Post: #1
Title: ثوار ديسمبر: ما بين سجن وبيوت أشباح ونصوص قانون تّحاك بخيوط الانتقام كتبه الصادق حمدين
Author: الصادق حمدين
Date: 12-29-2025, 07:42 PM
07:42 PM December, 29 2025 سودانيز اون لاين الصادق حمدين-UK مكتبتى رابط مختصر
ليس السجن جريمة، ولا الإعدام فعلاً آثما، ما داما يولدان من رحم العدالة، ويقف القصاص فيهما على ميزان الحق لا يميل. لكنهما ينقلبان إلى خنجر مسموم حين يُفرغان من معناهما، ويُعاد تشكيلهما بحبر الحقد والتشفي والانتقام، ثم يُوقَّعان باسم القانون بعد أن تُغتال روحه وتُصادر غايته. عندها لا يعود القمع إجراء، بل عدواناً، ولا تصبح القوة هيبة دولة، بل أداة عسف تُشهر في وجه شباب عُزّل، لم يحملوا سوى أصواتهم وإصرارهم على حياة العزة والكرامة والحرية.
الاعتقال خارج نطاق القضاء والقانون والأحكام التعسفية الصادرة بحق بعض الناشطين من ثوار ثورة ديسمبر المجيدة ليست سوى فصل جديد في مسرحية قديمة، تتبدّل فيها الوجوه والأدوار وتبقى العقلية ذاتها: سلطة تخشى الذاكرة، وترتعد من اسم ديسمبر وثوارها، وترى في الأحرار خطرا داهماً يفوق خطر الجيوش الذين هربت من قتالهم كورقة "استنسل"، أمام عاصفة هوجاء.
تحت مواد مرقمة حمالة أوجه تحمل أكثر من تفسير وهي: (26، 50، 51) بظاهرها تُشنق الكلمات، وتُدان النوايا، وتكمم الأفواه، ويصادر التعبير، ويُحاكم الحلم لأنه تجرّأ أن يكون أعلى من شرفات القصر، وأقوى من سلطة القهر، وأصدق من منابر الزيف. وانبل من دعاة الوطنية الكَذَبَة الذين يحاربون الوطن نفسه آناء الليل وأطراف النهار.
هذا ليس قانونا، بل هو قانون اللا قانون: نصوص تُستدعى حين يُراد الانتقام، وتُطوى حين يُسأل الفساد ويطل برأسه متحديا. ميزان مائل لا يعرف الوزن إلا إذا كان الثقل على رقاب الثوّار الأماجد، ولا يرى الجريمة إلا إذا كان مرتكبها أعزل، حرّاً، وصادقاً ثوريا مصادماً.
الكيزان، وقد سُحبت منهم عروش الخداع، وسلطة الدم، يحاولون استعادة الزمن إلى الوراء بالمشانق، ويرمّمون إمبراطورية سقطت بأحكام تُشبههم: قاسية، جوفاء، وخائفة مرتعشة. إنهم لا يحاكمون أشخاصا بأسمائهم، بل يحاكمون ثورة ديسمبر نفسها؛ يحاكمون الهتاف الأول، "تسقط بس"، ولافتة "أرحل" التي كتبت بحبر الشجاعة والاقدام.
ويحاكمون الشارع حين قال كلمته حرية سلام وعدالة، ويكسرون قلب الأم التي خبّأت ابنها الوحيد من الرصاص، ولم تستطع أن تخبّئه من قضاء مُسيّس يحمل حبل مشنقة بدلا عن يراع العدل، وحبر الانصاف وفي الحالتين تقرر السلطة الباغية مصير الابن.
إن الكيزان بهوسهم ضد ثوار ديسمبر: يريدون إخراس الصوت، لكن فات عليهم أن الصوت فكرة، والفكرة لا تُعدم. يريدون كسر الثورة، وهم لغبائهم لا يدرون ان الثورة ذاكرة شعب، والذاكرة لا تعدم ولا تُسجن. كل حكم يصدر بلا عدالة هو شهادة إدانة على من أصدره، وكل مشنقة تُنصب للثوّار ترفعهم أعلى في ضمير الأمة، وتُسقِط جلاديهم إلى قاع التاريخ.
الحرية الكاملة لكل شباب ثورة ديسمبر المجيدة الذين يتعرّضون اليوم للتعذيب والقهر والإذلال. إن الجرائم التي ارتكبها زبانية النظام بحق هؤلاء الشباب لا يمكن اختزالها في بيانات أو شعارات؛ فمساءلتهم ومحاسبتهم حق أصيل لا يسقط بالتقادم، ولا تُلغيه مواد كُتبت لتكون سكاكين لا قوانين.
وليُدرك الطغاة أن أنظمة القهر لا تعود، حتى وإن أعادت تدوير الموت، فالشعوب التي تعلّمت قول “لا” لا تنطقها مرةً أخيرة. ولا صوت يعلو فوق صوت الشعب.
وليعلم الشعب السوداني أن كثيرا مما استعصى فهمه من فتن مجتمعية، وهتك للنسيج الاجتماعي لن تُفكّ شفرته إلا عبر هؤلاء الشباب؛ فهم ضمير البلاد الحي، وهم الامتداد الحقيقي لذاكرة الهتاف: يا عسكري يا مغرور… كل البلد دارفور.
لم يعرف السودان وحدته الصادقة، ولا قدرته على تجاوز الفوارق الاجتماعية والجهوية، كما عرفهما في ساحة اعتصام القيادة العامة؛ هناك حيث انصهرت الهويات في هوية الوطن، وارتفعت القيم فوق الجراح. فاعذرونا أيها الأبطال، إن خانتنا الكلمات؛ فهي لا تفك قيداً، ولا تُسكِت وجعاً، لكنها تملك أن تُربك الجلاد، وتفضح ما يسعى إلى دفنه في دهاليز الصمت وأنفاق الظلام. لكم التقدير والاحترام، فالبطولة الحقة ليست في النجاة، بل في قول "لا"، عالية في وجه المستبد، وفي احتمال ثمنها من حرية الجسد من أجل حرية الوطن. وكما قال أبراهام لينكولن، في وصف من صادروا حق الحرية: من ينكر الحرية على الآخرين لا يستحقها لنفسه.
فلنرفع أصواتنا عالية في وجه التعذيب والسجن والقتل الذي يطال شباب ديسمبر المجد، لا بدافع الشفقة، بل دفاعاً عن آخر أوراق الحرية، وعن حق هذا الوطن في مستقبل لا يُكتب بالمشانق، بل يُصاغ بقيم العدالة. فالحرية لا تُمنَح، بل تُنتَزع، وثمنها باهظ، وكما قيل: "وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ"
الصادق حمدين
|
|