Post: #1
Title: وثيقة بديلة وجواز معطَّل- كيف تكشف إجراءات الحركة الشعبية عن تشظي الدولة السودانية؟
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 12-30-2025, 04:41 AM
04:41 AM December, 29 2025 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
في تطور لافت يعكس تعقيدات المشهد السوداني المتشظي، أفاد نازحون من مدينتي كادوقلي والدلنج بأن سلطات الحركة الشعبية – شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، أوقفت عملياً الاعتراف بجواز السفر السوداني داخل مناطق سيطرتها وألزمت الراغبين في العبور إلى دولة جنوب السودان بالحصول على وثيقة سفر محلية تصدرها إدارات مدنية تابعة لها وبحسب شهادات متطابقة، فإن هذه الوثيقة تُستخرج عبر إجراءات طويلة ومعقدة في مراكز مثل كادوا وأم دولو وتنقلي، ما أدى إلى تعطيل عبور آلاف المدنيين الفارين من مناطق القتال والحصار لأسابيع، بل وأشهر في بعض الحالات. ويشير نازحون وصلوا إلى جوبا إلى أن الوثيقة الممنوحة لا تسمح بالسفر إلى العاصمة مباشرة، بل تقتصر على الوصول إلى مخيم إيدا الحدودي، حيث تبدأ مرحلة جديدة من المعاناة الإدارية للحصول على أوراق إضافية ويؤكد بعض الفارين أن من احتفظ بجوازه السوداني تمكن أحياناً من استخدامه، بينما يُسمح للمنتمين إلى إثنية النوبة بالعبور إلى جوبا عبر ما يُعرف بـ«وثيقة شعب النوبة»، الصادرة في مخيم إيدا مقابل رسوم مالية، وذلك بموجب ترتيبات \ بين الحركة الشعبية – شمال وسلطات دولة جنوب السودان. في المقابل، يواجه غير المنتمين إلى النوبة صعوبات أكبر، إذ يُطرح سؤال الانتماء القبلي ضمن إجراءات إصدار الوثائق مصادر محلية تحدثت عن أوضاع إنسانية بالغة القسوة في كادوقلي والدلنج، في ظل حصار تفرضه الحركة الشعبية – شمال وقوات الدعم السريع المتحالفة معها ضمن تحالف السودان التأسيسي، ما حدّ من قدرة السكان على الخروج أو الحصول \على احتياجاتهم الأساسية. ووفق هذه المصادر، أنشأت الحركة مركزين لاستقبال الفارين في تنقلي وأم دولو، قبل نقلهم إلى ثلاثة معسكرات في مقاطعة إنبونق، تضم عشرات الآلاف من النازحين
وتروي أم خيال بدر، وهي نازحة من كادوقلي، أنها اختارت العبور عبر تنقلي وأم دولو بعد نصائح من أقاربها بأن الإجراءات هناك أقل تعقيداً، لكنها انتظرت أسبوعين قبل الوصول إلى مخيم إيدا، ولم تتمكن من السفر إلى جوبا إلا بعد شهر كامل وبمساعدة منظمات إنسانية. في المقابل، تقول مريم عبد النبي إن فقدان جوازات السفر جعل رحلة أسرتها أكثر صعوبة، وإن الوصول إلى مخيم إيدا لم يكن نهاية المعاناة، بل بداية مرحلة جديدة من الانتظار واللايقين
بعيداً عن البعد الإنساني المباشر، تطرح هذه الإجراءات أسئلة عميقة حول مستقبل الدولة السودانية ووحدة سيادتها القانونية. فاستبدال الجواز الوطني بوثيقة محلية، وربط حرية الحركة بالانتماء الإثني، يعكس انتقال الصراع من مواجهة عسكرية إلى إعادة تشكيل فعلي لمفهوم المواطنة والحدود والشرعية. إنها ممارسات تُنتج، بحكم الواقع، سلطات موازية ووثائق بديلة، وتعيد تعريف من هو «المواطن» ومن يملك حق العبور والحماية لا يمكن فصل هذا التطور عن السياق الأوسع للحرب والانهيار المؤسسي في السودان. فمع تراجع سلطة الدولة المركزية، تتقدم الحركات المسلحة والقوى المحلية لملء الفراغ، ليس فقط أمنياً، بل إدارياً وقانونياً وفي ظل غياب إطار وطني جامع تتحول الوثائق إلى أدوات سيطرة، لا مجرد وسائل تنظيم في المحصلة، لا تبدو قضية الوثيقة الجديدة مجرد إجراء إداري عابر، بل مؤشر على مرحلة أخطر من تشظي الدولة، حيث تتآكل الرموز السيادية من الجواز إلى الحدود – وتُستبدل بترتيبات أمر واقع وبينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر من حريتهم وأمنهم وكرامتهم، يبقى السؤال مفتوح هو هل ما يجري هو إدارة أزمة مؤقتة، أم ملامح تفكك طويل الأمد لدولة لم تعد وثائقها صالحة في كل أراضيها؟
|
|