Post: #1
Title: عندما يصبح العناق مستحيلًا: مأساة السودانيين العالقين خلف الموافقات الأمنية كتبه الطيب محمد جادة
Author: الطيب محمد جاده
Date: 12-30-2025, 12:22 PM
12:22 PM December, 30 2025 سودانيز اون لاين الطيب محمد جاده-السودان مكتبتى رابط مختصر
عندما يصبح العناق مستحيلًا: مأساة السودانيين العالقين خلف الموافقات الأمنية الطيب محمد جادة صحفي مستقل
في لحظةٍ فارقة من تاريخ السودان الحديث، اندلعت الحرب لتقلب حياة الملايين رأسًا على عقب، وتدفع بالأسر السودانية إلى واحدة من أقسى موجات النزوح واللجوء التي شهدتها المنطقة. لم يكن الهروب من صوت الرصاص ودوي القذائف خيارًا، بل كان ضرورة للبقاء، خصوصًا للنساء والأطفال وكبار السن. ومع اتساع رقعة الصراع، وجد السودانيون أنفسهم مضطرين لعبور الحدود إلى دول الجوار، بحثًا عن الأمان المؤقت، ولو كان هشًا. اتجه عشرات الآلاف من السودانيين إلى تشاد، وأوغندا، وإثيوبيا، وجنوب السودان، وكينيا. ورغم الصعوبات الاقتصادية والبنية التحتية المحدودة في بعض هذه الدول، إلا أن مسألة التواصل الإنساني والأسري بقيت ممكنة إلى حدٍ كبير. فقد استطاعت أسرهم المقيمة في دول الخليج وأوروبا أن تزورهم، وتقدم لهم الدعم المباشر، سواء المادي أو النفسي، دون عوائق معقدة أو شروط تعجيزية. كانت الزيارة في حد ذاتها رسالة أمل، تؤكد أن الروابط العائلية ما زالت قادرة على الصمود أمام قسوة الحرب. لكن المشهد اختلف تمامًا بالنسبة للسودانيين الذين لجأوا إلى مصر. فعلى الرغم من القرب الجغرافي، والروابط التاريخية والاجتماعية العميقة بين الشعبين السوداني والمصري، تحولت مصر إلى وجهة مغلقة إنسانيًا أمام عائلات اللاجئين. لم تعد الزيارة العائلية حقًا طبيعيًا، بل أصبحت حلمًا بعيد المنال، تحيط به الحواجز الأمنية والإجرائية، وتتحكم فيه شبكات من السماسرة الذين وجدوا في معاناة الناس سوقًا مفتوحة للابتزاز. بحسب شهادات متطابقة من أسر سودانية، فإن ما يُعرف بـ”الموافقة الأمنية” أصبح سلعة تُباع وتشترى، وبأسعار خيالية تصل إلى ثلاثة آلاف دولار للفرد الواحد. هذا المبلغ يفوق قدرة معظم الأسر التي أنهكتها الحرب، واستنزفت مدخراتها في رحلة الهروب والنزوح. وبدلًا من أن تكون الإجراءات واضحة ومؤسسية، تُدار عبر قنوات رسمية، تُرك الأمر في أيدي سماسرة الأزمات، الذين لا يملكون سوى استغلال الوجع الإنساني لتحقيق أرباح سريعة. الأخطر من ذلك، هو الشعور العام بالعجز والإهمال. فالسفارة السودانية في القاهرة، التي يُفترض أن تكون الملاذ الأول للمواطن السوداني في الخارج، تبدو وكأنها تراقب المشهد من بعيد. لا بيانات رسمية توضح الموقف، ولا تحركات دبلوماسية ملموسة تخفف من حدة الأزمة، ولا حتى مبادرات إنسانية محدودة تُشعر اللاجئين بأن دولتهم ما زالت حاضرة، ولو بالحد الأدنى. هذه الأزمة لم تعد مسألة إجراءات سفر أو زيارات عائلية فقط، بل تحولت إلى جرح إنساني عميق. آباء حُرموا من رؤية أبنائهم لأشهر وربما سنوات، وأمهات يعشن قلقًا دائمًا على أولادهن في الغربة، دون القدرة حتى على احتضانهم أو الاطمئنان عليهم وجهًا لوجه. أطفال كبروا بعيدًا عن آبائهم، لا يفهمون لماذا أصبح اللقاء مستحيلًا، ولماذا تُقاس الروابط الأسرية بالدولار. إن ترك هذا الملف دون معالجة لا يهدد فقط النسيج الاجتماعي للأسر السودانية، بل يترك آثارًا نفسية واجتماعية طويلة الأمد، ستظهر نتائجها لاحقًا في شكل تفكك أسري، واضطرابات نفسية، وشعور عميق بالخذلان. فاللاجئ لا يحتاج فقط إلى مأوى وطعام، بل يحتاج أيضًا إلى الشعور بالكرامة، وبأن معاناته مفهومة ومحترمة. من هنا، تتعاظم المسؤولية السياسية والأخلاقية على الحكومة السودانية، رغم تعقيدات وضعها الداخلي. إننا ندعو رئيس الوزراء ووزير الخارجية إلى التحرك العاجل، وفتح قنوات تواصل مباشرة مع الحكومة المصرية، لوضع حل إنساني لهذه الأزمة. الحل لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى إرادة سياسية تعترف بأن الظروف استثنائية، وأن التعامل معها يجب أن يكون بروح إنسانية، لا بمنطق أمني جامد. كما أن الحكومة المصرية، التي طالما أكدت على عمق العلاقة مع السودان، مدعوة اليوم لإثبات هذا العمق على أرض الواقع. فالتاريخ المشترك لا يُقاس بالخطابات، بل بالمواقف في أوقات الشدة. وتسهيل الزيارات العائلية، أو على الأقل تنظيمها عبر آليات رسمية شفافة، سيكون رسالة إيجابية قوية، تعكس احترام مصر للقيم الإنسانية، قبل أي اعتبارات أخرى. في النهاية، تبقى الحرب مأساة، لكن ما يزيد قسوتها هو الصمت تجاه معاناة الأبرياء. إن حرمان الأب من أبنائه، والأم من أولادها، ليس تفصيلًا عابرًا، بل جريمة إنسانية صامتة، تتراكم آثارها يومًا بعد يوم. ومع كل تأخير في الحل، يتسع الجرح أكثر، ويصبح رأبه أصعب. فهل يتحرك المسؤولون قبل أن تتحول هذه المعاناة إلى قدر دائم؟
|
|