العملياتي والاستراتيجي إلى سلعة خاضعة للمساومات الخارجية، لأن عندما يتوقف القتال فجأة في محور ما، أو يشتعل في محور آخر، لا ينظر المحللون الأذكياء إلى الميدان، بل ينظرون إلى آخر زيارة قام بها البرهان وإلى جدول أعمال المبعوثين الدوليين لبورتسودان. إن زيارات البرهان المكوكية تؤكد أن مفاتيح الحل والعقد ليست في يده وهو لا يملك قرار وقف الحرب، لأنه لم يملك قرار بدئها أصلا، ولأن استمراره مرتبط باستمرارها، لذلك يعلم يقينا أن اليوم التالي لتوقف الحرب هو اليوم الأول لمحاكمته، سواء من قبل الشعب السوداني الذي دُمرت حياته، أو من قبل شركائه في الجريمة، لذلك، يهرب إلى الخارج، يشتري الوقت، ويبيع الوهم. ***************** أخطر ما في هذا المشهد العبثي، هو أن الارتهان للخارج بهذا الشكل الفج يجعل من السودان كعكة تتقاسمها الأطراف الإقليمية، إذ ان كل دولة تدعم طرفا، أو فصيلا، أو جنرالا، بما يخدم مصالحها، والنتيجة هي تحول السودان إلى دويلات متناحرة. نحن نرى اليوم بوادر هذا التفتيت رأي العين، دولة في بورتسودان يديرها البرهان وتتلقى تعليماتها من القاهرة، ودولة في الغرب تسيطر عليها ميليشيا الدعم السريع وتتلقى تعليماتها من دولة الأمارات العربية المتحدة، وحركات مسلحة تتفرج وتنتظر حصتها من الغنيمة، والبرهان، بزياراته التي لا تنقطع، يكرس هذا الواقع، هو يتصرف كعمدة لمنطقة معينة يبحث عن تحالفات لحماية نفوذه المتبقي. السيناريو الليبي الذي كان وهّما في نظر السودانيين قد أصبح اليوم واقعاً، فالتدخلات الخارجية لا تهدف إلى إعادة بناء الدولة، بل إلى خلق وكلاء محليين يضمنون مصالح الرعاة، وبهذا السلوك، يثبت البرهان الذي يستجدي الخارج، أنه ليس حارسا للسيادة، بل هو سمسار يسهل عملية التفكيك الناعم للدولة السودانية. مشهد البرهان وهو يصافح الزعماء ببدلته الأنيقة أو زيه العسكري النظيف، يتناقض بشكل صارخ مع صور الجنود السودانيين الحفاة الجياع، ومع صور المواطنين الذين يموتون بالكوليرا والرصاص الطائش، هذا الانفصال عن الواقع هو سمة الطغاة في مراحلهم الأخيرة. لقد أصبح البرهان، عبئا حتى على المؤسسة العسكرية نفسها، فالضباط الشرفاء إن بقي منهم أحد يملك صوتا، يدركون أن قائدهم قد حول الجيش إلى شركة أمنية خاصة لحماية مصالحه ومصالح رعاته الإقليميين، وان استمراره على قيادة الجيش، هو إهانة للعسكرية السودانية قبل أن يكون إهانة للشعب. إن القول بأن زيارات للخارج، تهدف إلى شرح وجهة النظر الحكومية، هو استخفاف بالعقول، لأن العالم كله يعرف ما يحدث في السودان، حيث ان الأقمار الصناعية ترصد كل شيء، والتقارير الاستخباراتية تصل إلى مكاتب الرؤساء قبل وصول البرهان نفسه، ولا أحد يحتاج لشرح البرهان الركيك، هم يستقبلونه لسبب واحد، وهو لإعطائه التعليمات الجديدة، وللتأكد من أن الوكيل لا يزال تحت السيطرة. ******************* في ختام قراءة هذا المشهد التراجيدي الذي يعيشه السودان، لا يمكننا الاكتفاء بالنظر إلى تحركات الجنرال عبد الفتاح البرهان على أنها مجرد جولات دبلوماسية فاشلة أو محاولات بائسة للبحث عن طوق نجاة، بل يجب أن نرى الصورة في كليتها المرعبة. إننا أمام حالة نموذجية للهروب إلى الأمام، حيث يظن الحاكم الذي فقد أرضه أن السماء قد تمنحه الملاذ، وأن أختام الجوازات قد تعوضه عن بصمات الناخبين أو هتافات المؤيدين. إن مأساة البرهان الحقيقية لا تكمن فقط في كونه جنرال الترانزيت الذي يقضي في الأجواء وقتا أطول مما يقضيه في إدارة شؤون دولته المنهارة، بل تكمن المأساة في قناعته الوهمية بأن الشرعية سلعة قابلة للاستيراد، وأن الكرسي الذي يهتز في الخرطوم يمكن تثبيته بمسامير تُصنع في أنقرة أو القاهرة أو الرياض. إن هذا الانفصال التام عن الواقع يضعنا أمام مفارقة وجودية مؤلمة، فبينما يلمع حذاء الجنرال العسكري على السجاد الأحمر الفاخر في قاعات الاستقبال الملكية والرئاسية، تنغمس أقدام جنوده وشعبه في وحل المعارك والدماء والنزوح، وبينما يبتسم للكاميرات مصافحا زعماء المنطقة، يواجه شعبه تكشيرة الموت في كل زاوية وشارع. هذا التناقض ليس مجرد سوء تقدير سياسي، بل هو سقطة أخلاقية مدوية ستظل تلاحقه، فالقائد الذي يترك خنادق جنوده ليبحث عن "البرستيج" في فنادق العواصم، يفقد أهم ركن من أركان القيادة العسكرية والسياسية: القدوة والالتحام بالمصير المشترك. علينا أن نسمي الأشياء بمسمياتها دون مواربة، وهو إن ما يفعله البرهان اليوم، هو عملية تعهيد للسيادة الوطنية. إنه يضع قرار الحرب والسلم، ومستقبل الدولة، وحتى جغرافيا السودان وموانئه، على طاولة المفاوضات كأوراق مقايضة مقابل ضمان بقائه السياسي، لكنه في غمرة هذا البازار المفتوح لبيع السيادة، ينسى درسا بديهيا لقنه التاريخ لكل الطغاة والواهمين: إن الوكيل مهما اجتهد في خدمة مصالح رعاته، يظل مجرد ورقة قابلة للحرق بمجرد انتهاء صلاحيتها أو تغير المصالح. إن العواصم التي تستقبله اليوم بالبساط الأحمر، لن تتردد غدا في سحبه من تحت قدميه إذا اقتضت حساباتها الاستراتيجية ذلك، وحينها لن يجد الجنرال أرضا يقف عليها، لا في الخارج الذي سيطرده، ولا في الداخل الذي دمره. إن التاريخ، ذلك القاضي الذي لا يرتشي ولا ينسى، يسجل الآن كل حركة وسكنة، وهو لن يكتب في صفحاته أن البرهان كان رئيسا خاض حربا بشرف، أو قائدا سعى للسلام بصدق، بل سيسجله كشاهد زور على مرحلة الانحطاط الكبرى للدولة السودانية. سيكتب التاريخ أنه في الوقت الذي كان فيه السودان يحتاج إلى جراح ماهر يضمد جراحه ويبتر أسباب الفتنة، ابتلي بتاجر شنطة سياسي، يحمل هموم وطنه في حقيبة سفر، ويعرضها في مزادات الولاء الإقليمي لمن يدفع ثمن البقاء، لا ثمن الوطن. يجب أن يدرك البرهان ومن يصفقون له، أن الشرعية الحقيقية لا تسكن في قصر الاتحادية بالقاهرة، ولا في المجمع الرئاسي بأنقرة، ولا في قصور بن سلمان بالرياض، إنها نبتة لا تنمو إلا في تربة السودان، ولا تُسقى إلا برضا الشعب، فليريكم الجنرال أميال السفر كما يشاء، وليملأ جواز سفره بالأختام والتأشيرات، لكن عليه أن يعلم يقينا أن كل طائرة تقلع به بعيدا عن الخرطوم، هي في الحقيقة تقربه خطوة نحو نهايته المحتومة. نهايته لن تكون بقرار إقليمي، بل بإرادة سودانية خالصة ستخرج يوما ما من تحت الرماد، لتعلن أن الأرض لا تمنح سرها لمن هجرها، وأن من ارتضى لنفسه دور الظل للآخرين، سيتلاشى حتما بمجرد غياب شمس رعاته، ليجد نفسه وحيدا، عاريا من أي شرعية، ومحاصرا بلعنة الخراب التي صنعها بيده.
|
|