السودان: ما بعد العولمة قبل ما بعد الحرب
 كتبه عمر سيد احمد محمد

السودان: ما بعد العولمة قبل ما بعد الحرب
 كتبه عمر سيد احمد محمد


12-30-2025, 12:26 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1767097585&rn=0


Post: #1
Title: السودان: ما بعد العولمة قبل ما بعد الحرب
 كتبه عمر سيد احمد محمد
Author: عمر سيد احمد محمد
Date: 12-30-2025, 12:26 PM

12:26 PM December, 30 2025

سودانيز اون لاين
عمر سيد احمد محمد-دبي
مكتبتى
رابط مختصر




د
[email protected]
ديسمبر 2025



مدخل: لماذا «ما بعد العولمة»؟

في كتاب «ما بعد العولمة»، يجادل إريك كازدين وإمري زيمان بأن العولمة لم تكن مجرد مرحلة اقتصادية أو تقنية، بل كانت مشروعًا أيديولوجيًا وزمنيًا أعاد تعريف العالم بطريقة أخفت الرأسمالية وقدّمتها كأفق نهائي لا يُسأل. فالعولمة، بهذا المعنى، لم تُلغِ الرأسمالية، بل جعلتها غير مرئية، وحوّلت ما هو سياسي وتاريخي إلى ما يبدو طبيعيًا وحتميًا.

هذه الأطروحة، التي صيغت أساسًا في سياق نقد التجربة الغربية، تكتسب قوة تفسيرية خاصة عند إسقاطها على دول الهشاشة والصراع، وعلى رأسها السودان. فالسودان لا يعيش فقط مأزق «ما بعد الحرب»، بل يعيش مأزقًا أعمق: ما بعد العولمة دون أن يكون قد عاش العولمة ذاتها.


العولمة التي لم تكتمل في السودان

لم يدخل السودان العولمة من بوابة التصنيع أو الاقتصاد المنتج، بل دخلها من موقع الطرف الهشّ، عبر تصدير المواد الخام، والاندماج غير المتكافئ في السوق العالمي، وتحرير اقتصادي جرى دون دولة قادرة على التنظيم أو الضبط. وبدل أن تقود سياسات الانفتاح إلى بناء قاعدة إنتاجية، عمّقت الاقتصاد الريعي، ووسّعت اقتصاد الظل، وفككت العلاقة بين الدولة والمجتمع.

بهذا المعنى، تشكّلت في السودان عولمة مشوّهة: اندماج في الأسواق دون اندماج في المؤسسات، وانفتاح على الخارج دون سيادة داخلية. لم تكن العولمة هنا مسارًا تاريخيًا مكتملًا، بل خطابًا مستوردًا طُبّق على بنية دولة ضعيفة واقتصاد تابع.


الانكشاف المبكر ونهاية الوهم

عندما انهارت العولمة كسردية كبرى عالميًا بعد أزمة 2008، كان السودان قد دخل بالفعل مرحلة الانكشاف المبكر: اقتصاد بلا إنتاج، دولة بلا قدرة تنظيمية، ونخب بلا مشروع وطني. لم تنتهِ العولمة في السودان لأنها نجحت، بل لأنها كشفت حدودها البنيوية قبل أن تُنتج وعودها.

وكما يشير كازدين وزيمان، فإن نهاية العولمة لا تعني نهاية العمليات المرتبطة بها، بل نهاية قدرتها على إخفاء النظام الذي تعمل لصالحه. وفي السودان، ظهرت الرأسمالية بعد هذا الانكشاف في أكثر صورها فجاجة: رأسمالية ريعية، غير تنافسية، مرتبطة بالموارد الخام، وبشبكات التهريب، وباقتصاد الحرب.


الحسّ العام ومنع السؤال السياسي

في هذا السياق، لعب ما يسميه كتاب «ما بعد العولمة» بـ«الحسّ العام» دورًا مركزيًا في تعطيل المساءلة. تحوّلت مقولات مثل «الظروف الدولية»، و«الإصلاح المؤلم»، و«لا بديل عن السوق» إلى مسلّمات تُستخدم لتبرير الانهيار لا لتفسيره.

وهكذا جرى إخراج الأزمة من نطاق السياسة، وتحويلها إلى قدر اقتصادي. وعندما يصبح الواقع بديهيًا، يموت السؤال السياسي.


حدود الإصلاح الليبرالي وتجربة الانتقال

تجلّى هذا المأزق بوضوح خلال الفترة الانتقالية بعد ثورة ديسمبر 2018. سادت مقاربة ليبرالية افترضت أن الإصلاح الاقتصادي التقني، عبر تحرير الأسعار واستعادة ثقة المؤسسات الدولية، يمكن أن يقود تلقائيًا إلى استقرار سياسي.

غير أن هذه المقاربة لم تمسّ جوهر الأزمة، لأنها انطلقت من داخل النموذج نفسه الذي أنتج الدولة الريعية الهشّة. وكما يبيّن كازدين وزيمان، فإن هذا النوع من الإصلاح لا يفتح أفقًا جديدًا، بل يعيد إنتاج النظام القائم بصيغة أكثر قسوة.


جيل الثورة السودانية وانسداد الأفق

ينطبق على جيل الثورة السودانية ما يسميه كتاب «ما بعد العولمة» «الجيل العولمي»: جيل يمتلك وعيًا نقديًا مرتفعًا ورفضًا عميقًا للنخب التقليدية، لكنه يعيش في حاضر دائم بلا أفق مستقبلي.

أدرك هذا الجيل فشل الدولة والاقتصاد الريعي، لكنه لم يُمنح مشروعًا اقتصاديًا–اجتماعيًا بديلًا يحوّل الوعي إلى فعل جماعي منظم. ومع اندلاع حرب أبريل 2023، لم يُغلق الأفق السياسي فقط، بل انهار الأفق الزمني ذاته، وتحولت السياسة من فضاء للتغيير إلى هامش للنجاة اليومية.


ما بعد الحرب: إعادة إعمار أم إعادة إنتاج؟

من هنا، يصبح سؤال «ما بعد الحرب» سؤالًا مضلِّلًا إذا اقتصر على إعادة الإعمار أو وقف إطلاق النار. الخطر الحقيقي يكمن في إعادة بناء الحاضر نفسه دون كسر النموذج الذي جعل الانهيار ممكنًا ومتكررًا.

إعادة إعمار دولة ريعية، أو استعادة اقتصاد تابع، أو إعادة تدوير النخب ذاتها، لن تقود إلا إلى دورة جديدة من العنف.


خاتمة: السودان كحالة كاشفة

السودان ليس حالة استثنائية، بل حالة كاشفة. مثال لما يحدث حين تنتهي العولمة كوعود، دون أن يولد بديل سياسي أو اقتصادي في سياق دولة هشّة.

والسياسة، كما يذكّرنا كتاب «ما بعد العولمة»، لا تبدأ بالوصفات التقنية، بل باستعادة القدرة على التخيل التاريخي. والسؤال الحقيقي اليوم ليس كيف نعود إلى ما قبل الحرب، بل كيف نخرج من النموذج الذي جعل الحرب ممكنة ومتكررة.